ماركات عالمية تنسحب من لبنان: متاجر شهيرة تصفّي البضائع وتعرضها بأسعار متدنية

29 أكتوبر 2020
الصورة
ركود حاد في مبيعات المنتجات الشهيرة (جوزيف عيد/فرانس برس)
+ الخط -

بلغ انسحاب الشركات العالمية من السوق اللبناني مستويات خطيرة، مع إعلان مجموعة كبيرة من أشهر العلامات التجارية، إقفال فروعها في لبنان، نتيجة سياسات وممارسات الطبقة السياسية القائمة على سوء الإدارة والهدر والمحاصصة والفساد، وما خلّفته من أزمات اقتصادية ونقدية ومعيشية طاولت نيران "جهنّمها" مختلف القطاعات.
وقامت بعض المحال التجارية التي تسوّق لماركات أجنبية شهيرة، على صعيد الألبسة والأحذية ومستحضرات التجميل، وغيرها، بتصفية البضائع، وعرضها بأسعار مخفَّضة جداً، ما تسبب بتوافد الناس لشرائها والوقوف بطوابير للاستفادة من التنزيلات، فيما فضّل القسم الآخر، تقليص عددِ الفروع، وإقفالها مؤقتاً ريثما تتّضح الصورة أكثر حتى نهاية العام الجاري.
هذا المشهدٍ جعل من المجمّعات التجارية، والأسواق المنتشرة في المدن الكبرى ولا سيما العاصمة بيروت، أشبه بمراكز "مهجورة" من الزبائن والمتاجر. ومن أحدث هذه العلامات التجارية، المغادرة، "أميريكان إيغل، فيكتوريا سيكريت، كليرز، مذركير، بينك بيري، لويس فيتون، وغيرها".
يقول، رئيس جمعية تراخيص الامتياز، يحيى قصعة، لـ"العربي الجديد"، إنّ السوق اللبناني بدأ يصغر كثيراً، مقابل تراجع كبير في القوة الشرائية، في حين تدفع الأزمة النقدية وخصوصاً الدولار، بالعديد من الشركات الأجنبية إلى إعادة تموضعها، وحساباتها، عبر تقليص فروع المحلات، ودراسة الماركات التي تشهد تراجعاً في المبيع لوقف التعامل بها، أو اتخاذ القرار بالانسحاب بشكل نهائي، لافتاً، إلى أنّ الاتجاه ليس سليماً للأسف، وقد نشهد موجة إقفال واسعة حتى نهاية سنة 2020.

ومن الشركات الرائدة في المنطقة العربية والوكيل لنحو تسعين علامة تجارية عالمية في قطاع مبيعات التجزئة، "شركة الشايع"، التي قامت على حدّ تأكيد قصعة، بإقفال عددٍ من المتاجر والماركات التي لم تعد مربحة، لكنها لا تزال في السوق اللبناني. ومن المعروف، أنّ شركة محمد حمود الشايع، وكيلة لعلامات تجارية كثيرة في لبنان، أبرزها، ستاربكس، إتش آند أم، مذركير، فيكتوريا سيكريت، فوت لوكر، كليرز، ماك، بينك بيري.
ويلفت، قصعة، إلى أنّ لبنان كان يأتي في المرتبة الأولى كوجهة أساسية للسياح ومنطقة الشرق الأوسط، للتسوّق، وللأسف إزاء تردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في البلاد، خسرنا هذه الأفضليّة، التي بدأت تتراجع منذ عام 2012 وحتى 2019، ولكن مع نهاية 2019 وما رافقها من ارتفاع حدّة الأزمات وفوضى سعر الصرف، أضيف إليها فيروس كورونا، وتراجع قطاع الألبسة على سبيل المثال أكثر من 60 في المائة.
وتراجع قطاع الماركات الفخمة في الفترة نفسها (2012 -2019) أكثر من 70 في المائة، ومنذ أكتوبر/ تشرين الأول من العام الماضي، وبدء الانتفاضة الشعبية وانفجار مرفأ بيروت، وغيرها من الأحداث السياسية والأمنية، تقدّر الخسارة التي منيَ بها السوق بمجموع حجم خسائر السبع سنوات، حسب قصعة. 
ويشير، إلى أنّ "حوالي 42 ماركة وشركة عالمية من مختلف القطاعات التجارية والسياحية، غادرت لبنان في الفترة الأخيرة، وهذه الصدمة قوية جداً، ونحن نحاول جهدنا الحفاظ على الهيكلية، وإبقاء ماركات عالمية في البلد، قدر الإمكان، ولكن إذا طال أمد الأزمة سيزداد عدد الذين يقرّرون الانسحاب".
ويشدد، قصعة، على أنّ عودة الماركات العالمية إلى السوق اللبناني، صعبة على المدى القريب، والعامل الأساسي لاستقطابها من جديد يكمن في استعادة الثقة، الغائبة اليوم للأسف، في ظلّ أزمة اقتصادية غير مسبوقة بخطورتها، ولا سيما على الصعيدين المالي والنقدي، وفوضى أسعار الصرف التي وضعتنا أمام ثلاثة أسعار للعملة.
ويتوقف قصعة عند الدور النضالي الذي يلعبه قطاع الـ"فرنشايز" الصامد رغم عواصف الازمات، معتبراً، أنّ الحل الوحيد أمام لبنان اليوم للنهوض اقتصادياً هو سياسي، بتشكيل حكومة قادرة على استعادة ثقة المجتمع الدولي والدول الداعمة، والقيام بالإصلاحات التي تنعكس إيجاباً على الوضع الاقتصادي ككلّ، والتي وردت في بنود المبادرة الفرنسية التي تتعهّد بمساعدة البلاد وانتشاله من الانهيار.

من جهته، يقول رئيس مجلس إدارة شركة "أدميك" المدير العام لـ"سيتي مول"، ميشال أبشي، لـ"العربي الجديد"، إنّ لبنان أمام أزمة اقتصادية مالية خطيرة وشحّ في العملات الأجنبية، والقطاع وقع ضحية القيود المصرفية التي أثرت سلباً على التبادل التجاري بين الطرف اللبناني والشركات العالمية.

ويشير، أبشي، إلى أنّ لبنان يعتمد على الاستيراد لماركات عالمية، في حين بات جلب المنتجات من الخارج صعباً جداً نتيجة عدم توفر الدولار لشراء البضائع، وفوضى سعر الصرف، في واقع، فرض رفع الأسعار ولا سيما على صعيد البضائع المستوردة، في حين أن القدرة الشرائية انخفضت عند المواطن، وكذلك نسبة المبيعات في المحال التجارية، التي تقلّص حجمها، بين 30 إلى 40 بالمائة تقريباً، الأمر الذي أثر حتماً على الماركات العالمية وتلك المستوردة، وأدى إلى تحجيم السوق.
ويلفت، أبشي، إلى أنّ النتائج ستظهر أكثر بعد انتهاء موسم الشتاء، باعتبار أنّ الطلب المسبق على البضائع طاول هذه الفترة من السنة، التي بمجرّد نهايتها، سنشهد موجة إغلاقات جديدة، لعدم وجود سيولة تسمح بشراء بضاعة بديلة وخصوصاً المستوردة، ولا هامش صريح لتحديد أسعار البضائع بالتوازن مع سعر صرف الدولار الذي يختلف يومياً وبين سوق وآخر، وغياب القدرة عند المستهلكين لتحمّل هذا الفرق.
ويلخص، أبشي، المشهد، بسوء إدراك وتقييم لتداعيات الأزمة الراهنة على البلد ككلّ، مقابل تحجيم سوق الاستيراد، في حين أن لبنان لا يملك القدرة على التصنيع، مع إقفال محال وشركات عالمية أو فروعها، ما يؤدي إلى خسارة آلاف موظفين أعمالهم ومورد رزقهم، الأمر الذي من شأنه أن يرفع من معدل البطالة، أو يدفع بهؤلاء إلى الهجرة، وبالتالي، خسارة الطاقات الشبابية، بما تحمل من تأثير سلبي على مداخيل الدولة ككلّ.
ويلفت، إلى أنّ المشكلة الأساسية تكمن في اتخاذ قرار جذري بتحويل لبنان من بلد تجاري وخدماتي وسياحي إلى صناعي وزراعي من دون أي خطة مالية متوازية، وتمويل، وللأسف هناك قرارات اتخذتها الحكومات السابقة قبل بلوغ الأزمة المالية والاقتصادية مستوياتها الراهنة، أوصلتنا إلى ما نحن عليه اليوم، ونتمنى على الحكومة الجديدة أن تعيد النظر بالسياسات المفاجئة والقرارات الارتجالي والعشوائية.

المساهمون