البشرية "تقترع" في انتخابات أميركا

31 أكتوبر 2020
الصورة
+ الخط -

كم من البشر، على امتداد القارات الست، يتابعون الانتخابات الرئاسية الأميركية؟ يتعذّر حصر العدد الهائل للمتابعين المتوقعين. وقد ساهمت تقنيات الاتصالات الحديثة في مضاعفة الاهتمام بالحدث الأميركي، ولعل الأمر لا يتوقف عند المتابعة الساكنة والمواكبة من بُعد، ولا يتعلق الحال بانفعالاتٍ ابنة لحظتها، فهناك تحيزاتٌ سالبة وموجبة إزاء المترشحين، بما يجعل من أعداد هائلة من البشر، في غير مكان وقارّة، أقرب إلى مقترعين مع وقف التنفيذ، فالاقتراع جذّاب، ويمنح الناس شعورا بالمساواة في حق الاختيار بين المترشحين، وفي المشاركة بصنع رئيسٍ وإقصاء سواه، وإن لم تكن هناك عدالة كافية في ظروف الترشّح، وفي القدرة على القيام بحملة انتخابية. ومنذ انتشار التلفزيون الملوّن وأقمار البث الاصطناعية، قبل ثلاثة عقود، دخلت الانتخابات الرئاسية الأميركية باضطراد بيوت الناس في العالم الثالث، كما الثاني والأول. وازداد الاهتمام بهذا الحدث الذي بات حدثا عالميا ساخنا، ينشغل به الناس، على مختلف شرائحهم، كما ينشغلون بأمورهم المحلية. ولا يحول انتقاد أميركا ونعي سياستها دون الاهتمام بهذا الحدث، بل إن انتماء المترشحين الرئيسيين إلى طبقة واحدة، لا يقلل بدوره من عنصر التشويق الذي تظل هذه المناسبة تحمله، مرّة بعد مرة، أيا كان الرأي في توجّه المترشحين و"مستواهم".

التشاركية في الداخل ينبغي أن تنعكس تشاركيةً أميركيةً مع الآخرين في العلاقات الدولية

ليس اعتماد الانتخابات أمراً خارقاً، ولا هو معجزة، فهناك دول صغيرة، وأخرى متوسّطة وكبيرة، تعرف إجراء انتخابات، بدون أن يهتز شيء، أو تتحسّن فيها الأحوال أو تسوء كثيرا، غير أنه ما أن تجري انتخابات حتى تصبح حقاً مكتسباً وسابقةً يُعتدّ بها، ومقدّمة يتم البناء عليها. وقد نجح منافسو أميركا على المسرح الدولي في النزال الاقتصادي معها (الصين)، وفي بسط النفوذ العسكري (روسيا)، غير أنهما أخفقا في اعتماد المغالبة الديمقراطية الانتخابية الداخلية، فالحزب الشيوعي الصيني ينافس نفسه في انتخابات مكتومةٍ بمعايير الشفافية العالمية، وفلاديمير بوتين في روسيا يتنافس مع نفسه، وينشغل سنواتٍ بمطاردة منافسٍ وحيد والتنكيل به، هو المحامي ألكسي نافالني (44 سنة)، المقيم في ألمانيا حاليا، بعد لجوء طبي إليها، حيث تم إنقاذه من عملية تسميم تعرّض لها، وكادت تودي به في بلاده.

تثبت كل من روسيا والصين أن اللجوء إلى الآلية الانتخابية أمر بالغ الصعوبة، أكثر صعوبة من إنتاج الأسلحة وتطويرها، وينطوي على مجازفةٍ كبيرة

بهذا تثبت كل من روسيا والصين أن اللجوء إلى الآلية الانتخابية أمر بالغ الصعوبة، أكثر صعوبة من إنتاج الأسلحة وتطويرها، وينطوي على مجازفةٍ كبيرة. ولهذا يتم تفاديها وإنكار ضرورتها، وإلى درجةٍ يصعب معها جمع أو رصف كلمتي: انتخابات والصين معاً! على الرغم من الدعاية التي تقول عكس ذلك، إن الانتخابات مجرّد لعبة سهلة، وإن كانت متقنةً لإعادة إنتاج الطبقة نفسها بوجوه جديدة. وتساهم هذه الممانعة الواقعية لدى الطرف الآخر على المسرح الدولي، من جهتها، في منح الانتخابات في كل مكان هالةً جذّابة، وخصوصا لدى الدول الكبرى، مثل الولايات المتحدة الأميركية، حيث تتم ممارسة السياسة في الهواء الطلق، أو على الهواء مباشرة، كما في الغرف المغلقة، وفي الأماكن الحصينة المعزولة أو في عمق المحيطات. وبطبيعة الحال، لا يتعلق الأمر بالانتخابات وحدها، بل بمنظومة متكاملة، منها الفصل بين السلطات، والتداول السلمي للسلطة، وحماية الحريات العامة الإعلامية والنقابية والفردية، بما فيها حقوق التجمع والاحتجاج، وصولاً إلى صون حقوق الإنسان بشكل عام وبالتفصيل. ونمط الحكم هذا لا وجود له إلا بقدر ضئيل لدى الأطراف التي تدّعي أنها تمثل قيادة بديلة للنظام العالمي. وتسمح الديمقراطية الداخلية المعتمدة في أميركا والغرب الليبرالي بمنازلة السياسة الأميركية الخارجية، بالاستناد إلى المعايير التي تعتمدها، فالتشاركية في الداخل ينبغي أن تنعكس تشاركيةً أميركيةً مع الآخرين في العلاقات الدولية. وإن حكم القانون في الداخل الأميركي ينبغي أن يجد امتدادا له في احترام القانون الدولي لتسوية النزاعات.

لطالما لوّح ترامب بنزاعٍ أهلي، وبالتمرّد على نتائج الانتخابات إذا لم يفز بها

ومثل شعوبٍ أخرى، تتابع شرائح واسعة من شعوبنا العربية الحدث الأميركي الكبير. وهناك من يتابع المجريات وهو يتذمّر مُحقاً: ما الذي أفادتنا به أميركا وديمقراطيتها وانتخاباتها؟! ومبعث السؤال هو انحياز الإدارة الأميركية للاحتلال الإسرائيلي الذي وصل إلى مستوى هستيري في عهد دونالد ترامب. والصحيح أن الديمقراطية ليست عقيدة، بل هي آلية تنظيم للحياة العامة ولإدارة الدولة من أجل تطويرها ومنع النزاعات الداخلية أو استئثار شريحة بالحكم أو القيام بانقلابات. وليست الديمقراطية بذاتها هي التي قادت إلى انحياز أميركي لدولة الاحتلال، بل عوامل أخرى، وهي السياسة التوسعية والنزعة الإمبراطورية، والنشاط الصهيوني في الداخل الأميركي، والدور الذي لعبته محافل دينية في تعبئة الرأي العام، لتصوير إسرائيل كأنها امتداد لأميركا، مثلما هو العهد الجديد امتداد للعهد القديم. ولهذا، فإن الإنجيليين، وهم زهاء ربع سكان الولايات المتحدة، يظاهرون الاتجاهات الأشد يمينيّة وتطرّفا في إسرائيل، كما ينتخبون ترامب، ويؤيدون الاتجاهات اليمينية المحافظة والشعبوية في الداخل، خلافا لليهود الذين يناصرون، في أكثريتهم، الحزب الديمقراطي ومرشحيه، وذلك خشية ارتداد الشعبوية المتطرّفة عليهم. واللوبي الصهيوني يسعى إلى تكريس انحياز الأميركيين الإنجيليين لإسرائيل والتماهي معها، أكثر مما يخاطب الأميركيين اليهود.

الديمقراطية آلية تنظيم للحياة العامة ولإدارة الدولة من أجل تطويرها ومنع النزاعات الداخلية

ليس سرّا أن دونالد ترامب هو إلى ذلك مرشح الاتجاهات الشعبوية المتطرّفة. وبينما تزعم هذه الاتجاهات أنها تستمد وجودها من الدستور، ومن النظام الديمقراطي، إلا أن هذه المجموعات باتت تهدّد النظام والاتحاد الفيدرالي، فلطالما لوّح ترامب بنزاعٍ أهلي، وبالتمرّد على نتائج الانتخابات إذا لم يفز بها. وهنا تتبدّى حساسية هذه الانتخابات، وهي التاسعة والخمسون في تاريخ أميركا، فالأشد محافظةً وانغلاقاً من الجمهوريين لا يتوانون عن التلويح بالعودة إلى الوراء، حين نشبت في العام 1860 حرب أهلية، على خلفية انتخاباتٍ فاز فيها الحزب الجمهوري. وعلى عكس ما هو قائم حاليا، حيث شبح النزاع الأهلي يكمن خلف فوزٍ محتمل لمرشح الحزب الديمقراطي جو بايدن. لقد بات الحديث عن حرب أهلية في القارّة الأميركية الشمالية مألوفا بين المحللين، وهو ما يدل على أن التطرّف يمكن أن يجرف في طريقه كل شيء، خلافا لمزاعم الحرص على الوطن والشعب والدولة والدستور.

وفي هذه الأثناء، ومنذ انتخابات العام 2016، بدأ الحديث عن دورٍ للأميركيين العرب والمسلمين في الانتخابات. وقد أفاقت هذه الكتلة الانتخابية الكبيرة، بعد شرود دام أكثر من نصف قرن. وتدل استطلاعات الرأي على أن نحو 70% من هؤلاء يؤيدون بايدن للرئاسة، ومرشحي الحزب الديمقراطي لانتخابات الكونغرس. أي أن هناك ما يجمع عربا ومسلمين ويهودا، ومما هو شديد الأهمية في بلاد العم سام، وخلافاً لأي انطباعاتٍ أخرى.