القرن الأفريقي ومهمّة المستقبل الإسلامي

القرن الأفريقي ومهمّة المستقبل الإسلامي

19 أكتوبر 2021
الصورة
+ الخط -

فُتحت لي، خلال سنوات المهجر، الأبواب للتعرّف على نخبٍ مميزةٍ من شباب دول القرن الأفريقي، تحديداً الصومال وإريتريا وجيبوتي وإثيوبيا، وإنْ كان هذا التميز لا يقف عند هذه الدول على مستوى أفريقيا، وإنما موج الفكرة النهضوية والتنوير الإسلامي الرشيد يتقدّم اليوم في كل أفريقيا السمراء. ولكن لهذه المنطقة خصوصية مؤثرة جداً على الوطن العربي، وعلى معنى البعث الفكري الجديد الذي يحتاجه الشرق بتعريفه جغرافيا فكرية لا طبيعية، وقصة عالم الجنوب التي لا تزال حاضرة تدافعا فكريا يشمل الشراكة الإنسانية والمواجهة للسياسات الإمبريالية.
ولعل وجود العروبة على ضفاف هذا القرن وعمقه يُعزّز هذا التجاذب الجديد، لكن العرب والعروبة هنا لا تقفان عند الأصل العرقي، وإنما الجوار والملازمة واللسان، والتداخل الديموغرافي والأنثروبولوجي العميق. وحين تغيّرت الأوضاع السياسية في الخليج العربي، قذف موجُ الهجرة كنزاً من شباب هذه الدول، كانوا ولا يزالون أشقاء الروح وشركاء الوطن من دون جنسية موحّدة، فهنا وطن الفكر واتحاد العاطفة الذي جمعنا مع أبنائنا من مواليد السعودية وغيرها، تصنع لنا رباطاً وثيقا جميلاً في مهجرنا الجديد.
هذا الموج الشبابي الذي حطّ رحاله منذ عقد وتكاثر جمع بين القاعدة الفكرية والاجتماعية التي خالطها في الخليج العربي وميراث آبائه ومدارس الإنسان في شرق أفريقيا، عربه وأفارقته، وبين مسرح الحياة الجديد في المهجر الغربي، وأضف على ذلك عالم إسطنبول المحتشد.

مؤسفٌ جدا أننا نشهد الصراعات باسم القبيلة أو الأقاليم، ولا تتوقف حتى تُنهك البلاد والعباد وتمسّ الآمنين المطمئنين

إذاً، هذا التمازج والاندماج في رحلة المهاجرين الجدد أوجد أرضية إبداع وتميّز، في العبور إلى ضفة الحياة بفكرة الإسلام الرسالي، وبآفاق تمازجه الإنساني، وهي فكرةٌ خُنقت في الخليج سابقاً، لأسبابٍ مذهبيةٍ وسياسية. أما اليوم فهي تنتقل إلى مدارات حرّيةٍ أخرى، هذه الحرية الفكرية تتقدّم في فتح باب فلسفة الفنون والآداب الإنسانية. وعلاقتها بجوهر الرؤية الكونية مدرسةٌ قديمةٌ جديدةٌ خطاها فلاسفة متقدّمون ومتأخرون، لم يبتدعها علي عزت بيغوفيتش، لكنّه أسّس لها ميداناً معاصراً بتنظير حديث، فأعلن عبد الوهاب المسيري أنها الطريق الجديد لعالمية الإسلام، هي الفكرة ذاتها التي أدركها الإمام المعاصر محمد الغزالي، هناك بوعي فقيهٍ وهنا بفكر فلاسفة ناقدين.
إذاً، هؤلاء الشباب أو تيار التشكل الجديد في القرن الأفريقي تُقارب سفينتهم هذا المنهج، ولكنهم يوجدون اليوم تحت طبول العهد الأفريقي الجديد، حشد من الصراع القبلي والسياسي والاجتماعي والثقافي، تعجب كيف ينفجر في الدول الحديثة على أساسٍ عرقي، وبالطبع تحرّك فتنته السياسة، وهذه النخبة التي أعرفها ممتدة على طول قبائل الشرق الأفريقي الكريمة ودوله. وتتداخل هنا مساحات الصراع بين لعبة الأمم وأصدقاء أفريقيا الجدد، وبين تفجير مكونات هذه المجتمعات المهمة. ولا يعنينا القول بوجود مؤامرة، ولا يجب أن نشغل أنفسنا بذلك، فهي تحصيل حاصل في الأطماع الدولية التي لم تعد تقف عند الغرب الروسي أو الأوروبي أو الأميركي، بل هناك من ينافسها من أقصى الشرق، ومن دولٍ قريبة لها أهدافها الخاصة في حرائق الصراع في الشرق الأفريقي. وعليه، وجود أياد لها مصالح في منع القرن الأفريقي من الاستقرار واردٌ دوما. لكن قضيتنا العتيقة في الشرق المسلم أو عالم الجنوب أننا لم ننصّب "الناطور" الحضاري والسياسي لصالح شعوبنا في الأصل، فضلاً عن أن نحمي العنب، وهو هنا مصالح القرن الأفريقي الاستراتيجي. ولذلك لن يُسعف الغرق في نظرية المؤامرة هذه الشعوب، كما أن الهيكل السياسي اليوم، وإن برزت مؤشّراتٌ إيجابية ديمقراطية، في إثيوبيا وفي الصومال، تساعد على التغيير الإيجابي، لكنها لا تزال هشّة وواقع التمزق أكبر، ومؤسفٌ جدا أننا نشهد هذه الصراعات باسم القبيلة أو الأقاليم، ولا تتوقف حتى تُنهك البلاد والعباد وتمسّ الآمنين المطمئنين. هنا تتخلق لنا فكرة العهد الشابي الجديد للقرن الأفريقي.

تولد، عبر تحالف الإسلاميين النهضويين وشركائهم من الأرض السمراء، حركة بعثٍ تعلن للأجيال القادمة، دعونا نعود إلى ناموس الله العظيم

مهام اليوم للإصلاح تكاد تتجذّر حول الإصلاح الفكري، وروح هذه النخبة الإسلامية الجديدة من شباب هذه الدول، هي علامة فارقة، ليس عبر قوالب المذهبيات والجماعات الحزبية الدينية، فضلاً عن إرث جماعات العنف الديني، والتي تستقي، مع الأسف، من وجود أرضية ثقافية عمياء لا تفهم الأفق الإنساني، كانت أفريقيا ضحية لها، عبر التصدير المذهبي الذي وصل إليها من الوهابية أو الطائفية الإيرانية. ولكن عبر العودة إلى بعث الإحياء الإسلامي في أفريقيا، بوصفه عامل توحيد إنساني، ومنهجا اجتماعيا مرنا وواسع الأفق، يُبشّر بروح جامعة لكل أطياف القرن الأفريقي، منفتحا على الفكرة العلمانية الإنسانية لنخب أفريقيا، كما هي جسورُه مع حركة العلم الشرعي ومؤسساته، من دون أن يرتهن لأي أحد أو أن يؤجّر فكره لعدوٍ أو صديق، وسيُنابذ حتماً من باريس ووكلائها، وسيُحارب من قوى التطرّف ومن يديرها لمصالحه. وفي النهاية، تولد، عبر تحالف الإسلاميين النهضويين وشركائهم من الأرض السمراء في كل الفنون من الموسيقى إلى الفلسفة، حركة بعثٍ تعلن للأجيال القادمة، دعونا نعود إلى ناموس الله العظيم.
شعوباً وقبائل تعرّفنا من قبل، ونتعاضد اليوم وقد منحتنا الرسالة الإسلامية قرار الحرية، والإدارة السياسية والاقتصادية للأمم الأفريقية، وسلبتها منا المنظومة الغربية بالدماء والجنازير، واليوم بسياسة الإبادة الفكرية لصالح التقدّم الغربي.
كلا... فالأُمم الأفريقية فوق أن تُحصر في ملعب كرة، والإسلام حاضنٌ أو راعٍ أو مشجّعٌ مباركٌ للتضامن الأخلاقي، فالمعركة ليست معه، ولا مع العرب الراشدين الذين حملوا رسالته، ولكن مع التخلف والتدخل الخبيث. وتحتاج هذه الرسالة أن تُركّز عليها جهود الشباب النهضوي في القرن الأفريقي، وهي تحتاج زمنا لكي تصنع أرضية للفكرة الأخلاقية، وتحتاج جهوداً ومرابطةً على الاستقلال ووضع مساحاتٍ بين المهمة الفكرية وخطاب البروباغندا المتجدّد في الساحة الإسلامية العربية، فسقوط المنابر في نزعة تشدّد جديدة لن يصلح ما أفسدته جرائم الغرب وجاهلية حكومات (إسلامية) أفريقية.