مقابل هلاك الجماعة

14 نوفمبر 2020
الصورة
شوقي شمعون/ لبنان (جزء من لوحة)
+ الخط -

يرى برتولد بريشت في كتابه "حوارات المنفيين" أنّ للمهاجرين "حاسة شمّ شديدة لرصد التناقضات"، فإنّهم قد هاجروا نتيجةً لمُتَغيرات. وبحسب بريشت فإنّهم يتوصّلون إلى أكبر الأحداث ويحلّون عُقدها، لا من خلال دراسة المُتَغيرات، وإنّما من خلال رصد المظاهر والتفاصيل التي تحيط بهم. بالتالي نصل مع بريشت إلى اعتقادٍ مفادهُ أنّ المهاجرين يبنون وعياً قائماً على الأمر ونقيضهِ معاً.

يختبر هذه المسألة اللاجئون الذين دُفِعوا قَسراً إلى مغادرة مدنٍ منكوبة، خصوصاً الذين غادروها إلى فضاء آخر مختلف، يحمل لغةً جديدة، ويبرقُ أمامَهم عالمٌ جديدٌ؛ يستطيعون التعبير فيهِ عمّا يفكّرون بهِ حيال حياتهم الماضية وحيال مستقبلهم. وبالحديث على نحو أكثر تخصيصاً عن لاجئٍ غادرَ أو دُفِعَ إلى المغادرة بعدَ تجربة نضال في بلده، وهو مؤمنٌ بثورات أرادَ منها تغيير واقع بلدهِ. نجدهُ يَنْظُرُ من لجوئهِ إلى العالقين في مدنٍ بعيدة يهلك أهلها، وينمو في داخلهِ إحساسٌ بأنّهُ قد تمكَّن أخيراً من تحقيقِ الخلاص الفردي. غير أنّ هذه الفكرة لا تأتي بمفردها، إذ تنمو داخلهُ على التوازي معها؛ فكرةُ أنّ أهلهُ لم يتمكنوا من النجاة.

تزدهرُ فكرة الخلاص الفردي مقابل واقعٍ أعمّ وهو هلاك الجماعة، وإذا كانت الأولى تمثّل فكرة سلطويّة تمجّدُ نجاة الفرد، فإنّ الثانية، أي الهَلاك العام، تُفرِّغ نجاتهُ من جدارتها. ليحمل ذلك اللاجئ عبءَ أنّه نجا، وأنّه حر، وأنّه يستطيع التعبير بحريّة، فالثمن بالنسبةِ لهُ مدفوعٌ مُسبَقاً، وهو خسارته لبلده. لكن مقابل هذه الحقائق، وفي عالمٍ موازٍ آخر، يوجدُ أناسٌ لم يستطيعوا النجاة، معتقلون، والقيود تلجمُ حناجرهم.

يجيء كتاب بريشت من اعتبارات مواجهة النازيّة، ويتكفّل بريشت بأن يستمر النضال من خارج ألمانيا عبر مساندة الأحرار في داخلها. فإذا ما عالجنا فكرة الخلاص الفردي انطلاقاً من كونها محاولة بناءٍ مُعَقَدة وطويلة الأمد لخلاصِ جماعيّ-كانتْ تجهدُ من أجله الثورات-، يشقّ آنئذٍ على اللاجئ أن يعترف أنّه قد قد أصبح خارج محاولة الجماعة في التغيير. قد يُبْتَرُ التغيير بسبب انتكاسِ الانتفاضات أو لظروف سياسيّة واجتماعيّة شتّى، غير أنّ ما يَبْتِرُ نجاةَ الفرد هو هلاكُ أهلهِ، وتفكيره أنّه قد خرجَ وحيداً من تحت الأنقاض، أنّه ناجٍ من المجزرة، وهو أمرٌ يشكو منهُ الكثيرون. بدءاً من تفاصيل عاديّة مرتبطة بالطعام والكهرباء والماء، بالسقف الآمن والشوارع الآمنة والبيوت الدافئة، وانتهاءً بالفضاء الحُرّ للتعبير. إذ يفكّر اللاجئُ، المسكون بقضايا كبيرة، أن لا نجاة تامّة ما لم تكن نجاةً لجماعته.

يؤكد تفوّقه على الجماعة باعتبار نجاته فحسب

ماذا يفعل الفردُ العاجز أمام التناقضات التي قد تؤزّمه إذا ما تحلّى بالحدّ الأدنى من الحساسيّة. ننتبه إلى أشكالٍ عديدة ونلمحها في مواقف الكثيرين؛ قد يصيرُ اللاجئُ الذي كان قد تبنّى قضايا كبيرة، ناقماً على جماعتهِ التي لم تنجُ. قد يحتقرُ نضالاتها التي تستمر بعدما غادر، قد يؤكد تفوّقه على الجماعة باعتبار نجاته فحسب، وهذا أسوأ ما قد يحدث. فليس لأيّ من اللاجئين الذين يتباهون بــ "خلاص فردي" بعدما تصدّوا لنضالاتٍ عامّة، أن يسبغَ حلولهُ على حشدٍ آخر، وإلا لتَبَخَرَتْ الأوطان بخروج أفرادٍ منها.

يحدث أن يعيدَ الفردُ تعريف هويتهِ يوميّاً وينتمي إلى أوطان تمنحهُ حرية الحركة والأمان وشعوراً بالكرامة. لكن ليس لشعوب كاملة، لمدنٍ وشوارع ومكتبات أن تنزاح عن جغرافيا بلدٍ ما إلى بلدٍ آخر.

يشيرُ بريشت إلى تناقضاتٍ يشعر بها المنفيّ. لكن في مسألة اللجوء لا يقول لنا إن كانت التناقضات تبني اللاجئ أم تحطّمه، فتلك مسألة تعود لتعاطي الأفراد، ولهم أن يعوا تناقضاتٍ قد دفعوا إليها بطرق غير رحيمةٍ، ولهم أن يصنعوا من تلك التناقضات بعضاً من الإحساس العام بالجماعة التي ما زالت تقاوم، من غير نزعة تحطيم صورة من استمر بعدهم.

يُحَتَّمُ على اللاجئ، كما يُحَتَّمُ على المقيم، أن يعي فكرةَ أنّنا طارئون على الأمكنة التي تستمر بالتغيّر ما استمر البشر بالتّرحال.


* كاتب من سورية

المساهمون