انتهاء السخاء في الخليج: مخاوف من عجز حكومي عن دفع الرواتب

01 ديسمبر 2020
الصورة
جائحة كورونا انعكست سلباً على معيشة مواطني الخليج (ياسر الزيات/فرانس برس)
+ الخط -

بعد عقود من سخاء ورفاهية المواطنين في دول الخليج، يتعرض هؤلاء لأول مرة إلى المساس برواتبهم عبر تقليصها، أو ربما عدم توفرها من الأصل، في ظل ارتفاع العجوزات المالية إلى مستويات تاريخية غير مسبوقة بسبب جائحة كورونا وتهاوي إيرادات النفط والتوسع في الاقتراض الخارجي واستنزاف الاحتياطيات الدولية، الأمر الذي أدى إلى إعلان دول خليجية أنها قد تكون غير قادرة على دفع الرواتب لموظفي الحكومة خلال الفترة المقبلة.
ويأتي تهديد حكومات خليجية بقطع الرواتب أو عدم توافرها في ظل ما كشفته العديد من التقارير الدولية والرسمية عن تداعيات اقتصادية خطيرة لجائحة كورونا، على اقتصادات دول الخليج بسبب اعتمادها الرئيسي على صادرات النفط، بعد توقف أعمال الكثير من الأنشطة الاقتصادية لعدة أشهر منذ بدء تفشي الجائحة واتخاذ إجراءات احترازية لمواجهتها.

السعودية وتغطية الرواتب
حسب تقرير حديث صادر عن واشنطن بوست (النسخة الإنكليزية) اطلعت عليه "العربي الجديد"، فإن السعودية أصبحت الأكثر تضررا بسبب جائحة كورونا وتراجع الإيرادات النفطية، الأمر الذي أدى إلى تفاقم عجز الميزانية إلى مستويات غير مسبوقة، مشيرا إلى أن المملكة لن تستطيع الاستمرار في الوفاء بالتزاماتها ومواصلة الإنفاق العام وسداد الرواتب للعاملين في المؤسسات الحكومية خلال الأشهر المقبلة في حالة عدم اتخاذ إجراءات إصلاحية عاجلة. 

ووفق لتصريحات لولي العهد السعودي محمد بن سلمان يوم 12 نوفمبر، فإن الإيرادات النفطية تراجعت إلى 109 مليارات دولار خلال السنة المالية الحالية بسبب تداعيات جائحة كورونا بالمقارنة بتقديرات الموازنة (137 مليار دولار) في السنة المالية الماضية، وأن الإيرادات المالية وحدها للمملكة بعد أزمة جائحة كورونا لا تكفي بند الرواتب الذي يقدر بـ 130 مليار دولار.
وقال رئيس وحدة البحوث في مركز الخليج العربي للاستشارات الاقتصادية، عبد العزيز الخالدي، إن التصريحات الرسمية السعودية كشفت عن الوضع المترهل للاقتصاد الذي يعاني بسبب تفاقم عجز الميزانية نتيجة تراجع الإيرادات النفطية فضلا عن توقف الأنشطة الاقتصادية في وقت سابق وتراجع إيرادات السياحة الدينية للحج والعمرة.
وأكد الخالدي خلال اتصال مع "العربي الجديد" عبر "سكاي بي" أنه ينبغي على السلطات السعودية البدء في تطبيق الإصلاحات الاقتصادية وترتيب الوضع الداخلي.
وكانت السعودية قد أعلنت موازنة 2020 بعجز متوقع قيمته 50 مليار دولار، إلا أن تفاقم عجز الميزانية بسبب تفشي كورونا تسبب في الإعلان عن خفض نفقات الحكومة فيما يتعلق بالسفر والانتدابات، وتأجيل مشاريع، كما قررت تقليص الميزانية بنحو 13 مليار دولار.

الكويت وأزمة السيولة
تعاني الكويت من أزمة مالية حادة بسبب تراجع الإيرادات المالية على خلفية خفض الإنتاج وتراجع أسعار النفط الذي أدى إلى تفاقم عجز الميزانية وشح السيولة، فضلا عن حالة الركود الاقتصادي الناجم عن تداعيات جائحة كورونا.
قال وزير المالية الكويتي براك الشيتان، منتصف أغسطس الماضي، إن بلاده تواجه حاليا صعوبة في توفير فاتورة رواتب موظفي الدولة، بسبب شح السيولة التي تعاني منها المالية العامة.
وبحسب وثيقة حكومية أطلعت عليها "العربي الجديد" فإن وزارة المالية الكويتية تتوقع ارتفاع عجز الميزانية العامة في السنة المالية 2020 /2021 إلى 47 مليار دولار، في ظل تراجع الإيرادات النفطية والركود الاقتصادي وزيادة الإنفاق لمواجهة أزمة تفشي فيروس كورونا.
بدوره، دعا الخبير الاقتصادي الكويتي، علي الموسى، خلال حديثه لـ"العربي الجديد"، الحكومة إلى البدء في تطبيق الإصلاحات خصوصا فيما يتعلق بالميزانية التي تحتاج إلى وقفة جادة.
كما طالب الموسى بضرورة الإسراع في إقرار خطوات مستحقة مثل تحريك أسعار الوقود، وفرض ضريبة القيمة المضافة وإقرار الضرائب التصاعدية على الشركات وإلغاء الامتيازات الممنوحة للقياديين وترشيد الإنفاق ومراجعة آلية العلاج في الخارج، فضلا عن ضرورة تنويع مصادر الدخل وعدم الاعتماد على النفط كمصدر وحيد للإيرادات المالية.

ووفقا لبيانات وزارة المالية الكويتية فإن بند رواتب العاملين في الجهات الحكومية، في ميزانية العام المالي 2020 /2021، يبلغ نحو 39 مليار دولار سنويا.
وكان وزير المالية الكويتي، قد حذر في وقت سابق من عدم إقرار قانون الدين العام الذي يتضمن طلب الحكومة اقتراض ما يقرب من 65 مليار دولار، حيث لاقى القانون معارضة واسعة من نواب مجلس الأمة، فيما تشير التوقعات إلى إمكانية صدور مرسوم ضرورة بالقانون بسبب استمرار أزمة شح السيولة. وقال الشيتان إنه في حالة عدم إقرار قانون الدين العام، فلن تستطيع الحكومة الوفاء بالتزاماتها فضلا عن عدم قدرتها على سداد رواتب العاملين في الدولة.

الإمارات: رواتب مهدّدة
الإمارات ليست في معزل عن الأزمات المالية والاقتصادية التي تشهدها دول الخليج، خصوصا عقب أزمة تفشي فيروس كورونا في العالم، ودول الخليج خصوصا، حيث تكبد الاقتصاد الإماراتي خسائر فادحة بسبب الإغلاق وانهيار أسعار النفط أكبر مورد للميزانية العامة للدولة.
وحسب تقرير مركز الخليج العربي، أصبحت الإمارات إحدى الدول المهددة جراء الأزمة المالية حيث قررت الحكومة خفض ميزانيتها الاتحادية للعام القادم إلى 15.8 مليار دولار وبنسبة 5.3% مقارنة بميزانية العام الجاري البالغة 16.7 مليار دولار.
وقال الباحث الاقتصادي الإماراتي، عادل الريامي، لـ "العربي الجديد" إن الاقتصاد الإماراتي يواصل نزيف الخسائر بسبب أزمة تفشي فيروس كورونا وتراجع الإيرادات النفطية وتراجع حركة السياحة في دبي.
وحذر الريامي، من أن الاستمرار في السياسات المالية الحالية وتجاهل الإصلاح سيؤدي إلى إخفاق الحكومة في الوفاء بالتزاماتها ومنها سداد رواتب العاملين في الحكومة.

عمان والضرائب... ولا مساس بأجور القطريين
بسبب تراجع الإيرادات النفطية وتفاقم عجز الميزانية، أعلنت وزارة المالية العمانية فرض ضريبة دخل تطبق على أصحاب الدخل المرتفع في العام 2022.
بدوره، قال الباحث الاقتصادي العماني، هيثم اليافعي، لـ "العربي الجديد" إن الحكومة العمانية قد تجد نفسها في مأزق كبير في حالة عدم تنويع مصادر الدخل واستمرار الاعتماد على الصادرات النفطية. وأكد اليافعي، أن أزمة جائحة كورونا كبدت الاقتصاد العماني خسائر فادحة فضلا عن زيادة معدلات البطالة بصورة غير مسبوقة خلال الأشهر الماضية، وتردي الأوضاع المعيشية لغالبية العمانيين.

اقتصاد عربي
التحديثات الحية

وبالنسبة لقطر أثرت جائحة كورونا على أجور الموظفين الوافدين في الحكومة والقطاع الخاص، وتم إنهاء خدمات عدد كبير من الوظائف وتقليص الرواتب لتخفيف الضغط المالي على الحكومة والمستثمرين، ولكن لم تشمل هذه الإجراءات القطريين، إذ لم يتم المساس برواتبهم.

البحرين: أزمة غير مسبوقة
تشهد البحرين أزمة مالية غير مسبوقة، حيث تعاني من نفس التداعيات التي تشهدها دول الخليج، فيما قررت الحكومة في وقت سابق خفض الانفاق العام في الميزانية بنسبة 30%.
وخلال اتصال هاتفي مع "العربي الجديد" حذر الخبير الاقتصادي البحريني، حسين الرفاع، من أن الوضع الاقتصادي ينذر بالمزيد من الأزمات ومنها عدم قدرتها على سداد رواتب العاملين، لافتا إلى أزمة البطالة التي تشهدها البحرين خلال الأشهر الماضية بسبب جائحة كورونا.
وحسب توقعات صندوق النقد الدولي سيتراجع نمو الاقتصاد البحريني بنسبة 3.6 %، كما سيرتفع عجز الموازنة إلى 15% في 2020، بعد أن كان قد وصل إلى 10% في 2019، كما ستتراجع الإيرادات الحكومية بنسبة 27%.

المساهمون