الأزهر من المحلية إلى العالمية

الأزهر من المحلية إلى العالمية

12 فبراير 2021
الصورة

لوحة باحة جامع الأزهر وجامعته من مجموعة خاصة (1928/Getty)

+ الخط -

ربما لم يحظَ الأزهر الشريف بحضور قويٍ متّئدٍ، محلياً وإقليمياً ودولياً، بقدر ما حظي في عشرية إمامة الشيخ أحمد الطيب الذي تولّى قيادة أقدم مؤسّسة سُنية، في 19 مارس/ آذار 2010، أي قبيل اندلاع الثورات العربية، الحدث الذي هزّ المنطقة بأسرها سنوات تلت. وخلال مشيخته، استطاع الصعود بالأزهر من ضيق المؤسسة إلى رحابة المشاركة في الأحداث والقضايا على الصُّعُد المحلية والإقليمية والدولية.

حين اندلعت الثورة المصرية، اتخذ الأزهر موقفاً مؤيداً لها، وأسهم في مسارها بوثيقة "مستقبل مصر" الصادرة في يونيو/ حزيران 2011، وفيها دعم الدولة الوطنية الدستورية الديمقراطية الحديثة، ودعم النظام الديمقراطي القائم على الانتخاب الحر المباشر، وأيّد الحريات الأساسية وحقوق الإنسان، فضلاً عن مناشدة الاتجاهات والأحزاب المصرية للتوافق على استراتيجية للعمل على تحقيق هذه الأهداف.

دعم الأزهر الثورات العربية في بلدان الجوار، حين أصدر "وثيقة دعم إرادة الشعوب" في أكتوبر/ 2011 التي أعلن فيها المناصرة التامة لإرادة الشعوب العربية

وعلى المستوى الإقليمي، دعم الأزهر الثورات العربية في بلدان الجوار، حين أصدر "وثيقة دعم إرادة الشعوب" في أكتوبر/ تشرين الأول 2011 التي أعلن فيها المناصرة التامة لإرادة الشعوب العربية، وأدان آلات القمع الوحشية التي تفتك بها. أيّدت قيادة الأزهر "الاحتجاج السلمي" باعتباره حقاً أصيلاً للشعوب، لتقويم الحكّام وترشيدهم، وأدانت بشدة مواجهة الاحتجاجات السلمية بالعنف المسلح، بل وعدّ إراقة دماء المواطنين السالمين مسقطةً شرعية السلطة، معتبراً أنّ "انتهاك حرمة الدم المعصوم هو الخط الفاصل بين شرعية الحكم وسقوطه في الإثم والعدوان".

وكان الأزهر حاضراً بقوة في الجدل الدائر بشأن "الحريات" الذي فرضته أحداث الثورات العربية، فأيد حريات العقيدة، والبحث العلمي، والرأي والتعبير، والإبداع الفني والأدبي. وعدّ هذه الحريات مؤسّسة على فهم مقاصد الشريعة النبيلة، وإدراك روح التشريع الدستوري الحديث، فكانت وثيقة الأزهر للحريات التي صدرت في يناير لعام 2012.

وحين عصفت بمصر سلسلة أحداث من العنف في الشهور التالية للثورة، نبذ الأزهر العنف بجميع صوره وأشكاله، وأدانه قطعياً وجرّمه وطنياً وحرّمه دينياً، وأكّد ضرورة التزام الوسائل السياسية السلمية في العمل الوطني العام، وذلك في بيانه في 31 يناير/ كانون الثاني 2013.

من 2014 إلى 2017، زادت وتيرة جرائم العنف والإرهاب التي ارتكبتها مجموعات خارجة عن الدين والإنسانية، ما أدّى إلى نصب لائحة اتهام ضد الإسلام ذاته

ومنذ عام 2014 عصفت بالمنطقة موجة أخرى من العنف، هذه المرّة من مجموعات قاعدية وداعشية روّعت المدنيين والآمنين واستباحت دماءهم. وهنا تحمّل الأزهر مسؤولية كبيرة في إدانة هذه المجموعات، وكذا تذرعها بحجج دينية لارتكاب جرائمها في القتل المنظم وترويع العباد وتخريب الديار، فأصدر بيانه في مواجهة التطرّف والإرهاب في ديسمبر/ كانون الأول 2014، الذي صاحب مؤتمراً عُقد في القاهرة حضره علماء مسلمون ومسيحيون من مختلف الدول. وقد عدّ الأزهر جميع الفرق والمجموعات المسلحة والمليشيات الطائفية التي استعملت العنف والإرهاب في وجه أبناء الأمة آثمة فكراً وعاصيةً سلوكاً، وأدان الاعتداءات على المسيحيين أو تهجيرهم في أي بقعة من العالم العربي، وناشدهم ضرورة التجذّر في أوطانهم. وعلى إثر المؤتمر، أنشأ الأزهر المرصد العالمي لمكافحة التطرّف والإرهاب.

ومن 2014 إلى 2017، زادت وتيرة جرائم العنف والإرهاب التي ارتكبتها مجموعات خارجة عن الدين والإنسانية، ما أدّى إلى نصب لائحة اتهام ضد الإسلام ذاته، وما أدى إلى تهديد المواطنة والعيش المشترك. وهذا ما حدا الأزهر إلى تحمّل مسؤوليته في الدفاع عن الدين وبيان الحق ورأب الصدع بين الأشقاء في الوطن الواحد، فأصدر "إعلان الأزهر للمواطنة والعيش المشترك" في مارس/ آذار 2017، وصف المجموعات المسلحة الإرهابية بأنها "شرذمة شاردة عن نهج الدين... إلا أنّها الآن أوشكت أن تجيّش العالم كله ضدّ هذا الدين الحنيف"، وأردف هذا الإعلان بإعلان عالمي للسلام في إبريل/ نيسان في العام نفسه، أكّد ضرورة التكاتف بين عقلاء الشرق والغرب على إعادة الوعي برسالات السماء، وضرورة أن تأخذ الأديان دورها في إبراز قيم السلام والعدل والمساواة.

في خضمّ العشرية المضطربة التي مرّت بها منطقتنا ما بين ثورات وإرهاب وحرب على الإرهاب، كانت "فلسطين" قضية استراتيجية ومحورية من صميم اهتمام الأزهر

ومنذ "إعلان الأزهر العالمي للسلام" في 2017 بدأت لقاءات بين شيخ الأزهر أحمد الطيب وبابا الفاتيكان البابا فرانسيس، للتعاون المشترك في الدعوة إلى السلام، كانت ثمرتها "وثيقة الأخوة الإنسانية" التي صدرت في فبراير/ شباط 2019، وتدعو إلى المصالحة والتآخي بين جميع المؤمنين بالأديان، بل وبين المؤمنين وغير المؤمنين، وكل ذوي الإرادة الصالحة، وتنبذ الوثيقة العنف والقتل والإرهاب، خصوصاً باسم الدين، وتوصي بالمستضعفين والمهمشين والمهجّرين، وتؤكد قيم العدل والحق والسلام والمواطنة والعيش المشترك. وكانت ثمرة جهود الأزهر والكنيسة الكاثوليكية أن أعلنت منظمة الأمم المتحدة الرابع من فبراير يوماً عالمياً لـ"الأخوة الإنسانية" يُحتفَل به كل عام.

وفي خضمّ العشرية المضطربة التي مرّت بها منطقتنا ما بين ثورات وإرهاب وحرب على الإرهاب، كانت "فلسطين" قضية استراتيجية ومحورية من صميم اهتمام الأزهر، فأصدر وثيقة القدس في نوفمبر/ تشرين الثاني 2011، ثمّ أقام مؤتمر نصرة القدس وأصدر وثيقة القدس لتسجيل موقف تاريخيّ في وقتٍ شهدنا فيه نقل عاصمة "إسرائيل" إلى القدس، وتوقيع اتفاقيات تطبيع بين دولٍ عربية و"إسرائيل."

كان الأزهر حاضراً ومشاركاً في الأحداث العاصفة والمحيّرة التي عصفت بمنطقتنا، بل وبالعالم، ولم يغِب أو يختفِ في أي حدثٍ وجب عليه الحضور فيه مجاوزاً الثورات وأحداث الإرهاب والحرب على الإرهاب نحو الدعوة إلى السلام وتأسيس الأخوة الإنسانية بين جماعات البشر قاطبةً.