أزمة إسرائيل ومأزق السلطة الفلسطينية

أزمة إسرائيل ومأزق السلطة الفلسطينية

11 يونيو 2021
الصورة
+ الخط -

لم يهدأ الوضع في حي الشيخ جرّاح والمسجد الأقصى. وبدلا من أن تحصل تهدئة في القدس، بناء على تفاهمات وقف إطلاق النار بين الحكومة الاسرائيلية وفصائل المقاومة في غزّة، فإن الأجهزة الأمنية الإسرائيلية مستمرّة في التصعيد والاعتداءات التي طاولت حتى الطواقم الصحافية، ومنها ضرب مراسلة قناة الجزيرة، جيفارا البديري، واعتقالها على الهواء، من دون اكتراثٍ بأي رد فعل دولي. ويبدو أن التهدئة التي تمت بوساطات أميركية ومصرية وقطرية ليست سوى مسكّنات وقتية، ولن تجدي نفعا على المدى الطويل، ما دام أنه ليست هناك ضغوط فعلية على اسرائيل، تُلزمها باتخاذ خطواتٍ جدّيةٍ تحترم فيها الوضع الخاص لمدينة القدس. وربما انفجر الموقف على نحو أكثر عنفا، سيما وأن بنيامين نتنياهو يلعب على هذا الوتر الحساس من أجل الاحتفاظ بالسلطة.

إسرائيل في أزمة مركّبة، وتواجه استحقاق الانتقال من نتنياهو إلى معسكراتٍ سياسيةٍ أخرى لا تقل تطرفا. وفي أوضاع شبيهة، مارس نتنياهو في السنوات الماضية سياسة الذهاب إلى الحافّة كي يبقى في الحكم، وخرج رابحا عدة مرّات، وما كان سينجح في اللعبة لو لم تتوافر شروط داخلية مناسبة. وفي كل الحالات، كان يستفيد من توظيف التطرّف الذي صار سمة أساسية للحياة السياسية في إسرائيل منذ اغتيال رئيس الوزراء الأسبق، إسحق رابين، عام 1995 على يد متطرّف يهودي، بعد أجواء من التحريض ضد اتفاق أوسلو. وليس من فراغٍ أن يدعو رئيس حزب يمينا، نفتالي بنيت، نتنياهو إلى التخلي عن منصبه من دون اللجوء إلى سياسة "الأرض المحروقة"، معتبراً أن "التغيير الحكومي أمر طبيعي في أي بلد ديمقراطي". ووجّه بنيت اتهاما صريحا لنتنياهو بصدد التشبث بالسلطة، وقال إن "نظام إسرائيل ليس ملكياً، ولا يمكن لأحد أن يحتكر السلطة". وفي السياق نفسه، حذّر رئيس جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك)، نداف أرغمان، من "تصعيد خطير في الخطاب العنيف والتحريضي"، وخصوصا على وسائل التواصل الاجتماعي، منبهاً من أن حملة التحريض الحالية قد تنتهي باغتيال سياسي. وهو بذلك يعطف الوضع الراهن على ذاك الذي ساد عشية اغتيال رابين.

إزاء الأزمة الإسرائيلية التي تتفاقم، لكنها تجد مسارا لتصديرها كلما وصلت إلى الذروة، تعيش السطة الفلسطينية مأزقا لا يبدو أن في الأفق مؤشّرات على تجاوزه، الأمر الذي يقف حجر عثرة في وجه كل محاولةٍ لتطوير الحالة الفلسطينية بما يتناسب مع خطورة الموقف والتضحيات التي يقدّمها الشعب الفلسطيني، بل هو يهدّد بضياع الإنجاز الذي تحقق في المواجهات أخيرا، وهو ليس بالشيء اليسير، ويعبّر عن حالة نضج عالية في الشارع الفلسطيني على امتداد كل فلسطين. ومن المؤسف ألا يجد ما يشكّل رافعة سياسية للانتقال نحو مستوى جديد من المواجهة مع الاحتلال. وهذا ما عكسته العريضة التي أطلقها أكاديميون ومثقفون وشخصيات فلسطينية عامة للمطالبة باستقالة رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عبّاس، أو إقالته، من مناصبه القيادية كافة. والمسألة المحورية في العريضة عدم حضور الرئيس وسلطته خلال انتفاضة القدس، ومحاولة الولايات المتحدة التي سارعت إلى نجدة إسرائيل "ترميم شرعية عباس". والخطير أن عبّاس التقط هذه الفرصة "وراح يركض من جديد وراء محاولات العودة إلى مسار المفاوضات التخديريّة الفاشلة التي أنهكت شعبنا، ودمّرت حقوقه، وعمِلت على تشتيت البوصلة الوطنية، وقدّم تعهدات جديدة باستمرار التنسيق الأمني ورفع وتيرته".

تتجاوز إسرائيل مأزقها في كل مواجهة، والشعب الفلسطيني يدفع الثمن بسبب عدم وجود قيادة موحدة، تعمل وفق استراتيجية مواجهة للاحتلال. وكلما لاحت فرصةٌ من أجل تصليب الوضع وتجاوز الانقسام، تضيعها السلطة الفلسطينية التي لا تزال تراهن على إحياء اتفاق أوسلو.