العربية في العالَم.. إضاءات على حضورها في الشرق والغرب

19 يناير 2021
الصورة
جدارية لكريم جباري في مدينة مونتريال الكندية
+ الخط -

رغم أنَّ الندوة الافتراضية التي نظّمها "الملتقى القطري للمؤلّفين"، بالتعاوُن مَع "اللجنة الوطنية القطرية للتربية والثقافة"، قبل أيام، خُصّصت لمناقشة موضوع "تعليم اللغة العربية حول العالم في زمن الجائحة"، إلّا أنَّ مُشاركة المترجمين والمُتخصّصين في تعليم العربية لغير الناطقين بها لم تكُن لتمُرُّ دون أن تتوسَّع الأحاديثُ فيها فتتجاوزَ الوضعَ الحالي المرتبِط بتداعيات وباء فيروس كوفيد-19 الجديد إلى سردِ تجارب عديدة مِن بُلدان مُختلفة تُخبرنا عن علاقة استثنائية بالعربية.

شارك في الندوة، التي أدارها الأكاديمي الجزائريُّ عبد الحق بلعابد، مستعربون ومترجمون مِن رومانيا وبولندا وإيطاليا وجورجيا وأوكرانيا وإندونيسيا، إلى جانب خبراء عرب في تعليم العربية مِن الهند وبريطانيا وكندا والولايات المتّحدة.


جورج غريغوري: 
جيلٌ جديدٌ يواصل ما بدأه الأوّلون

كانت البدايةُ مع الأكاديمي والمترجم الروماني، جورج غريغوري (1958)، الاسمِ البارز في مجال التأليف والترجمة من العربية إلى الرومانية وبالعكس؛ وهُو الذي ترجمَ القرآن إلى الرومانية، إلى جانب عددٍ من أُمّهات الكتب في الثقافة العربية؛ مثل: "كليلة ودمنة"، و"إنشاء الدوائر" لابن عربي، و"مشكاة الأنوار" للغزالي، و"فصل المقال" لابن رُشد، و"حيِّ بن يقظان" لابن طُفيل، ووضع (بالاشتراك مع نيقولاي دوبريشان) قاموساً بين اللغتين، ومِن أبرز مؤلّفاته في هذا المجال أيضاً: "إشكالية ترجمة القرآن إلى اللغة الرومانية" (1997).

استهلَّ غريغوري مداخلته بلمحةٍ تاريخية عن وُجود اللغة العربية في جامعة بوخارست؛ حيث ذكَرَ أنَّ قسم اللغة العربية وآدابها في الجامعة تأسّس عام 1957، مُوضّحاً أنَّ الفكرةَ طرحَتها وزاراتُ الخارجية، والتعليم، والعمل في رومانيا تلبيةً للحاجة المتزايدة إلى المترجمين في مواقع العمل التي فتحتها الشركات الرومانية في البلدان العربية المنضمّة إلى "حركة عدم الانحياز" في تلك الفترة. ويُشير المُترجِم الروماني إلى أنَّ أحد الأساتذة المصريّين (لم يذكُر اسمه) تبنّى الفكرة على الفور، وسافر إلى رومانيا وبدأ بتدريس العربية في جامعة بوخارست.

يقول غريغوري: "لا يُمكن التقليل من أهمية الجهود التي بذلها المؤسّسون الأوائل لقسم اللغة العربية، ولا لحجم العراقيل التي تمكّنوا مِن تجاوُزها". وفي هذا السياق، يذكرُ مجموعةً من الأسماء التي تنتمي إلى الجيل الأوّل الذي وضع الحجَر الأساس للقسم؛ وفي مُقدّمتهم المستعربة الرومانية ناديا أنغيليسكو التي يصفها بـ"الأستاذة الكُبرى"؛ بالنظر إلى "مكانتها الخاصّة في القسم الذي اشتغلَت فيه على مدار نصف، وكونها مَن افتَتح البحثَ الأكاديمي في اللسانيات العربية فيه".

ويوضّح المتحدّث أنَّ الاتجاهات البحثية في منشورات القسم الأولى ركّزت على التأسيس لمنهجية دراسة اللغة العربية، ومِن ذلك وضعُ القواميس العربية - الرومانية، وكُتُب شرح قواعد العربية الفصحى. وفي وقت لاحق، ظهرت تخصُّصاتٌ جديدةٌ تُعنى باللهجات العربية المحكية، خصوصاً في بلاد الرافدَين.

الصورة
غريغوري جورج

في مداخلته، تطرَّق غريغوري إلى حركة الترجمة مِن العربية إلى الرومانية على مدار أكثر مِن خمسين عاماً، والتي قال إنّها أدت إلى نقل كثيرٍ من أمّهات الكتب العربية في الأدب والفلسفة والدين إلى الرومانية: "بفضل هذه الحركة، باتت أسماءٌ مثل الغزالي والكندي والفارابي وابن طفيل وابن المقفّع مألوفةً جدّاً عند القارئ الروماني، وكذلك الأمر بالنسبة إلى أسماء من الأدب العربي الحديث والمعاصر؛ مثل: نجيب محفوظ، وتوفيق الحكيم، وجبران خليل جبران، وجبرا إبراهيم جبرا، ومحمود درويش، وغادة السمّان، وبدر شاكر السيّاب، ونزار قبّاني".

ينتمي غريغوري إلى الجيل الثاني مِن أساتذة القسم، وهناكَ جيلٌ جديدٌ مِن الأساتذة يواصل ما بدأه الأوّلون؛ وخصوصاً مع الطلب المتزايدِ على تعلُّم اللغة العربية. يذكُر في هذا السياق: "سنةً بعد سنة، ارتفع عددُ الطلّاب نتيجةً لازدياد الاهتمام بهذا المجال الدراسي في الجامعات والمعاهد؛ فمِن عشرة طلّاب سنوياً في فجر هذا القسم، وصلنا إلى ما بين خمسين وستّين طالباً في السنوات الأخيرة".

وإلى جانب قسم اللغة العربية، أُسِّس مركز لدراسات العربية في بوخارست عام 1994، يقول غريغوري إنه يُصدر مجلّة أكاديمية سنوية بعنوان "رومانو - أرابيكا"، تنشُر دراسات وأبحاثاً في اللغة والأدب العربيّين والدين الإسلامي.

لماذا اخترت العربية؟ يختتم جورج غريغوري مداخلته بالإجابة عن هذا السؤال، قائلاً: "كثيراً ما يُطرَح عليَّ هذا السؤال. وبعد عُمر قضيتُه مع هذه اللغة، فإنَّ الجواب الذي يأتي على لساني دائماً هو: لا أعرف! أعتقد أنه أصدق جواب؛ فقد يكون حبّي لأصوات العربية وإيقاع كلماتها هو الإجابة، قد تكون الروائع الأدبية التي تحملها، قد تكون الحضارة العربية بمجملها وكلّ ما قدّمته للعالم على مدار قرون، وقد تكون الموسيقى العربية، أو الروح العربية التي أحببتُها منذ اللقاء الأوّل. لكن ما أعرفه أنّني لا أندم أبداً على هذا الاختيار. وما زلتُ في كلّ يوم، منذ ما يزيد على أربعين سنة، أفرح لوجودها في حياتها".


يولاندة غواردي: 
لغةٌ مرنة وقادرة على التأقلُم مع التطوُّرات

في مُداخلتها، قالت الأكاديمية والمترجمة الإيطالية، يولاندة غواردي، إنَّ اللغويّين لا يختلفون على أنَّ العربيةَ مِن أقدم اللغات الحية، وفي أنّها استطاعت، رغم طول تاريخها واتّساع مساحاتها الجغرافية، أنْ تتأقلم وتتماشى مع تغيُّر العالَم من حولها على مرّ العصور، مُضيفةً أنَّ استمرار ذلك مرتبطٌ بقدرتها على منافسة اللغات الحية الأُخرى: "لا بُدّ أن تمتلك الوسائلَ التي يفرضها العصر؛ كتجسيد وتوسيع استعمال المصطلحات اللازمة لمواكبة التطوُّر العلمي والتكنولوجي في كل المجالات". تعتبرُ المتحدّثة أنَّ ذلك لن يتحقّق إلّا باكتساب وتطبيق التقنيات والمناهج العصرية على تعليم لغة الضاد، كي يستمرّ الناطقون بها في استعمالها ونشرها بإتقان، ولضمان وصولها إلى الأجيال الجديدة التي تُواجِه صعوباتٍ مع أنظمة التدريس التقليدية.

في هذا السياق، أيضاً، تقترح غواردي أنْ تستغني البلدان التي تعتمد العربيةَ لغةً رسميةً، قدر المستطاع، عن استعمال اللغات الأجنبية في مجالات الطب والهندسة والصناعة والمعاهد التعليمية وفي غيرها من المجالات، والاهتمام أكثرَ مِن أيّ وقتٍ مضى بمجالَي الترجمة والتعريب "اللذين سبقا لهُما وجعلا مِن العربية سيّدة اللغات منذ 14 قرناً"، مُضيفة: "برهنت العربية أنّها لغةٌ مرنة وقادرة على التأقلُم مع التطوُّرات المتسارعة في الماضي. ولا شكَّ في أنها تستطيع ذلك في الحاضر والمستقبل".

الصورة
غواردي

تُشير المُترجِمة الإيطالية إلى أنَّ عوامل اجتماعية وسياسية واقتصادية راهنة دفعت إلى فتح المجال أمام العربية للحصول على فرص في سوق العمل الأوروبية. ولاستغلال هذه الفرص، تُضيف، لا بُدّ مِن اعتماد طُرُق علمية مدروسة وناجعة لمنح شهادة الكفاءة في اللغة العربية وفق معايير تعليم اللغات في هذه البلدان.

وعن تعليم اللغة العربية في فترة الوباء، تقول غواردي: "قمتُ مع مجموعةٍ مِن الباحثين والمتخصّصين في تدريس العربية في إيطاليا بتأسيس "مركز لدراسات واختبار اللغة العربية". وكانت رؤيتنا منذ البداية تقوم على اعتبار العربية لغة متساوية مع اللغات الأُخرى، لغةً قابلة لتطبيق معايير الإطار المرجعي الأوروبي المشترك للغات، سواء في التدريس أو في اختبار كفاءة مستويات شهادة اللغة العربية"، مضيفةً: "ولكي يكون عملُ المركز متكاملاً، فقد سعينا إلى نشر مؤلّفات وأبحاثٍ والقيام بنشاطات عن اللغة العربية".

حصلت يولاندة غواردي على دكتوراه في الأدب العربي من جامعة تاراغونا الإسبانية، قبل أن تدرّس اللغة والثقافة العربيّتَين في عددٍ من معاهد وجامعات بلدها؛ آخرها "المعهد العالي للشرق الأوسط والأقصى بميلانو" حيث تعمل حالياً. أصدرت عدّة كُتب عن الثقافة العربية الإسلامية، وترجمت أعمالاً روائية وشعرية لكتّاب عرب؛ من بينهم: عبد الحميد بن هدّوڤة، وجلالي خلّاص، والطاهر وطّار، وأحمد منور، وثريا إقبال وعبد الإله صالحي. في ختام مُداخلتها، تقول: "كثيراً ما يُطرَح عليَّ سؤال عن سرّ حبّي للغة العربية، وجوابي دائماً هو: لأنّها كانت بالنسبة إليَّ اكتشافاً دائماً... كلَّ يوم أكتشف كلمةً جديدةً ومعنىً جديداً لكلمة أعرفها... كلَّ يوم أكتشف جماليات جديدة. لذا، لا أملُّ أبداً من حب العربية ولا من دراستها".


إيدن قضاة: 
تركيا مرشَّحةٌ لأن تكون مركزاً في تعليم العربية

أمّا إيدن قضاة، أستاذ اللغة العربية وبلاغتها وعلم القراءات في "كلية العلوم الإنسانية" بجامعة أنقرة، فتحدَّث في مداخلته عن أهمية تعلُّم اللغة العربية في تركيا بوصفها "واحدةً مِن أهمّ أدوات فهم الشريعة الإسلامية"، مضيفاً: "ثمّةَ إقبال كبير في المجتمع التركي، وخصوصاً مِن الشباب، على العربية تعليماً وتعلُّماً". 

هذا الإقبال رافقه، بحسب قضاة، قيام الجامعات التركية بتوسيع أقسام، مُشيراً إلى أنَّ عدد الكليات التي تُدرّس العربية في تركيا اليوم يفوق المئة، تُضاف إليها قرابة خمسة آلاف مدرسة ثانوية، فيما يوجد مليون ونصف مليون طالبٍ في تركيا يتعلّمون العربية بشكلٍ ما. ويقول قضاة إنَّ هذا الزخم والاهتمام الكبير بالعربية في تركيا وضع الجهات الأكاديمية والعلمية أمام تحدّي تطوير المناهج والأساليب المتَّبعة في تعليم العربية لغير الناطقين بها، مشيراً إلى أنَّ المؤسّسات الأكاديمية شهدت طوال السنوات الماضية إقامة الكثير مِن الورشات والمؤتمرات العلمية لبحث الآليات وتقييم المناهج التعليمية. يلفتُ المتحدّث إلى أنَّ تعليم العربية في تركيا "يقوم على أُسُس علمية دقيقة"، كذلك فإنّه يجري باللغة الفصحى ولا يعتمد على اللهجات المحلّية، مُعتبراً أنَّ ذلك يُسهّل على الطالب قراءة الكتب ودراسة العلوم الدينية بشكلٍ دقيق ومِن المصادر الأصلية، ليختتم مداخلته بالقول إنَّ تركيا مرشَّحةٌ لأن تكون مِن بين أهمّ مراكز تعليم العربية الفصحى في العالم.


ماجدالينا كوباريك: 
العربية صعبة على البولنديّين لكنها تستحقُّ جهودنا

مِن جهتها، قدّمت المُترجمة والباحثة البولندية، ماجدالينا كوباريك، نبذةً عن واقع تعلُّم وتعليم اللغة العربية في بلادها، قائلةً إنَّ ذلك متوافرٌ في ثلاثة أقسام تابعة لجامعات حكومية؛ هي "قسم الدراسات العربية والإسلامية" في جامعة وارسو، و"قسم اللغة العربية وآدابها" في جامعة كراكوف؛ أقدمِ جامعات البلاد، و"قسم الدراسات العربية والإسلامية" في جامعة بوزنان، مُضيفةً أنَّ تعلُّم العربية مُتاحٌ أيضاً في "مركز اللغات الشرقية" في جامعة وارسو، أو ضمن تخصُّص اللغويات التطبيقية الذي يَعني دراسة لغتَين في وقتٍ واحد.

تؤكّد كوباريك أنّها لا تملك إحصائيات دقيقة عن أعداد الطلّاب البولنديّين الذين يدرسون العربية، لكنّها تُضيف أنَّ ثمّة قرابة 150 طالباً يدرسونها حالياً في السنة الجامعية الأولى، مشيرةً أيضاً إلى وجود طلّاب بولنديّين يدرسونها في بلدان عربية مثل مصر والكويت. تطرّقت المتحدّثة، أيضاً، إلى واقع تعلُّم العربية وتعليمها في ظلّ جائحة كورونا، قائلةً إنَّ انتشار الوباء والإغلاقَ التام الناجمَ عنه دفع إلى البحث عن حلول بديلة: "في بولندا، كما في البُلدان الأُخرى، كان علينا نحنُ معلّمي العربية أنْ نُغيّر طُرُق التعليم بشكلٍ مفاجئ. وفي الحقيقة، لم يكُن هناك استعدادٌ لذلك، سواءٌ مِن جهة الطلّاب أو مِن جهة المعلّمين".

الصورة
ماجدالينا

تسرد الأكاديمية البولندية جملةً مِن الصعوبات التي واجهَت تعليم العربية عن بُعد؛ مثل عدم امتلاك الأستاذة الخبرة الكافية في استخدام منصّات الاتصال، وافتقار عددٍ من الطلّاب إلى الوسائل التكنولوجية المناسبة أو انعدام الظروف المنزلية الملائمة. لكنّها، في المقابل، تلفت إلى أنَّ التعليم الافتراضي يتميّز بمرونةٍ أكبر مقارنة بالتعليم التقليدي، وأنّ الأمور تحسّنت كثيراً مقارنةً ببدايات الجائحة، مُضيفةً: "نأمل أن ينتهي الوباء قريباً لنعود إلى التعليم التقليدي. ومِن المؤكّد أنّنا سنستفيد مِن الخبرات المكتسَبة خلال هذه الفترة الصعبة".

أنجزت ماجدالينا كوباريك عدّة أبحاث ودراساتٍ عن الأدب العربي، وترجمت أعمالاً أدبية عربية إلى البولونية؛ من أبرزها "مدن الملح" و"التيه" لعبد الرحمن منيف، و"الأجنحة المتكسّرة" لجبران خليل جبران، و"عزازيل" ليوسف زيدان. وخلال السنة الجارية، تَدخُل عامها العشرين في مجال تدريس العربية لغير الناطقين بها. بعد كلّ هذه السنوات، تقول: "شخصياً، أعتبر العربية من أهمّ لغات العالم، وقد أسهمَت وما زالت تُسهم في تطوُّر الحضارة الإنسانية وبناء المواطِن العالمي. وفي بلدي كثيرٌ مِن عشّاقها". وتختتم كوباريك مداخلتها بالقول إنَّ العربية لغةٌ صعبة التعلُّم بالنسبة إلى البولنديّين، لكنها دائماً ما تُخبر طلّابها بأنّها تستحقُّ كلّ الجهود؛ لأنها مفتاحٌ للثقافة العربية الإسلامية.


نينو دوليدزه: 
أحاول أن أنقل هذا الحب إلى طلابي

مِن جانبها، قدّمت الأكاديمية والمُترجمة الجورجية، نينو دوليدزه، إضاءةً تاريخيةً على تعليم اللغة العربية في بلادها، والذي قالت إنه بدأ منذ تأسيس الجامعة الحكومية الأولى في تبليسي عام 1918، وكانت أوّل جامعة في القوقاز، مضيفةً: "في بداية القرن العشرين، أولت جورجيا أهمية كُبرى للبحث العلمية. ولم يكُن مُمكناً التبحُّر في هذا المجال دون دراسة المصادر العربية؛ إذ توجد في نصوص المؤرّخين العرب كالطبري والمسعودي معلوماتٌ مفيدةٌ جدّاً عن تاريخ جورجيا. وهذا ما يُفسّر الاهتمام الخاص بالعربية في الجامعة".

بالعودة إلى وثائق الفصل الدراسي الأول في جامعة تبليسي (شباط/ فبراير – حزيران/ يونيو 1918)، تذكُر دوليدزه أنَّ العربيةَ كانت مقرَّرةً جنباً إلى جنب مع غيرها من اللغات الأوروبية، بمعدَّل ثلاث ساعاتٍ في الأسبوع. وفي وقت لاحق، وتحديداً في عام 1954، أُسِّسَت "كلية الاستشراق" في الجامعة نفسها. ومنذ ذلك الوقت، تُضيف، تخرَّج منها الكثير من المستعربين المتخصّصين في اللغة أو الأدب العربي أو التاريخ العربي. تُشير المتحدّثة إلى أنّ تدريس العربية في جورجيا كان، في البداية، مُقتصراً على المؤرّخين واللغويين، أي على الجانب العلمي، خصوصاً المتعلّق بالعلاقات التاريخية والثقافية بن جورجيا والعالَم العربي. لكن بين انهيار الاتحاد السوفييتي وفتح الحدود، بدأ الجورجيّون يهتمّون بتعلُّم العربية لأغراض تواصُلية، مضيفةً أنَّ تلك المتغيّرات فرضت تغييراً للبرامج الدراسية وإصدار كُتب معاصرة اللغة العربية.

واليوم، تذكر دوليدزه، يدرس بين ثلاثين وأربعين طالباً في كلّ قسم مِن أقسام اللغة العربية في جامعة تبليسي (البكالوريوس والماجستير والدراسات العليا)، إلى جانب طلبةٍ آخرين في جامعات حكومية وخاصّة في العاصمة ومُدُن جورجية أُخرى، فضلاً عن الطلبة الذين يسافرون إلى بلدان عربية مختلفة بغية تعميق معارفهم.

تتطرّقُ المتحدّثة، في مداخلتها، إلى أثر وباء كورونا على تعليم اللغة العربية، قائلةً إنَّ الجائحة فرضت تأجيل الكثير مِن برامج التبادُل في مجال التعليم، وأثّرت بالعملية التدريسية برمّتها؛ فـ"التعليم عن بُعد له سلبيات عديدة؛ مثل المشاكل التقنية وعدم التعرُّف إلى الطلّاب بشكلٍ شخصي ومباشر، وهذا يجعل من تعليمهم كتابةَ الأحرف العربية وقراءتها يأخذ وقتاً أكبر"، مشيرةً في هذا السياق إلى عدم توافر كتبٍ خاصّة بتعليم اللغة العربية عن بُعد، لكنها تلفت إلى أنَّ تلك الصعوبات ليست عائقاً أمام تعلُّم العربية؛ فـ"الطلاب المجتهدون يدرسون في كلّ الظروف".

تُدرّس نينو دوليدزه اللغة العربية وآدابها في "قسم الدراسات السامية" و"قسم الدراسات العربية" في جامعة تبليسي، وتُقدّم برامج تدريبية في اللغة والأدب العربي الكلاسيكي في القاهرة وبرلين وتبليسي، وقد نشرت عدّة أبحاث ودراسات عن اللغة العربية تناولت فيها مقامات الحريري وقصائد بيرم التونسي، وترجمت إلى الجورجية أعمالاً لجبران خليل جبران ونزار قبّاني وإبراهيم أصلان. وعن علاقتها باللغة العربية تقول: "بالنسبة إليّ هي لغة ثقافة قبل كل شيء، لغة الأدب العظيم شعراً ونثراً. أحبّ هذه اللغة وأحاول أن أسلّم هذا الحب لطلّابي".


هنيء محلية الصحة: 
يتعلّمها الإندونيسيّون لفهم النصوص وليس التواصُل

تحدّثت الأكاديمية الإندونيسية، هنيء محلية الصحة، رئيسةُ قسم الأدب العربي في جامعة مالانغ في إندونيسيا عن الإقبال المتزايد للإندونيسيين على تعلُّم اللغة العربية، مُضيفةً أنَّ هذه اللغة لا تُدرَّس في الجامعات التابعة لوزارة الشؤون الدينية فقط، بل أيضاً في جامعاتٍ تابعة لوزارة التربية والثقافة، إضافةً إلى المعاهد الدينية المتخصّصة، كذلك فإنَّ دراستها تبدأ منذ مرحلة الروضة. تقول محلية الصحة إن العربية لغةٌ محبّبة عند الإندونيسيّين وتحظى بمكانة عالية لديهم، مُشيرةً إلى أنَّ اللغة الإندونيسية أخذت قرابة ثلاثة ملايين كلمة من العربية التي تحضر اليوم في البلاد أيضاً مِن خلال الصحافة والملتقيات التي تُقام بها.

ترسُم المتحدّثة واقعاً إيجابياً عن تعليم العربية في إندونيسيا مع وُجود قرابة مئتَي قسم مخصّص لذلك في مختلف أنحاء البلاد، لكنها تلفتُ إلى جانبٍ آخر يتمثّل بصعوبة تعليم العربية الفصحى. أمّا الأسباب التي تسوقها، فتتمثّل بنقص كفاءة المدرّسين في التواصل بالعربية، وعجز المتعلّمين عن فهم الكلام، حيثُ يُلاحَظ أنَّ عدداً غير قليل من الطلبة المتخصّصين في العربية يكتبون بحوثهم ودراساتهم عنها باللغة الإندونيسية، وخصوصاً مع توافر المراجع بلغتهم الأمّ مقارنةً بالمراجع العربية. تُضيف المتحدّثة أنّ كثيراً من الطلبة يحفظون نصوصاً بالعربية دون أن يتمكّنوا من التكلُّم بها. وتقدّم تفسيراً لذلك، وهو أنَّ الغرض الأساسي من تعلُّم العربية، وخصوصاً في المعاهد الدينية، هو فهم النصوص وليس التواصُل.

أمّا بخصوص الجائحة التي فرضت على السلطات الإندونيسية إغلاق المدارس والجامعات والذهاب إلى التعليم عن بعد، فتقول هنيء محلية الصحة إنَّ البيئة التعليمية في البلاد لم تكُن مهيَّأة لهذا الانتقال السريع، لكنَّ "هذه التجربة جعلتنا نستفيد أكثر مِن الأجهزة الحديثة".


أولينا خوميسكا: 
منذ عشرينيات القرن الماضي

قدّمت الأكاديمية والمترجمة الأوكرانية، أولينا خوميسكا، أستاذة اللغة والأدب العربيَّين والترجمة في "قسم لغات وآداب الشرق الأدنى والأوسط" في "جامعة تاراس شيفتشينكو الوطنية" إضاءةً تاريخية على حضور اللغة العربية في هذه الجامعة التي قالت إنها تُعدُّ مركزاً علمياً رائداً في أوكرانيا؛ إذ تأسّست عام 1884. أمّا الدراسات العربية فيها، فبدأت في عشرينيات القرن الماضي، حين درّس المستعرب الأوكراني من أصل سوري، توفيق كوزمان، العربية كلغة اختيارية، مشيرةً إلى أنَّ الأخير ألّف عام 1928 أوّل كتاب في أوكرانيا يشرح قواعد اللغة العربية، كذلك عمل على ترجمة الأدب العربي القديم والحديث إلى الأوكرانية. 

تُخبرنا خوميسكا بأنّه في عام في 1939 بدأ تدريسُ العربية لطلّاب الدكتوراه في جامعة كييف، ثم دُرّست لأوّل مرّة كلغة ثانية في "كلية اللغات الجرمانية" أواخر السبعينيات. ومنذ 1989 بدأ تدريسها كلغة أولى مع افتتاح "قسم النظرية وتطبيق الترجمة من اللغات الشرقية"، مُشيرة إلى إسهامات المستشرق الأوكراني فاليري ريفالكن الذي قالت إنه أدى دوراً كبيراً في إحياء الدراسات العربية وتطويرها في أوكرانيا، وأيضاً إلى جهود الأكاديمي والباحث علي صبح الذي أصدر أوّل قاموس عربي - أوكراني إلى جانب عدّة كُتُب أسهمت في تطوير مناهج تعليم العربية وتسهيل تعلُّمها على الطلّاب الأوكرانيّين.

ومِن المحطّات التي تتوقّف المتحدّثة عندها أيضاً تأسيس "قسم الدراسات الشرقية" في "جامعة تاراس شيفتشينكو" عام 1995، وتوحيد كليات وأقسام اللغات في "معهد اللغات"، أكبرِ أقسام الجامعة، الذي تأسّس عام 2005، وهو التاريخ الذي بدأ فيه تدريس اللغة والآداب العربية في "قسم لغات وآداب الشرق الأدنى والأوسط". تُؤكّد خوميسكا أنَّ اللغة العربية كانت ولا تزال تحظى باهتمام وإقبال كبير من الأوكرانيّين، مضيفة أن عدد الذين يدرسون في قسمها حالياً يبلغ قرابة ستّين طالباً، فضلاً عن طلبة الدكتوراه، مشيرةً إلى أنَّ العربية تُدرَّس أيضاً في معاهد ومراكز أخرى؛ مثل "معهد العلاقات الدولية"، و"معهد التاريخ"، و"المركز المصري للغة والثقافة العربية". 

مع بدء انتشار جائحة كورونا انتقلت الجامعات الأوكرانية إلى التعليم الافتراضي. وعن ذلك تقول: "التعليم عن بُعد واقعٌ لا مفرّ منه في الظروف الحالية، وهو أفضل مِن إيقاف العملية التعليمية بشكل كامل. العالَم بأكمله يحاول التكيُّف مع الظروف الحالية، وعلينا أن نبحث عن إمكانات جديدة وأن نُطوّر من مهاراتنا".


أنيسة داودي: بنوك للكلمات

بدورها، استعرضت الأكاديمية الجزائرية أنيسة داودي، رئيسةُ قسم اللغة العربية في "جامعة برمنغهام" ببريطانيا، تجربتها مع تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، لافتةً إلى أنَّ إقبال الأجانب على تعلُّم العربية تزايَد بعد حرب الخليج الأولى ثم نقص العدد. أمّا اليوم، فيجري تعليم العربية في كلّ بريطانيا مع لُغاتٍ أجنبية أُخرى. وفي "جامعة برمنغهام" تحديداً، تُعلَّم ضمن مساق "لغات لجميع الطلبة" الذي يُتيح دراستها لجميع الطلبة أيّاً كان تخصُّصهم، إضافة إلى دراستها ضمن قسم الترجمة (مِن وإلى العربية والإنكليزية).

في سياق آخر، تَعتبر داودي أنَّ الجائحة فرضت على الطلبة والمدرّسين معطياتٍ وأشكالاً جديدةً كان عليهم التكيُّف معها، مُسجّلةً هنا صعوبة التدريس وزيادة ساعات التحضير بالمقارنة مع التعليم التقليدي. وتختتم الأكاديمية الجزائرية مداخلتها بالدعوة إلى "إبعاد فكرة القداسة عن اللغة العربية؛ فالمُقدَّس لا نستطيع التعامُل معه. علينا التعامُل معها ككائن حيّ يتغيّر ويضعف ويموت، وأنْ نعي أنّها ستتطوّر بتطوُّر علومها وأبنائها"، ودعت إلى إنشاء "بنوك للكلمات" وتوحيد مجامع اللغة العربية، موضّحة: "كدارسين ومدرّسين للترجمة، نواجِه مشاكل بسبب اعتماد كلّ مجمعٍ كلمات خاصّة به".

في الندوة الافتراضية، تحدّث أيضاً كلُّ مِن الأكاديمية عقيلة صخري، رئيسة "المركز الثقافي العربي الكندي" في مونتريال الكندية وأستاذة اللغة والثقافة العربية في جامعتي مونتريال وكيبك، التي استعرضت تجربتها في تعليم العربية لغير الناطقين فيها، وخالد الأشهب، المدرّس في "كولج تكنولوجي" بنيويورك، الذي تطرّق إلى التحوّلات التي مرّت بها تجربته، وصولاً إلى جائحة كورونا، والأكاديمي سعيد الرحمن، رئيس قسم اللغة العربية في "جامعة العالية"، الذي أشار إلى أنَّ اللغة العربية وآدابها تُدرّس في قرابة خمس عشرة جامعةً هندية.

آداب وفنون
التحديثات الحية

المساهمون