لماذا يثور المصريون؟

22 سبتمبر 2020
الصورة
سياسات السيسي الاقتصادية فاقمت ظاهرة الفقر والعوز بين المصريين (تويتر)

توفر للنظام المصري الحالي كل مقومات النجاح من الناحية الاقتصادية، تدفقات نقدية تجاوزت قيمتها 421 مليار دولار خلال 6 سنوات باعتراف طارق عامر، محافظ البنك المركزي قبل أيام.

مساعدات خليجية نقدية وعينية ونفطية تجاوزت قيمتها 75 مليار دولار، ضخ الإمارات والسعودية والكويت مليارات الدولارات في احتياطي النقد الأجنبي، إضافة إلى مليارات أخرى في شرايين الاقتصاد المصري ومشروعاته وأنشطته.

إعلان أبوظبي عن تقديم دعم لا محدود لمصر، وتوفير احتياجاتها كاملة من السولار والبنزين والنفط وإرسال أسطول من المشتقات البترولية، أوله في دبي وآخره في موانئ قناة السويس، كما أعلن عبدالله بن زايد وزير الخارجية الإماراتي يوم 9 يوليو 2013. 

أما الرياض، فإلى جانب المليارات التي ضختها في منتصف العام 2013 وحتى مارس 2015 فقد أعلنت عن تقديم 23 مليار دولار أخرى لمصر في العام 2016 تخصص لتمويل شراء احتياجات مصر من الوقود ولمدة 5 سنوات،

وهذه الخطوة ساهمت في حل أزمة البنزين والسولار التي كانت تعاني منها البلاد قبل هذا الموعد.
نظام حصل أيضا على قروض "سياسية" ضخمة وبتسهيلات من قوى عالمية وإقليمية كبرى داعمة له، فقد فتح صندوق النقد والبنك الدوليان خزائنهما للنظام على مصراعيه.

ومنح الصندوق مصر نحو 20 مليار دولار بتعليمات من الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وبضمان السعودية والإمارات في السداد، إضافة إلى 54 مليارا أخرى قروضا حصلت عليها البلاد من بنوك ومؤسسات دولية وإقليمية.

وهناك مليارات الدولارات التي تدفقت على مصر من الأموال الأجنبية الساخنة التي تجاوزت قيمتها 25 مليار دولار في بعض الأوقات.

نظام تحقق له وفر بمليارات الدولارات للخزانة العامة بسبب تهاوي أسعار النفط في الأسواق الدولية، وخفض كلفة استيراد الوقود بنسب تزيد عن 50% في بعض الأوقات كما جرى في بداية العام الجاري.

إضافة إلى وفر آخر وبمليارات الدولارات أيضا بسبب خفض الدعم الحكومي المقدم للوقود والغاز المنزلي والكهرباء والمياه، وزيادة أسعار السلع الرئيسية، بما فيها رغيف الخبز، وزيادة تذاكر القل العام من مترو وقطارات ومواصلات عامة.

نظام توفر له حصيلة ضريبية تقترب من تريليون جنيه في العام المالي الحالي، ومئات المليارات الأخرى الناتجة عن زيادة الرسوم الحكومية بمعدلات قياسية، خاصة تلك المفروضة على تراخيص السيارات وخدمات المحليات والشهر العقاري والأحوال المدنية والجوازات وغيرها.

نظام حصل على قروض لا محدودة من البنوك والمؤسسات الدولية لتمويل مشروعات البنية التحتية من شبكات كهرباء وطرق وجسور وصرف صحي واسكان، وهي قروض قلما توافرت لنظام من قبل.

نظام شهد عهده اكتشافات غازية غير مسبوقة، وامتلاك البلاد أكبر حقل لإنتاج الغاز الطبيعي في منطقة شرق المتوسط هو حقل ظهر الذي حقق للبلاد اكتفاء ذاتيا من الغاز، ووفر مئات الملايين من الدولارات التي كانت مخصصة لشراء الغاز من الخارج.

إضافة الى ذلك كله توفر للنظام الحالي حصيلة تقدر قيمتها بـ 70 مليار دولار تتدفق على الدولة سنويا من إيرادات قناة السويس والسياحة والصادرات وتحويلات العاملين في الخارج والاستثمارات الأجنبية وبيع الغاز والنفط.

وفوق كل ذلك ورث النظام الحالي قاعدة صناعية تعد الأفضل والأضخم في المنطقة، بنية تحتية قوية لقطاع السياحة من فنادق وقرى ومنتجعات سياحية وغيرها، قوى بشرية تمتلك المهارات في كل المجالات، نحو 10 ملايين مغترب في الخارج يرفدون إيرادات الدولة بنحو 25 مليار دولار سنويا، تلهّف على السلع والمنتجات المصرية من كل دول العالم، ثروات ضخمة زراعية وصناعية وخدمية وتعدينية وأخرى.

ورغم توافر كل هذه الأموال والثروات والقروض والضرائب والجمارك والرسوم فقد أذاق هذا النظام المصريين الذل والمر، وعايرهم بالفقر والعوز وزيادة السكان، وتنصل من وعوده بخفض أسعار السلع الرئيسية، وحماية العملة المحلية من المضاربات والسقوط المدوي أمام الدولار.

نظام دفع الملايين للتسول، أو الاقتراض من الغير لتسيير حياتهم وتدبير ثمن الغذاء والشراب والدواء، بدد ثرواتهم على مشروعات لا تمثل قيمة مضافة للاقتصاد والمواطن، ولا تمثل أولوية له مثل العاصمة الإدارية الجديدة التي ستبتلع مرحلتها الأولى 45 مليار دولار، وتفريعة قناة السويس التي ابتلعت 8 مليارات دولار، ومؤتمرات دولية للشباب وغيرهم لا طائل منها.

نظام بدد المليارات على بناء القصور الرئاسية والمقار الحكومية، ولم يبددها على إقامة المدارس والمستشفيات وتحسين المنظومة الصحية والتعليمية، وتوفير فرص عمل لملايين العاطلين عن العمل.

خصص ما يقرب من 20 مليار دولار من أموال الدولة على صفقة استيراد الغاز الطبيعي من دولة الاحتلال، في الوقت الذي تعلن فيها حكومته عن تصدير البلاد الغاز إلى الخارج بعد تحقيق الاكتفاء الذاتي.

بدد مليارات الجنيهات من أموال دافعي الضرائب على بناء السجون والمعتقلات التي زج إليها خيرة علماء مصر وأمهر المهندسين والأطباء والمعلمين وأساتذة الجامعات وغيرهم.

أسس صناديق لا يعرف عنها أحد شيئا وكيف تدار أموالها ولصالح من، مثل صندوق تحيا مصر، وأسس صناديق سيادية أخرى وضم لها أصول الدولة ومنحها امتيازات غير محدودة وإعفاءات من الضرائب وحماها من الملاحقة القانونية حتى في حال إهدار أموال الدولة.

فتح البلاد أمام الأموال الأجنبية الساخنة التي تغترف الأرباح وتفر هاربة بسرعة في حال حدوث أي خطر حتى وإن لم يكن متعلقا بالاقتصاد المصري، عوّم الجنيه المصري وأذله مقابل الدولار، وفتح الباب على مصراعيه أمام تآكل المدخرات الوطنية.

نظام وعد المصريين بالغنى والرفاهية خلال عامين فقط، فإذا به يدخلهم في غياهب الفقر والبطالة وقبلها السجون.

والنتيجة النهائية إلقاء نصف الشعب المصري في دائرة الفقر، وإلقاء الملايين منهم في أتون الفقر المدقع، والقضاء على الطبقة الوسطى.

هل نتوقع من هذا النظام أن يعمل لصالح الفقراء الذين يمثلون الغالبية العظمى من المصريين، ولماذا يستغرب البعض خروج آلاف المصريين في تظاهرات، ليس للمطالبة بحقوقهم في ثروات بلادهم والتوقف عن سياسة الجباية وتحسين أحوالهم المعيشية، بل بالتوقف أولا عن هدم بيوتهم التي بنوها بالادخار من قوت أولادهم.