العراق وغياب مفهوم الدولة

العراق وغياب مفهوم الدولة

26 ابريل 2022

رجال يحمّلون طروداً في بغداد ورسم على الجدار يعبر عن سرقة العراق (20/4/2022/فرانس برس)

+ الخط -

في محاضرة له خلال أعمال الدورة الثامنة لمؤتمر العلوم الاجتماعية والإنسانية للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة (مارس/ آذار 2021)، قدّم المفكر عزمي بشارة تعريفا لمفهوم الدولة الحديثة، بغض النظر عن النظام الحاكم، فهي الدولة التي تحتكر العنف والتشريع، بالإضافة إلى وجود جهاز دولة بيروقراطي والسيادة على إقليم بعينه. كما تناول تعريف المواطنة في الدولة الحديثة، فهي، كما قال، مركّب الحقوق والواجبات المترتبة على العضوية في الدولة. وهو تعبيرٌ واقعيٌّ مستمدٌ من حقيقة الدول الحديثة التي تشكّلت عبر تجارب عدة، حتى صار لها هذا الهيكل والبنية التي نعرفها اليوم.
يعاني العراق، منذ احتلاله وغزوه أميركيا عام 2003، وإسقاط نظامه السابق بالقوة العسكرية، من اختلال مفهوم الدولة بشكل كبير، حتى لكأنك تتحدث عن مفهوم آخر لا علاقة له بمفهوم الدول الحديثة، ناهيك باختلالات أخرى رافقت هذا، لعل من أبرزها اختلال مفهوم المواطنة، فلم يعد المواطن هو كل عراقي يعيش على هذا الإقليم الجغرافي، له ما للعراقي الآخر من حقوق، وعليه ما عليه من واجبات، بل صار التصنيف لا يخضع، في أي حال، لمفهوم المواطنة.
في عراق ما بعد 2003 تحوّلت الدولة إلى مجموعة كيانات متداخلة، ولم تعد الدولة هي التي تحتكر العنف والتشريع، ونظرة سريعة إلى ما عاشه العراق منذ احتلاله تؤكّد أن الدولة، بمفهومها الحديث، تراجعت لصالح مكونات أخرى أوجدها الاحتلال أو أذرعه التي جاء بها ودعمها، فالعنف لم يعد حكرا على الدولة، وبات سلاحا بيد قوى وأحزاب ومليشيات مختلفة.

البلد يتجه إلى مزيد من ضياع مفهوم الدولة والمواطنة، بل إلى مزيد من تكريس دولة المكونات

حتى التشريع، صحيحٌ أن هناك دستوراً كُتب وأقرّ عام 2005، إلا أنه كان حبرا على ورق، فهو لا يلزم القوى السياسية والأحزاب ومليشياتها في أزماتٍ كثيرة يفترض أن يكون هو الفيصل فيها، بينما تحوّل القضاء إلى مجرّد واجهة لتصفية حسابات؛ ليست الدولة، وإنما قوى متنفذة تهيمن على الدولة وقرارها.
وقد يجادل بعضهم بأن العراق يمر في مرحلة انتقالية. وبالتالي، من غير المنطقي أن نطبق عليه ما ينطبق على مفهوم الدولة الحديثة، وأن دولا عربية كثيرة ربما لم تمرّ بما مرّ به العراق عقب 2003 تعاني هي الأخرى من اختلالاتٍ في مفهوم الدولة، وبالتالي، ليس العراق استثناءً. .. هذا صحيح؛ لو أننا افترضنا أن العراق في طريقه إلى التعافي من هذه الاختلالات البنيوية، ولكن واقع الحال يوضح أن البلد يتجه إلى مزيد من ضياع مفهوم الدولة والمواطنة، بل إلى مزيد من تكريس دولة المكونات، وحتى مكونات المكونات إن صحّ التعبير وأصابت التسمية.
اليوم، وعلى الرغم من وجود عملية انتخابية متواصلة منذ 2005، ووجود قوى وأحزاب سياسية كثيرة، وعلى الرغم مما تضمّنه الدستور العراقي من مواد تصلح فعلا لبناء دولة بمفهومها الحديث؛ إلا أن البلد يتحوّل بالتدريج إلى كانتونات متداخلة تلعن بعضها بعضا، وتنشغل في حياكة المؤامرات والدسائس بطرق معقدة وخبيثة، ناهيك بالامتداد الخارجي لتلك القوى والأحزاب التي تشكل المشهد السياسي العراقي.
مضى على احتلال العراق 19 عاما، ولم يعد مقبولا ولا ممكنا الحديث عن أن العراق يمرّ في مرحلة انتقالية، بالتالي يمكن غضّ الطرف عما جرى ويجري اليوم من اختلالاتٍ في بنية الدولة، فعلى الرغم من قرابة العقدين على الاحتلال وتغيير النظام السابق بالقوة العسكرية، إلا أن مفهوم الدولة يزداد غيابا، بل وصل إلى مرحلة أسوأ بكثير ربما من السنوات الأولى التي تلت الاحتلال العسكري الأميركي، ولك في ما يجري اليوم من مناكفاتٍ بين قواه السياسية التي شكّلت مشهد العراق ما بعد 2003، مثال على ما نقوله.

لا نبالغ إذا ما قلنا إن خطر تهاوي ما تبقى من رمزية الدولة بات اليوم أقرب من أي وقت مضى

سنوات منذ طاردت حكومة نوري المالكي الثانية (2010-2014) شخصيات سياسية سنية رفيعة بتهم تتعلق بالإرهاب، من بينها نائب رئيس الجمهورية السابق، طارق الهاشمي، ووزير المالية السابق، رافع العيساوي، وغيرهما من شخصيات سنيّة رفيعة، وها هو القضاء العراقي يبدأ تبرئة عدد منهم، ليس لأنه استفاق من غفوته الطويلة التي دامت قرابة عقدين، ولكن لأن الدولة العميقة التي يمسك بتلابيبها نوري المالكي رأت أن عودة هذه الشخصيات قد يشكّل مخرجا مناسبا لحالة الانسداد السياسي التي يعاني منها المشهد العراقي. وطبعا، ليس لأن ربّان الدولة العميقة يرى في هذه الشخصيات القدرة على معالجة الانسداد، وإنما لأنه رأى في هذه الشخصيات مهدّدا حقيقيا لجبهةٍ سنّية اختارت التحالف مع مقتدى الصدر، الخصم اللدود لنوري المالكي، والذي وضع شرطا لا تقوى عليه قوى الإطار التنسيقي (شيعة) من أجل التحالف معها، يتمثل في إبعاد المالكي عن أي منصب في التشكيل الحكومي المقبل، وهو ما لم تستطع عليه تلك القوى، والتي وجدت في عودة زعامات سنّية يمكن أن تخلخل الجبهة السنّية أمرا لا مفرّ منه، وحيلة قد تؤتي أكلها وتدفع القوى السنية إلى مراجعة تحالفها مع الصدر.
مشهد واحد من مشاهد عراق ما بعد 2003 يؤكّد حجم الغياب المزمن الذي تعاني منه الدولة العراقية، فلا العنف تحتكره تلك الدولة، ولا التشريع بمختلف تفرّعاته، ناهيك طبعا بتغوّل كيانات مسلحة وسياسية، وحتى مالية، في جسد الدولة حتى باتت، في أحيانٍ كثيرة، هي الدولة أو على أقل تقدير منافسا لها.
ذلك كله لا يحملنا على التفاؤل بما يمكن أن تلده هذه العملية السياسية التي أثبتت عقمها، بل قد لا نبالغ إذا ما قلنا إن خطر تهاوي ما تبقى من رمزية الدولة بات اليوم أقرب من أي وقت مضى.