الحريري ودعمه العربي والدولي

20 فبراير 2021
الصورة
+ الخط -

أكدت أوساط رئيس الحكومة اللبنانية المكلّف، سعد الحريري، أنه عائد إلى بيروت، وهو محمّل بدعم عربي ودولي كبير للمضي بتأليف حكومة وفق المعايير التي وضعها مسبقًا، والتي يتبنّاها الثنائي الشيعي، حزب الله وحركة أمل، والحزب الاشتراكي. في حين ذكرت مصادر التيار الوطني الحرّ "أن لا حكومة ستتشكل إلا وفق معايير موحّدة تسري على الجميع". وقد لفتت هذه المصادر إلى "أنّ محاولة الرئيس المكلّف تشكيل حكومة تتجاوز الرئيس ميشال عون لا يمكن أن تمرّ على الإطلاق"، فبين التيارين الأزرق والبرتقالي، تتوقف عملية التشكيل، ويدخل لبنان في نفق اللاعودة، إلا إذا تنازل أحدهما لصالح المصلحة العامة.

سعد الحريري الذي قام بجولات عربية، باستثناء السعودية، وغير عربية، سيما تركيا وفرنسا، قد استجمع على ما يبدو حشدًا داعمًا لرؤيته في تشكيل الحكومة في لبنان، ما سيضع العهد وسيده في خانة التوقيع. إلا أنّ السؤال: هل ستجري رياح الحريري في التشكيل بما تشتهيه سفنه، أم سترتطم بصخرة العهد وتتلاشى، ويعود اللبناني إلى حالة الانتظار؟ بقراءة هادئة لتحرّكات الحريري الخارجية، نجدها تتقاطع مع عناوين داخلية، أتت على أكثر من لسان، جميعها تهدف إلى تضييق الخناق على العهد وتياره برئاسة الوزير السابق والنائب، جبران باسيل، الذي لا يخفي سخطه المتصاعد على كل الأفرقاء في الداخل، سيما حليفه الرئيسي حزب الله، باعتبار أنه لم يساند العهد كما يجب.

كرّر التيار الوطني الحرّ، إثر اجتماع مجلسه الدوري إلكترونيًا برئاسة باسيل، أنّ تفاهم مار مخايل (مع حزب الله في 2006) "لم ينجح في مشروع بناء الدولة وسيادة القانون"

كرّر التيار الوطني الحرّ، إثر اجتماع مجلسه الدوري إلكترونيًا برئاسة باسيل، أنّ تفاهم مار مخايل (مع حزب الله في عام 2006) "لم ينجح في مشروع بناء الدولة وسيادة القانون"، واعتبر المجلس "أنّ تطوير هذا التفاهم باتجاه فتح آفاق وآمال جديدة أمام اللبنانيين هو شرط لبقاء جدواه"، في إشارة واضحة إلى زعزعة الثقة بين التيار وحزب الله، حيث يعتبر التيار أنّ الحزب لم يلاق مسيرة العهد الإصلاحية في مكافحة الفساد، بل ظلّ يُعلي شأن البيئة الشيعية، واحتضانه رئيس مجلس النواب، نبيه برّي، فوق المصلحة الوطنية؛ ما استفزّ العهد وتياره، باعتبار أنّ الحليف لم يكن على قدر الطموح الوطني المطلوب.

في المقابل، كانت لافتة تغريدة النائب أنور الخليل، المنتمي إلى كتلة التنمية والتحرير برئاسة برّي، التي دعا فيها الرئيس عون إلى تقديم تنازلات، وإلا الذهاب إلى مطالبة الأمم المتحدة وضع لبنان تحت الفصل السابع. صحيحٌ أنّ النائب المذكور عاد وأوضح مضمون تغريدته، ولكن من المؤكّد أنه يعبّر عن لسان حال برّي، الخصم الأول للعهد، بدليل أنه لم يدخل تسوية الرئاسة، ولرئيس التيار الذي تجمع بينهما مشكلات كثيرة.

فوضى أمنية، مع عمليات الاغتيال التي يجد بعضهم أنها ستكون بداية التصفيات السياسية

يتقاطع مع الحريري في مطالبه الداخلية التي تضع مسؤولية التعطيل على العهد ذلك النداء الذي وجّهه البطريرك مار بشارة بطرس الراعي، في عظته ما قبل الأخيرة، وذلك في سياق الحركة غير المنقطعة التي ينشط فيها الصرح منذ أسابيع، ومفاد هذا النداء المطالبة بوضع لبنان على طاولة "التدويل"، من خلال حضانةٍ دوليةٍ للبنان، بعدما فشل مسؤولوه بالخروج من أزمة التشكيل، في بلدٍ يتخبّط بأكثر من أزمة، وفي مقدمتها الضائقة الاقتصادية الخانقة، بالتوازي مع انتشار وباء كورونا الذي يربك الوضع الداخلي، ويهدّد بتفاقم الأزمة الصحية في البلد.

خروج سعد الحريري من التسوية الرئاسية التي فرضها الأمر الواقع بعد عامين ونصف من الفراغ الرئاسي، كان عند تقديم استقالته بعد شهر تقريبًا من انتفاضة 17 تشرين الأول، حيث أطلق سهامه مصوبًا على العهد، والنائب باسيل تحديدًا، محمّلًا إياهما المسؤولية الكاملة عما وصل إليه لبنان من أزمات، تتحوّل اليوم إلى فوضى أمنية، مع عمليات الاغتيال التي يجد بعضهم أنها ستكون بداية التصفيات السياسية، ما قد يشعل الشارع، مستذكرين اغتيال الصحافي، نسيب المتني، الذي كان سبب اشتعال ثورة 1958 والقضاء على طموح الرئيس كميل شعمون بالتمديد.

الموقف السعودي لا يزال رافضًا تمثيل حزب الله في الوزارة المرتقبة

على الرغم من تفسير محلّلين ومراقبين كثيرين عودة سفير السعودية، وليد بخاري، إلى بيروت، أنها بمثابة تأكيد جديد لاهتمام القيادة السعودية بما يعانيه لبنان من أزمات اقتصادية ومالية، بالتنسيق مع طروحات الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، لإيجاد حلّ للبنان؛ إلّا أنّ الموقف السعودي لا يزال رافضًا تمثيل حزب الله في الوزارة المرتقبة، ولم تنفع توسلات الحريري في الإمارات ومصر، بتليين هذا الموقف، والقبول به مرشح المملكة. لذا، رجّحت المصادر أن يكون قد طلب هذا من ماكرون، في زيارته أخيرًا باريس.

وأمام هذا التقاطع الداخلي لتحركات الحريري خارجيًا، جاءت زيارة وزير الخارجية القطري، محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، التضامنية مع لبنان (ثم زيارة الحريري الدوحة). لذا، رأت مصادر مقرّبة أنّ الزيارة قد تحمل دعوة إلى مؤتمر الدوحة 2، يجمع اللبنانيين على طاولة مستديرة لتخرج بالحلّ المنشود. أمام أي حلّ قطري أو فرنسي، يسابق الحريري الوقت، لخلق فرصته المناسبة علّه يستطيع فرض حكومته التي يريد فيها إقصاء العهد والتيار من التمثيل الحكومي، استعدادًا لإقصائهما من الحياة السياسية، ومن الدور الرئيس الذي يلعبه التيار في لبنان.