بيتٌ يبتسم للبيت الآخر

16 نوفمبر 2020
الصورة
هَنا كوبلي (تـ: نعومي ووديس)
+ الخط -

منذ وقتٍ طويل والمترجمون العرب يُترجمون ما مضى، أي نصوص شعرية أو علمية قديمة نسبياً، ولا نقلّل من أهمية ذلك، ولكن في نفس الوقت، الحياة حركةٌ مستمرّة والحركة الأدبية للغات العالم ما زالت تعجُّ بالحياة وتنبضُ بها، وفيها أصوات تَسْتحقُ أن تُعرف وأن يُحتفى بها. 

من الأصوات الشعرية الصاعدة في بريطانيا الآن الشاعرة والأكاديمية البريطانية هَنا كوبلي، وهي صاحبة صوت شعري مميز يفيضُ بالعاطفة والحساسية نحو ما يدور في عالمها والعوالم التي تدور رحاها في الأخبار اليومية، من قضايا لاجئين عالقين في البحار، إلى وباء العنصرية. لكن شعر هَنا كوبلي، كما الشعر الجيد دائماً، ليس خطابياً، بل يحملُ جمالية تعبيرية وتصويرية عميقة وجميلة في آنٍ واحد. 

القصائد التي نترجمها أدناه هي في بعض منها مستوحاة من تجارب شخصية، خصوصاً في ما يتعلق بحملِ النساء والظروف المختلفة التي يعشنها أثناء الحمل. كما تتضمن قصائدها إيحاءات إلى نصوص أدبية مؤسِّسة، خصوصاً للنساء الحاضرات في مسرحيات شكسبير، وروايات إيملي برونتي وشعر وليام ووردزوورث، وكذلك تتفاعل مع نصوص قانونية وتعليمية ووجهات نظر طبية تتعلّقُ بحملِ النساء واستبعادهن كصاحبات شأنٍ وصوت. كوبلي هي صوتُ النساءِ اللواتي كُتِبَ عليهن الصمت، أو تكادُ لا تُسمعُ أصواتهن في عالم سريع الخطى.

 

المخاض

أعرفُ بالطبع
كيف هو الشعور

من مشاهدة الأخبار
أحسُّ بحوضي إذْ يتألم

بأنّهُ آتٍ وسينزلقُ عمّا قريب
ليس لأنّي على وشك الولادة

ولكن لأن القوانين قد تنساحُ
كما ينساحُ الماء

فالطَّلْقُ في كلِّ الشهورِ
واردٌ

ما نخبره لأطفالنا قبل أن يصلوا

على بواخر أو فوق قطارات
أنصاف أموات
يتدحرجون كأعواد كبريت

في آخر سيارات النقل الكبيرة
نزلَ
رطبٌ وآمنٌ مِن وخز انكسارنا

ومن أجسادنا النازفة.


■ ■ ■


عالم

إذا كان بإمكانك أن تلمس مدّاً فارغاً في جلد الفقمة
أو تُهدّد بتعرية الثقوب بين كل نسجةٍ في سلك النحاس

إذن اذهب وهدهد بيضة النعامة الملوّنة
تلك التي جُوّفَّ محتواها
وتذكّر من أملى عليك كلَّ هذا
أنَّ على العالم أن يكون كاملاً
وهذا كلُّ ما نريد، بكامل أقمارنا،
خوفنا من الظلال، وقفزنا في اتجاه
الفلك الكامل المتكامل من الحبل الجرّار
الحجارة الصافية السوداء التي ننتشلها من الماء
وَنُطَوِّفها بأكفنا، كلّها تخبرنا
أنَّ ما هو دائري صحيح، أنّ الدائرة
قد تحملنا وتحفظُ دفئنا
ولكن حتى العوالم الكاملة لا بدَّ أنّ لها دمها المؤسِّس.

محرومون من آياتهم، قد تتحرّكُ القارات
لأنصاف قوافٍ وتعبرُ حدوداً، وتلفُّ وتدورُ وينفرطُ عقدها
مِن أيّ محور. وحتى خط الاستواء قد يكذب.

كما هو عالمي، ينشطرُ إلى اليمين 
عكس ما يجبُ أن نكون، 
في الليل أجلس مع عالمِ رَحِمي 
وأحسُّ بوديانه المتعرّجة.

أجدُ فيه الدول الحميمة حيثُ نلتقي دائماً
ننتظرُ شعورنا تجاه كل طبقٍ معطاء،
عارفين أن كلّ عالم غير مكتمل يعني ألماً.

ولكن من قال إنَّ على العالم أن يكون مكتملاً؟
العالم أبداً ليس هكذا.
مجيدةٌ وناقصةٌ، أستلقي في فراشي.

وحين أستدير يستديرُ العالم كلّه.
شاهد الآن كيف أنّ سلسلةً من الجبال تنهضُ
وكيفَ بسهولة تختفي أيضاً.  


■ ■ ■


آسف 
(موشحة إلى هيلين)

محشوّة بين فجوة من الحزن والروح
تشعرين بوزنِ كليهما

احملي نَفْسَكِ بثقلٍ
فقد اصطدمتِ بامرأة حامل
وهي تحمل كرتونةً من البيض

واختلي بسكنك، خلوة الأكشاك
بينما يتجاهلك الشاب الصغير في الطابور ويمضي للأمام.

بالقرب من البيت، بيتك، تبرقين
يمرّ الباص
يتراءى أمامك وتتمدّد الطريق

متجاوزةً وديان حروفكِ، ترين عمق الأفق،
أولاً انعكاساتك 
وبعد ذلك قربك من الأغنية. 

أنت قريبة بما يكفي الآن
لتصلي وتلمسَ قدميكِ قدميه عبرَ المقاعد.

تتمدّدين، تتنفسين تلك الـ "آ" المفردة
التي ترقص على حافة لسانك.


■ ■ ■


صورة سوناتا حبلى  

فكّري بي ليس فقط كسجنٍ بل كبيت جميل
حيثُ كلُّ الأبواب والشبابيك موصدة
وكلُّ شخصٍ آخر معه مفتاح.

 أذهبُ إلى ورش عملٍ
لأقابلَ المحرّرين الذين يلمسون جسدي ويُملون عليّ

أريد أن أقضمَ كلماتٍ أكثر. أقضي وقتي في الليل متأخّرةً
أتصفّح جدران الرسائل لعلاماتٍ تدلُ على مخاضي

العلاقة بين شكلي ومحتواي كلّها خطأ.
في صف السوناتات تعرفُ كل السوناتات، وكيف تتصرّف.
  
البيت الكاملُ المقفّى بعناية فائقة يجلس في دائرة ويبتسم للبيت الآخر
بينما أنا أبقى أقولُ لنفسي
إن الآراء كلّها مثل المفترق في السوناتا، كلُّ شخص لديه رأي، 
وعندما أذهبُ لأسبحَ أغمرُ قدمي، وفجأة أصبحُ بلا كلمات 
بلا سبكٍ لغوي، ولا صيغة. 
وحين أرتمي تحت الفراش  
أطوي جسدي على شكلِ علامة استفهام 
وأطلقُ زفرةً.   


* ترجمة وتقديم: عاطف الشاعر

 

بطاقة
Hannah Copley
شاعرة وأكاديمية بريطانية في جامعة ويستمنستر، تناولت أطروحة الدكتوراه التي قدّمتها أعمال كلّ من جون سيلكين وتوني هاريسون وجوفري هيل. وهي أيضاً محاضرة في مجال الكتابة الإبداعية ومحرّرة لمجلة "ستاند" الشعرية. فازت بـ"جائزة نيوكاسل للشعر" عام 2019، وسُميت كأحد أفضل خمسين شاعرة في بريطانيا والجزر الأيرلندية. 

المساهمون