"ظلُّ ستالين" لآنييشكا هولاند: سرد التاريخ بلغةٍ سينمائية

02 أكتوبر 2020
الصورة
آنييشكا هولاند: سرد سينمائي لتفاصيل رهيبة (باسكال لو سيغروتان/Getty)
+ الخط -

 

لا يزال ظِلُّ ستالين يلاحق العالم إلى اليوم، سينمائياً على الأقل. في عامٍ واحد (2019)، مع الأوكرانيّ سيرغي لوزنيتسا في "جنازة رسمية" والبولندية آنييشكا هولاند في "ظلّ ستالين"، يحضر جوزيف ستالين (1878 ـ 1953)، من دون أنْ يحضر. طيفه الطاغي يظلّل الأمكنة، ويفرض نفسه عليها في الغياب، هو الذي أباد أكثر من 20 مليون مواطن في بلده.

في فيلمه الوثائقي "جنازة رسمية"، لا يبتعد لوزنيتسا عن مواضيعه الأثيرة، متابعاً عمله المتميّز كمؤرّخ للاتحاد السوفييتي السابق، ومُركّزاً على الدور الذي تلعبه الدعاية الإيديولوجية في توجيه الشعوب والتأثير عليها. ويكشف، في الآن نفسه، عن لغز عبادة الشخصية، في مَشاهد أرشيفية لجنازة ستالين، باعتبارها تتويجاً لهذه الظاهرة. يعرض الفيلم كلّ مرحلة من مراحل الجنازة، والمراسم التي دامت 4 أيام، وحضرها عشرات آلاف المشيّعين.

كما في الوثائقيّ، لا يظهر الزعيم السوفييتي في الروائيّ البولوني "ظلّ ستالين" (يُعرض في الصالات الفرنسية منذ 22 يونيو/ حزيران 2020). تكفي آثاره للإعلان عنه وعن أفعاله، وعمّا كانت تبثّه أبواق دعايته. يتابع الفيلم مسيرة ستالين بهدوء لكنْ بثباتٍ، ويحظى بإعجابٍ جديرٍ به. يسرد رحلة صحافي بريطاني مبتدئ، يُقرّر الذهاب إلى موسكو لإجراء حوار مع الزعيم، كأنّ هذا يحضر بغير ظلّه.

فيلم تاريخي عن قصّة حقيقية، أنجزته المخرجة والسيناريست والممثلة البولندية آنييشكا هولاند (1948)، التي غادرت بلدها في نهاية ثمانينيات القرن الـ20، وعملت في فرنسا وأميركا. اشتغلت سابقاً مع المخرج البولندي أندريه واجدا ("دانتون"، 1980)، وهي تهتمّ بهذا النوع من الأفلام.

 

 

في "ظلّ ستالين"، تعود إلى فترة المجاعة التي حصلت في أوكرانيا، والشاهد الغربي الوحيد عليها صحافي بريطاني شاب. يصل غاريث جونز (جيمس نورتون)، إلى موسكو عام 1933، وكلّه أمل بلقاء ستالين، كما فعل سابقاً مع أدولف هتلر (1889 ـ 1945)، بعد وصوله إلى السلطة بوقتٍ قليل. يبلغ 22 عاماً، وتملأه حماسة وأحكام لا تخلو من صواب بخصوص ما يجري في العالم حينها، هو الذي عمل مستشاراً في الشؤون الخارجية للويد جورج.

عبر أساليب يعرفها كلّ من خضع لها، تتابعه الرقابة السوفييتية منذ وصوله. لا ستالين يلتقيه، ولا رغبة في بقائه في البلد. الدعاية العقائدية تفوح من كلّ جهة، والغربيون الموجودون هناك يتهرّبون منه. تحايل للهرب إلى أوكرانيا، بعد معرفته بأنّها "كنز ستالين". يقع على مَشَاهد لا يمكن تخيّلها، بسبب كلّ ما يُنشر حينها من أكاذيب عن الاهتمام بالطبقات الكادحة، ورعاية الشعب السوفييتي. لكنّ الحاصل أنّ بعض هذا الشعب يفترس بعضه الآخر بسبب المجاعة، ويأكل لحاء الشجر، ويهجم بشراسة على كلّ مصدر يوفّر ما يؤكل. بردٌ لا يرحم، وجوعٌ يقتل، وذلّ يُنسى من أجل لقمة.

أجواء بوليسية طاغية على مختلف مراحل السرد، لا سيما في الجزء الأول، مع مراقبة ومطاردات سرية وأزقّة ضيقة وتَخَفٍّ. أجواء توحي بمأساة حاصلة، وبأخرى مقبلة، في سرد مهتمّ للغاية باللغة البصرية وجمالياتها، من أجواء موسكو وعيون رقبائها التي لا تغمض، في مساحات مكانية مغلقة وضيقة، إلى مساحات شاسعة في أوكرانيا، حيث الفلاحين ومعاناتهم. من لقطات مقرّبة بألوانٍ داكنة للوجوه والمكاتب والبيوت، إلى أخرى بانورامية رحبة بالأسود والأبيض لغاباتٍ سوداء، وأراضٍ مكسوّة ببياض الثلج. انتقال مكاني ولونيّ، لكنّه يبثّ شعوراً بالاختناق في المَشاهد كافة.

رحلة هبوط للصحافي إلى الجحيم ترويها آنييشكا هولاند بتفاصيلها الرهيبة. جائعٌ تائه في سهوب أوكرانيا، مع بشرٍ مثله مذهولين من الجوع، ومُجبرين على شحن قمحهم وطحينهم إلى العاصمة، حيث يجب ألّا يرى أحدٌ مَشاهدَ مجاعة كتلك. في إخراج كلاسيكي، يسير على وتيرة متصاعدة وتسلسل زمني، يُقدّم "ظلّ ستالين" درساً في التاريخ، عميقاً ومؤثّراً، عن القادة والشعوب والمنافقين في كلّ زمان ومكان، وعن تلفيق الأخبار وتدليس الحقائق والسلطة الفاسدة. وفي مواجهة شخصية نبيلة مغامرة، تناضل من أجل الحقيقة (غاريث جونز)، هناك أخرى مُتلاعبة ومرتشية (مراسل "نيويورك تايمز"، تأدية كريستوفر بلوزفيك)، وخاضعة لسلطة المال، ومستعدّة لكلّ كذب مُمكن عن "الازدهار" السوفييتي.

 

 

ترسم هولاند شخصية غاريث جونز بشكلٍ عميق، يُعبّر عن الأمانة والصدق والمغامرة. لكنها شخصية تبدو ساذجة أحياناً، أو لعلّه اندفاع الشباب، فما الذي يفعله أجنبي بين جموعٍ في أوكرانيا، وهو يعرف بوجود مراقبين أمنيين، يسأل أحدَهُم باندفاعٍ عن القمح المشحون إلى موسكو؟ بالنسبة إليهم، الصحافي جاسوس بالضرورة، حتّى الخاضعين لنظامٍ يجوّعهم ويذلّهم، يتعلّمون الطاعة، ويألفون الرضوخ، ويصبحون جواسيس، بعضهم على بعض، ويفشون بما يرون خوفاً من عقابٍ مُبين. سلوكٌ غير مبرّر تماماً، استخدم كوسيلة درامية غير مقنعة للإيقاع به.

تعثّرت هولاند في مواقف ومَشاهد قدّمتها بإلحاحٍ وإزعاج: مَشهد أكل لحوم البشر، الثقيلة والصادمة بقسوتها وفظاظتها، إذْ يكفي الإيحاء بها من دون جلافة مجانية، متناقضة مع رهافة بصرية مُعتنى بها في الفيلم. المُباشرة والإلحاح استخدمتهما أيضاً في مَشاهد المجاعة، ومشهد طقوس العهر للمُراسل الأجنبي المرتشي، في الجزء الأول من الفيلم. لكنّ هذين الثقل والإلحاح لم يؤثّرا كثيراً على التلقّي العام لفيلمٍ يبقى شهادة في ذاكرة التاريخ، وتكريماً لهذا الصحافي الذي قُتل أثناء رحلة في منغوليا، بعد أعوامٍ قليلة من عودته إلى وطنه.

في السرد كلّه، يربط "ظلّ ستالين" بين المَشاهد ولحظات تأليف الكاتب البريطاني جورج أورويل، صديق غاريث جونز، كتاب "مزرعة الحيوانات" (1945)، في إسقاطٍ للنظام الستاليني على عالم الحيوان.

المساهمون