إسلاميو المغرب والرهان الثالث

إسلاميو المغرب والرهان الثالث

05 سبتمبر 2021
الصورة

صورة مع سعد الدين العثماني في اجتماع انتخابي في سيدي سليمان (27/8/2021/فرانس برس)

+ الخط -

بعد عشر سنوات من وصوله إلى سدة رئاسة الحكومة المغربية، ونجاحه في الانتخابات التشريعية مرتين متتاليتين، استطاع في الثانية منهما التقدّم وتعزيز مواقعه، فضلاً عن الانتصار الباهر الذي حققه في الانتخابات المحلية سنة 2015، ومكّنه من رئاسة مجالس كبريات المدن المغربية (سوى واحدة) وإدارة شؤونها، سيواجه حزب العدالة والتنمية الرهان الانتخابي التشريعي الثالث الذي قد يسمح ببقائه في السلطة، أو يعفيه من المسؤوليات، لتنتهي مع تجربته تجارب الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية في العالم العربي، التي وصلت إلى الحكم بفضل ثورات الربيع العربي. ولهذا، فإن للاستحقاق الانتخابي الذي سيعرفه المغرب يوم 8 سبتمبر/ أيلول الجاري أهمية قصوى، علاوة على أنه سيجمع لأول مرة بين الانتخابات التشريعية والجهوية والمحلية في الوقت نفسه، كذلك فإن نتائجه ستحدّد لا محالة المشهد السياسي المغربي المقبل، وطبيعة التحالفات القادمة عدة سنوات، ولا سيما مع استفحال الخلاف والانتقادات الحادّة بين مكونات الائتلاف الحكومي الحالي، وكأنه لم يجمعهم قط، لا مشروع ولا عمل ولا حصيلة ولا رغيف خبز.

تنص المادة الـ 47 من الدستور المغربي لسنة 2011: "يعيّّن الملك رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدّر انتخابات أعضاء مجلس النواب (الغرفة الأولى في البرلمان)، وعلى أساس نتائجها. ويعين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها". ولولا هذا البند في الدستور، لما استطاع حزب العدالة والتنمية تشكيل أية حكومة، إذ كان في مقدور الأحزاب الأخرى تشكيل تحالف مضادّ بأغلبية مريحة، ويمكن القول، من دون غضاضة، إن الفضل في احترام هذا البند يرجع بالأساس إلى الملك، محمد السادس، فقد نادت عدة أحزاب مغربية بتغيير البند، أو بتأويله بطريقة تسمح للحزب الذي يستطيع تشكيل تآلف سياسي بتشكيل الحكومة، من دون الحديث عن ضغوط دول عربية "شقيقة".

يمكن أيّاً كان انتقاد تجربة حزب العدالة والتنمية في الحكم والمسؤولية. ولكن يُحسب له الصمود بوجه العاصفة، إذ يبقى الحزب الوحيد المنتمي إلى ما يُسمّى تيار الإسلام السياسي الذي استطاع البقاء في السلطة، على الرغم من تموجات الربيع العربي وارتداداته، ولا سيما مع تغوّل الثورة المضادة التي أكلت الأخضر واليابس في بلدان عربية عديدة، واستطاعت تنفيذ أجندتها، والرجوع ببلدانٍ عديدة إلى ما وراء الأنظمة المطاحة، لا من حيث احترام الحريات وحقوق الإنسان، ولا من حيث التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ولا من حيث محاربة الفساد والاستبداد.

إنجازات كثيرة وإخفاقات كبيرة. هكذا يمكن تلخيص حصيلة الحزب الإسلامي، إنجازات في ميادين لم يكن ينتظره فيها أحد، وإخفاقات في مجالات كانت صلب شعاراته، وهو في المعارضة، حيث حقق الحزب إنجازات عديدة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية، على الرغم من الإكراهات، لكنه أخفق في مجال الدفاع عن المسار الديمقراطي وحماية الحريات، لا لانعدام الإرادة السياسية، ولكنه لمّا رأى هبوب ريح الثورة المضادّة العاتية، فضّل طأطأة الرأس والانبطاح إلى الأرض، حتى لا تطير الريح رأسه.

لم ينجح حزب العدالة والتنمية في الحصول على رضا الدولة العميقة التي حاولت استنزاف كل قواه وفصله عن الطبقة الشعبية المؤيدة له

لا مجازفة في القول إن أكبر إخفاق سجله الحزب، عدم قدرته على محاربة الفساد والاستبداد بالقدر الكافي، وعدم استطاعته الدفاع عن الحريات والمسار الديمقراطي بالشكل اللازم والمناسب، حيث سُجّلت انتكاساتٌ عدة في المجال الحقوقي، كان أغلبَ ضحاياها أصحابُ الرأي الحر، وذوو القلم المشاكس. وعكس مواقفه السابقة التي كان لا يتردّد فيها الحزب عن الاستنكار والشجب والتنديد، أصبح الآن يُحني الرأس ويصمت، حين لا يُسوِّغ مواقف السلطة ليبرّرها ويعلّلها، بل رأينا رئيس حكومةٍ يشكو ويشتكي في مواطِنَ عدة، وكأنه مواطنٌ لا حول له ولا قوة، ما يدلّ على أن المشاركة في الحكم لا تعني تملّك السلطة، حتى في المجالات التي خوّلها الدستور للحكومة.

حاول حزب العدالة والتنمية المغربي في هذا العقد أن يُظهر للمغاربة أجمعين أنه حزب جدّ معتدل، وهو كذلك، ويبرهن على نظافة يده وتفانيه في خدمة الصالح العام، وهو كذلك، ويؤكد تماشيه مع الخط العام المسطَّر من الملك رئيس الدولة، وعدم معارضته له، وهو كذلك، بل وتأييده في كل شاذّة وفاذّة، وفي كل صغيرة وكبيرة، وفي جميع السياسات الداخلية والخارجية. وعلى الرغم من التحفظ المعلن في بعض الملفات، مثل التطبيع وتقنين الكيف (القنب الهندي) واللغة العربية، فإن هذا لم يمنع الحزب من التصديق عليها حفاظاً على لحمة الائتلاف الحكومي، وصيانة للوحدة الوطنية في واقعية سياسية مثيرة، وفي براغماتية ديبلوماسية تُجبر المتابع على طرح تساؤلاتٍ عديدة.

بنى "العدالة والتنمية" شعبيته على مجموعة من اللاءات. لكنّ هذه اللاءات انقلبت، مع وصوله إلى السلطة، إلى استكانة

مع هذا كله، لم ينجح الحزب في الحصول على رضا الدولة العميقة التي حاولت استنزاف كل قواه وفصله عن الطبقة الشعبية المؤيدة له، وأغلبها من الطبقة المتوسطة، خصوصاً مع الإصلاحات الهيكلية الكبرى التي كان الحزب مضطراً إلى القيام بها، من أجل النهوض بالاقتصاد الوطني، وهي إصلاحاتٌ لم يكن لأي حزب الجرأة السياسية للقيام بها، خوفاً من غضب الشارع. ولا مجازفة في القول إن الحزب استُعمِل ممتصّاً للصدمات في ملفاتٍ عديدة، حتى أصبح مؤيدون له سابقون كثيرون ينأون عنه، مع اتهامه بالخنوع أكثر من اللازم، وبالخضوع للإملاءات الفوقية، من دون قدرة على الرفض، ولا على قول "لا"، ولو مرة.

بنى "العدالة والتنمية" شعبيته الكبيرة التي بوّأته الصدارة على مجموعة من اللاءات. لكنّ هذه اللاءات انقلبت، مع وصوله إلى السلطة، إلى استكانة، وانقلبت الشعارات إلى تبريرات. تطورت المفاهيم وتغيرت الأولويات، وتحوّلت المواجهات السابقة إلى تفاهمات لاحقة. مُرِّرت في حقبته أصعب القرارات وأقسى السياسات التي سمحت للمغرب بتطوير قدراته التنافسية. وبدا لبعضهم وكأنه تلميذ مطيع لا يُواجِه ولا يرفض، وبين المواجهة والرفض بَونٌ شاسع. يقول أنصاره إن الحزب وازن بين مصلحتي الوطن والمواطن، إذ هما سيّان، والواقع أنه بين مواقف الأمس واليوم شتان، وسنرى غداً، هل ما زال المواطن يثق بهذا الحزب، أم أصبح في خبر كان؟