السلطة تسرق الغضب الشعبي في لبنان أيضاً

السلطة تسرق الغضب الشعبي في لبنان أيضاً

17 يونيو 2021
الصورة
+ الخط -

الغضب هو الذي حرّك منذ عامين مئات آلاف من اللبنانيين في 17 أكتوبر/ تشرين الأول. غضبٌ جذّاب، نظيف، عفوي، ساخر، غنّاء، راقص، متنوِّع الشكاوي، موحَّد العَلم والأمل. لا كراهية فيه، ولا انتقام. يكاد يكون بريئاً، لكثرة جماله. ولكن هذا الغضب تلقّى، بعد أسابيعه الأولى، لكماتٍ وجهتها له المافيا الحاكمة، وباتجاهاتٍ وأشكال مختلفة. أولها تلك الهجمات شرسة الغضب على المتظاهرين لـ"شعب" السلطة، أقوى طرف في السلطة، أي حزب الله. وبعيده، تلك المسيرات على الموتوسيكلات، الصارخة من قرْعة رأسها، وكأنها مظلومة: "شيعة .. شيعة".

وتزامنت هذه العروض الغاضبة مع "اختراقاتٍ"، تصبّ غضبها على طرفٍ من السلطة دون غيرها: مثل تلك المجموعات الممانِعة التي اختارت حاكم البنك المركزي نفسه دون غيره، ولتنطلق بتظاهراتٍ غاضبة جداً على أبواب هذا المصرف، وبمحاولاتٍ حثيثةٍ لكسر حواجز تحمي هذا البنك، ولإثبات أن "شعب" الممانَعة أجدر من الشعوب اللبنانية الأخرى بالغضب الثوري.

وهذا اختراقٌ يشبه آخر، أقلّ حضوراً إعلامياً، وأكثر فاعليةً على الأرض. أعني ذاك الشق الغاضب من جماهير الثورة الذي لا يجد تعارضاً بينها وبين الولاء لواحدٍ من زعماء المافيا الطائفية. ولكل طرفٍ من أولئك الغاضبين خِصالٌ بعينها: جماعة حزب القوات اللبنانية، وحزب الكتائب وتيار المستقبل. وحتى بعض من التيار العوني. وجميعهم غاضبون مثل بقية جماهير الثورة. وغاضبون صامتون من وضع زعيمهم بالتحديد على لائحة "كلّن يعني كلّن"، يمرّرون غضبهم بشيء من الاستحياء. لأنه "مش وقتو..." (ليس وقته الآن).

حتى تلك اللحظة، كانت مصادرة الغضب قليلة الشأن والأثر، فالثورة حاضرةٌ بقوة، ولها من المنابر الإعلامية حصة الأسد اليومية. بما تصدّره هذه المنابر من كلامٍ غاضبٍ يومي، للمشتركين بها، لدوافعهم، ومواقفهم. وأنتَ تتابع هذه الحركة يومياً، عبر التظاهر أو الشاشة، لا ترى إلا هذا الغضب. وإن لمحتَ محاولات مصادرة، فستجدها خافتةً أمام جبروت الجماهير الهادرة الغاضبة غضباً أصيلاً.

تنتهي قصة لبنان، وفي الأرشيف المقبل عنه، بـ"مسؤولين" غاضبين، وشعبٍ مجنون، هو الضحية الأكيدة لهذه النهاية

ولكن جاءت ساعة الفشل الثوري: الوباء، الانهيار الاقتصادي وتوابعه، طبيعة الثورة نفسها، المحرومة من الرؤية الموحّدة والتنظيم .. إلخ، فتضاءل الغضب الشعبي، وضمر. الإرهاق، الاكتئاب، القسوة .. أشياء أصابتها. فتذرّر الغضب، توزَّع وتفرّع، وكلما ابتعد عن فكرته، عن حيويته، صار همْساً خجولاً، أو أنيناً بالكاد تسمعه، أو هستيريا. فكانت فرصة ذهبية لصعود غضب مفتَعل، تقوده أطراف المافيا الحاكمة، كلٌّ حسب قدراته، حجمه، مخيّلته. والغضب الأكثر حضورا هو غضب الطرف الأقوى في السلطة، أيضا حزب الله. إعلامه الوفي يصدّر كميةً صناعية من الغضب، يُراد له أن يكون غضباً حقيقياً: فباسم الشعب، يقود هذا الإعلام حملةً شبه منظّمة ضد خونة الداخل والخارج، المسؤولين عن الأزمة الاقتصادية، ضد "السلطة" والمحتكرين والتجار، ضد الدولة الضعيفة المتآمرة .. وعندما لا يجد هذا الإعلام هدفاً منطقياً لغضبه، يخترع غضباً قديماً، كأنه ولد اليوم. يبحث في أرشيف الاستعمار القديم عن مؤامراتٍ راهنة، فتكتمل هكذا صفات الغاضب المُقْنع، "الجذري"، الاشتراكي حامل هموم "الناس".

وفي هذه الأثناء، نوابٌ غاضبون. نجوم التعليق المتلفز، أيضا غاضبون. فيما المسْتحكم بالجميع، زعيم حزب الله، استعار من أعتق الدفاتر اللبنانية ذاك الانتحال "العادي" للصفة، فحوّل نفسه إلى مواطنٍ بسيط غاضب، يسأل، وهو تائهٌ عن الطريق: "وينيّة الدولة؟" (أين هي الدولة؟). أن يكون أقوى طرفٍ في السلطة، مهيمناً على كل مؤسساتها وعلى قرارها، بالحرب، بالسلم .. يسأل غاضباً "أين هي الدولة؟" ويطالب "السلطة" بالتدخل، من أجل كذا أو كيت من شجون الانهيار، فهذا أبعد من "انفصام بالشخصية"، كما تهكّم بعضهم. إنه سرقة موصوفة للغضب الثوري النبيل.

الأطراف الأضعف من المافيا الحاكمة وجدت في الحزب الأقوى مثالاً يُحتذى، كما هو الحال دائما مع الأقوى، فراحت هي الأخرى، تلعب لعبته، وعلى نطاقاتٍ مختلفة. منها مثلاً قطع الشوارع الآن، إحراق الدواليب ومكبّات النفايات، التعبير عن أقصى الصراخ، الغضب، من الدولار، من عدم تشكيل الحكومة، من الانهيار .. وكلٌّ بحسب الجغرافيا التابعة له. تيار السنّة، أي "المستقبل"، غاضبٌ من إهدار حقوق السنّة، ومن بهْدلة مقامهم الأول في الدولة، رئاسة الوزراء. تجدهم في أحياء المزرعة وطريق الجديدة ودوار الكولا. (جديد أنشطته أخيرا: "العائلات البيروتية" الغاضبة على تعيين موظفةٍ مسيحيةٍ تابعة للتيار العوني، بدل موظفة سنّية صديقة تيارالمستقبل).

كلما شرعَ طرفٌ غاضبٌ في فضح آخر، عاد الأخير ففضحه بما يوازيه كشفاً وغضباً... إلخ. حتى يدوخ المواطن، ولا يستقرّ إلا على حبّه زعيمه الطائفي

تيار الموارِنة الغاضبين. وخصوصا "القوات اللبنانية"، في مناطقها، التي تعتبر نفسها مدافعة عن حقوق المسيحيين المهدورة أيضا على يد غريمها، منافسها، حتى الموت، التيار الوطني الحرّ، الغاضب أيضاً وأيضاً، وبحركاتٍ إعلاميةٍ وتويتريةٍ منتظمة على "حقوق المسيحيين الضائعة".

يبقى زعيمان طائفيان، نبيه برّي ووليد جنبلاط: لم يكن لـ"غضبهما" حضور في هذه الواقعة بالذات. ربما غضبا في مناسباتٍ أخرى. أو من دون حضور إعلامي بارز. نسمع فقط، أو يُنقل، عن غضب أحدهما على تعثّر مسعى، أو على إجهاض هدفٍ محدَّد. هل غضبهم موسمي؟ كأن يقتصر على إرسال زلمتهم، مثلما فعلَ نبيه برّي، ليعاونوا حليفه حزب الله على الهجوم الغاضب على الثوار؟ هل "خصوصية" غضبهم عائدةٌ إلى سيكولوجيتهم؟ إلى حساباتٍ لديهم بكتمان الغضب، تقنينه، وتحويله من المجال العام إلى المجال الخاص؟ لا جواب محدّدا. ربما يجب طرح السؤال على أصحاب "المصادر"، فالأهم، الآن، أنه، مقابل هذه اللوحة "الراقية" من غضب أركان المافيا، تجد الغضب الشعبي المبعْثر، المفرَّق، بتعبيراتٍ ضائعةٍ وباطِلة. إليك شيئا من لائحة غير مكتملة من نقاط الغضب الشعبي الراهن:

بعد قطع الطريق وحرق الدواليب، مداخل المصرف، أو بين أسوارها، وأبواب المستشفى والصيدلية، ومحطة البنزين، موزِّع الغاز والكاز والمياه، والسوبر ماركت، ومولِّد الكهرباء، الإنترنت، وسرقة البيوت والمارّة والحديد والأرصفة وعواميد الإضاءة... الجنازات والصلوات على قتلى الإهمال والفساد و"الأغطية" السياسية، على هذا أو ذاك من المجرمين .. في كل واحدة من هذه النقاط الحامية، حالة عصبية هستيرية، ممزَّقة، ذاهبة مع الريح، وسرقات صغيرة مقابل فائض من السرقات. ولو جمعتها على بعضها، وشاهدتها، لن تجد شيئاً أمامك تقارنه بها غير الديستوبيا، وهي عكس اليوتوبيا. أي أنها تصوّر مجتمعاً أصابه اللامعقول. مجتمعا تتوالى عليه المصائب بوتيرةٍ عالية، ويحذَّر الجميع من محاولة تقليده. بل إننا أصبحنا أمام إضافةٍ أخرى إلى الديستوبيا: شعب غاضب، بغضب متقطع ومكتوم، مذرَّر وضائع. الشخص نفسه الذي استقتل من أجل تنْكة كاز، فاستنزف غضبه.. يمكن أن يكون الآن جالسا على الكنبة، مرهقاً، في حالة تساؤل وجودي: لماذا لا يغضب كل الشعب الآن؟ لماذا هو ساكتٌ على كل هذه النكبة؟

تفيض الشروحات التي تذمّ الدولة، دائما على ضعفها وغيابها، فيضيع المسؤول، أو المسؤولون عن الانهيار

الجواب أن الشعب فقدَ سيطرته على أعصابه وعلى غضبه. وصارت المافيا هي حاملة شعلته. بلعبةٍ قديمة وفعالة. وما يُنجح استمرارها هو تلك "الأيديولوجيا" اللبنانية، القائلة إننا شعب "حيّ ونقّاق"، يحب ان يفْتري على زعمائه. وينحني، في النهاية، فـ"ينسى"، كما نسي نوائب سابقة، ويعود إلى "الاحتفال بالحياة"... ودليله: خذْ المطاعم والمرابع الليلية والرقص والفَقْش، والشاليهات البحرية. انظر الى ذاك الاحتفال، تلك الحماسة والإصرار على "حب الحياة" .. إلخ.

ومصلحة الزمْرة الحاكمة في مصادرة الغضب، تفهمها في ملاحق هذا الغضب. أعني "أدبياته"، حيث تفيض الشروحات التي تذمّ الدولة، دائما على ضعفها وغيابها، فيضيع المسؤول، أو المسؤولون عن الانهيار. فكلما شرعَ طرفٌ غاضبٌ في فضح آخر، عاد الأخير ففضحه بما يوازيه كشفاً وغضباً... إلخ. حتى يدوخ المواطن، ولا يستقرّ إلا على حبّه زعيمه الطائفي. تجهيل الفاعل، إذن، وإضاعة معنى الدولة، والقضاء على الغضب الشعبي، بالإكثار من مشاهد غضبه الهستيري. والأهم من ذلك كله، "شدّ العصَب" الطائفي، بتفاوتٍ بين كل طائفةٍ وأخرى. لأن الانتخابات على الأبواب، ومبالغ الرشوات قليلة، وعلى المرشّحين إياهم أن يوصلوا غضبهم على حقوق الطائفة إلى أعلى السقوف الممكنة، كي ترصّ صفوف الطائفة، ويربح الزعيم المفدّى ومقاعد بأعلى الأعداد في البرلمان المقبل. وهكذا.. حتى تنتهي قصة لبنان، وفي الأرشيف المقبل عنه، بـ"مسؤولين" غاضبين، وشعبٍ مجنون، هو الضحية الأكيدة لهذه النهاية. فوضى قيمية مسؤولة، وذات بُعد نظر!