"العدالة والتنمية" المغربي ومأزق السلطة

31 ديسمبر 2020
الصورة
+ الخط -

كانت المفاجأة داخل المغرب وخارجه، والصدمة داخل أوساط حزب العدالة والتنمية، ذي المرجعية الإسلامية، والمعروف بمواقفه الثابتة تجاه القضية الفلسطينية، بل وأيضا لدى أحزاب وحركات عروبية وإسلامية كثيرة، في الداخل والخارج.

لم يخطر على بال أحد أن يكون المُوَقِّع على الإعلان المشترك بين المغرب والولايات المتحدة ودولة "إسرائيل" هو الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، سعد الدين العثماني، ولو بصفته رئيسا للحكومة المغربية، وهو المناهض في مواقفه للتطبيع مع الكيان الصهيوني، فتصريحاته النارية ما زالت ترنّ في الآذان، وبلاغاته (بياناته) المندّدة راسخة في الأذهان، ومواقفه لا تخفى وكانت واضحة للعيان، لكنه ها هو يمضي ويُوقِّع، وهو أمر لم يُتَوقَّع، فقيل إنها مواقع السلطة التي تجعل المستحيل ممكنا، وتغير المواقف رأسا على عقب، وتجعل المقياس تحقيق المصلحة، وتبا للمبادئ فهي للنضال، ولا يمكن أن تصمد أمام إكراهات الواقع، ولا ضرورة المواقع.

إنها مواقع السلطة التي تجعل المستحيل ممكنا، وتغير المواقف رأسا على عقب، وتجعل المقياس تحقيق المصلحة

وجد الحزب نفسه في وضعٍ لا يُحسد عليه، وبين أمريْن أحلاهما مرّ، فهو أمام معضلة التخوين والتخوين المضاد، ومضطرٌّ لأن يختار بين تخوين الداخل وتخوين الخارج، بين تخوينٍ انعكاسُه لفظي، يضرب صورته النضالية ويشوهها، وينزع من صدره نياشين الدفاع عن أم القضايا العربية والإسلامية، قضية فلسطين المحتلة، وبين تخوينٍ انعكاسُه فِعلي، يحطم صورته الوطنية، ويخرّب ما بناه لإثباتها، ويعطي الذريعة لمن ما زالوا يهتفون، على الرغم من كل ما وقع، أن الحزب يقدّم مصلحة انتماءاته الأيديولوجية الدولية المزعومة على مصلحة وطنه، ويجعله ليس خارج الحكومة فقط مرفوضا، بل معزولا وحده داخل المشهد السياسي المغربي، منبوذا، وستُحيي مؤامرة 8 أكتوبر/تشرين الأول 2016 التي حيكت ضده، بعد فوزه في الانتخابات التشريعية، تلك التي كان غرضها تحالف كل الأحزاب ضده، ورفضهم الدخول معه في أي تحالف حكومي، مهما كان.

إذن، كان لا بد من الانحياز إلى الإجماع الوطني المغربي في التحام حول قضية الصحراء المغربية، لا بمنطق الضرورة والإكراه، بل بمنطق الاختيار المتبصّر للمآلات والمدرك للعواقب. ومن هنا نتساءل: هل تصح دائما مقولة الكاتب الفرنسي، أندريه جيد، "لمّا تختار تتخلى"؟ 

هو منطق منتقدين ومخالفين ومعارضين عديدين، ولنقل: حقَّ للمنتقدين أن ينتقدوا، وللمُدينين أن يشجبوا ويُدينوا، وجاز للمُنكرين أن يستنكروا، وساغ لهم أن يُزمجروا غضبا ويعبّروا. ولكن ألم يكن من الأجدى أن يتمهلوا ولا يتسرّعوا، ولا يصدحوا بالسباب والشتام ويجهروا، ولا ينسوا كل شيء ويتنكروا، فأصبحوا يهجون ولم يعذروا، وأصبحوا يشكّكون في النيات ويتهمون. .. ما قولهم في تصريح الرئيس التركي، أردوغان، أخيرا، أن علاقات بلاده مع إسرائيل لم تتوقف، مع وقوفه مع الحق الفلسطيني، أهو مُكره كذلك؟

ليس هناك أي تغيير ألبتة في موقف حزب العدالة والتنمية، لا من المبادرة العربية، ولا من حق العودة للاجئين الفلسطينيين، ولا من وضع القدس

أليس موقف المغرب الرسمي وتصريح مسؤوليه يقول إنه ضد صفقة القرن، وإن علاقته مع دولة الاحتلال الإسرائيلي لن تكون على حساب الحق الفلسطيني، وليس هناك أي تغيير البتة في موقفه لا من المبادرة العربية، ولا من حق العودة للاجئين الفلسطينيين، ولا من وضع القدس والمحافظة على طابعها الإسلامي؟ ألم يقل إنه سيدعو إلى عقد لجنة القدس، وإعادة هيكلة بيت مال القدس بما يعزّز صمود المقدسيين؟ ثم أليس موقف حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، من خلال وثيقة المبادئ والسياسات العامة، هو إقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس، على خطوط الرابع من يونيو/ حزيران 1967؟ ألم تعتبرها صيغة توافقية وطنية مشتركة؟ ومن ثمّة، ألم توافق على معادلة الأرض مقابل السلام، واعتبارها مرجعية واقعية من أجل حل عادل وشامل ودائم؟

حتى نفهم أكثر، بحكم الدستور المغربي لسنة 2011، وهو أعلى قانون يحكم البلاد، والذي أتاح وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، يبقى رئيس الحكومة تحت إمرة رئيس الدولة، وهو الملك الذي يسود ويحكم، ويقرّر نهائيا، خصوصا في كل ما يتعلق بالشؤون الخارجية. ومن هنا يبقى اختيار صفة الموقّع، خصوصا في الاتفاقيات الدولية من اختصاصه التي لا ينازعه فيها أحد.

امتنع الملك محمد السادس عن حل حزب العدالة والتنمية سنة 2003 بعد اتهامه من أحزاب يسارية بتحمّل المسؤولية المعنوية عن أحداث إرهابية 

ولكن أكان يمكن للعثماني أن يعتذر عن التوقيع، من دون الوصول إلى العواقب السلبية التي المشار إليها في بداية المقال؟ هذا ما كان مقدرا أن يتضح في اجتماع المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية، وكان مقررا في يوم الأحد الماضي (27/12/2020)، قبل أن يتم تأجيله إلى موعد لم يتحدد، والمجلس هو برلمان الحزب وسلطته العليا، والقادر على مساءلة أمينه العام. وبالتالي، لا يمكننا الحديث عن خبايا توقيع قيادة الحزب على الاتفاق مع الولايات المتحدة ودولة الاحتلال الإسرائيلي، أهو اتّباع لمنطق المجاراة إلى نهاية؟ أم هو منطق اختياري وعن قناعة؟ أم نحن في منطق طلاق المُكره، يجوز أو لا يجوز، حسب الرواية؟

السياسة لعبة، وعلى الذي يشارك فيها أن يقبل بقواعدها، فهي بين مدّ وجزر، وها هنا مصالح ومفاسد، وثمّة أخذ وعطاء، وهناك وفاء مقابل وفاء. ويعتبر الحزب (الإسلامي) نفسه مدينا لملك المغرب بوجوده في الساحة السياسية، فقد امتنع الملك عن حل الحزب سنة 2003 بعد اتهامه من أحزاب يسارية بتحمّل المسؤولية المعنوية عن الأحداث الإرهابية التي ضربت المغرب آنذاك. وقد ثمَّن "العدالة والتنمية" رفض الملك ضغوط دول عربية لإقصائه. والحزب يعرف أن تصدّره المشهد السياسي المغربي لم يكن ليكون، لولا رغبة الملك برؤية نتائج انتخابية نزيهة. والحزب واع أنه محلّ استهداف داخلي وخارجي، فالمتكالبون والمتحاملون لا ينتظرون إلا أقل من إشارة، وهذا لا يعني قبول الحزب بكل شيء.

السياسة لعبة، وعلى الذي يشارك فيها أن يقبل بقواعدها، فهي بين مدّ وجزر، وثمّة أخذ وعطاء، وهناك وفاء مقابل وفاء

قبل الختام، وحتى نكون منصفين غير مبرّرين، لا يصحّ تشبيه حالة المغرب بحالات المشرق، فالمغرب أعاد ربط الاتصال، ولكن في أضعف أشكاله. والاتفاقية التي تم توقيعها لا تشابه، لا في الشكل ولا في المضمون، الاتفاقيات الأخرى التي وُقِّعت، فهي لا تتحدّث لا عن السلام، ولا عن أي التزامٍ من المغرب، بمنع أي أنشطة عدائية للكيان الصهيوني، ولا برفض أي دعم لمثل هذه الأنشطة، كما ورد في اتفاقيات أخرى. ثم كان لافتا أن الدولة المغربية، كلما خطت خطوة في اتجاه إسرائيل، رافقتها بخطوات تجاه فلسطين، وكأنها تقول إن هذا الاختيار السياسي لا يعني التخلي عن القضية الفلسطينية.

إنه مأزق السلطة، وهو ضريبة كل من شارك فيها قديما أو حديثا، فما بالك بمن ينتمي إلى التيار الإسلامي، فوجوده فيها ليس سمنا على عسل، فالخيارات صعبة والقرارات عسيرة، والأعداء كثر والخصوم أقوياء، والحال ضعيف والتجربة قصيرة، والمنطق هو التعاون لا الصراع، والقصد المشاركة لا المغالبة، والمدافعة لا الخصام، والهدف الأكبر هو الإصلاح قدر المستطاع.

العود اليابس إذا حاولت طيه انكسر، والعود الأخضر يلوى ويلين في أيدي صاحبه يفعل به ما يشاء، ورهان أي حزب سياسي ألا يكسر ولا يلين، وقبل هذا ألا ينسى سبب وجوده ومقاصد مشاركته، وغاية مهمته، وهذا هو الرهان.