إليزابيث سوزان كسّاب.. السياقات الفكرية عشية الثورة

27 يناير 2021
الصورة
(ميدان التحرير بالقاهرة في الأول من شباط/ فبراير 2011، Getty)
+ الخط -

مع توقّعات باستمرار الموجة الثانية من الانتفاضات الشعبية التي شهدتها عدّة بلدان في العالم العربي عام 2019، تتواصل الدراسات حول العوامل الاجتماعية والاقتصادية التي قادت إلى الحراك ضدّ الأنظمة، في محاولة لفهم اشتراطات اللحظة وتداعياتها التي يبدو أنها لن تنتهي قريباً.

في هذا السياق، صدرت عن سلسلة "ترجمان" في "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" النسخة العربية من كتاب "تنوير عشية الثورة: النقاشات المصرية والسورية" للبتحثة اللبنانية إليزابيث سوزان كسّاب بترجمة محمود محمد الحرثاني العربية. يناقش العمل السياقات الفكرية التي تخلّقت فيها أجواء الثورة في كل من البلدين، مستعرضةً الفروق بين خطابات التنوير في السنوات التي سبقت الثورتين، ومقارنةً بين ما يُسمى "التنوير الحكومي" و"التنوير المستقل" في الحالة المصرية وعلاقتهما بالإسلاميين.

يستعرض الكتاب الفروق بين خطابات التنوير في السنوات التي سبقت الثورتين المصرية والسورية

تناقش المؤلّفة، في الحالة المصرية، أعمال مفكرين من مشارب مختلفة مثل مراد وهبة، ومحمد عمارة، ومنى أباظة، ونصر حامد أبو زيد، وجابر عصفور، وشريف يونس. أما في الحالة السورية، فتحتل أعمال أنطون مقدسي، وسعد الله ونّوس، وفيصل دراج، وممدوح عدوان، وبرهان غليون، وطيب تيزيني، مكانة بارزة. وتميّز المؤلفة بين لحظتين في التنوير السوري: اللحظة السيزيفية، واللحظة البروموثية، في تحليل لقضايا لا تكفّ عن البروز كلما خبا أُوَارها أو أُريدَ له أن يخبو.

يضم القسم الأول "القاهرة"، فصلين. في الفصل الأول، "نقاشات التنوير العلمانية والحكومية والإسلاموية في مصر في تسعينيات القرن العشرين"، تراجع المؤلفة أفكار جابر عصفور من الخطاب العلماني، وأفكار محمد عمارة من الخطاب الإسلامي، كما تتطرق المؤلفة إلى خطاب للتنوير كان قائمًا في سبعينيات القرن العشرين، فتح بابه مراد وهبة، ولقي سبيله إلى نقاشات التسعينيات من القرن العشرين.

تجد كسّاب أن النهضة وطبيعتها وهويتها تشغل حيزًا مركزيًا في خطابات التنوير الثلاثة، فـ "خطاب الدولة وخطاب العلمانيين يريدان استعادة أفكارها وبواعثها التنويرية الأساسية لنصرة حملتهم التنويرية الراهنة. أما الإسلاميون فيريدون الإصرار على طابعها الديني".

الصورة
غلاف الكتاب

تقول المؤلفة في الفصل الثاني، "تفكيك بعض النقاد المصريين لنقاشات التنوير المصري في تسعينيات القرن العشرين عند نهاية الألفية"، إن خطابَي التنوير الحكومي والإسلاموي تعرّضَا لهجوم حادّ من جهات عدة، مناقِشةً ثلاث هجمات؛ أولاها من الباحثة في علم الاجتماع منى أباظة، وثانيتها من الباحث في الدراسات الإسلامية نصر حامد أبو زيد، وثالثتها من المؤرخ شريف يونس. 

ترى المؤلفة أنّ فشل التنويريين العلمانيين في الدفاع عن الحرية والعلمانية "ليس بسبب افتقارهم إلى الشجاعة والالتزام، إنما بسبب شكوكهم بشأن قدرة تلك القيم على التناغم مع رغبات الناس الذين هم في أعينهم محافظون ومتدينون حتى النخاع ولا تعنيهم أفكار الحرية ويميلون ميلًا لتلقي الأفكار الإسلاموية. وبهذا يجد التنويريون أنفسهم مُحاصرين من جهة معسكر إسلاموي يطرد عدوانه ومن جهة جمهور يسيء فهمهم ويعجز عن تقدير مثلهم التنويرية".

يشتمل القسم الثاني من الكتاب، "دمشق"، على فصلين. وتقول المؤلفة في الفصل الثالث، "نقاشات التنوير في سورية في تسعينيات القرن العشرين: اللحظة السيزيفية"، إن الإسلام السياسي في خطابات التنوير السوري لم يكن الخصم الرئيس، كما هو الحال في التجربة المصرية، "إنما كان استبداد الدولة السورية وفسادها ووحشيتها. فقد تعرض الإسلامويون في سورية للاضطهاد والاعتقال والاغتيال قبل بدء النقاشات بعقد من الزمان؛ وأعلن الإسلام السياسي جريمة وإلى حدٍّ بعيد اختفى من المشهد السوري". 

تناقش المؤلّفة أعمال نصر حامد أبو زيد ومحمد عمارة وبرهان غليون وطيب تيزيني وآخرين

في تحليل خطابات التنوير السورية، تستكشف المؤلفة مفاهيم ومجازات ووقائع الظلمة والنور في خطابات أحمد برقاوي، وميشيل كيلو، وممدوح عدوان، وبرهان غليون، وعبد الرزاق عيد، وصادق جلال العظم، وطيب تيزيني. وفي ضوء ما ألقاه الباحث الفرنسي المتخصص في علم الاجتماع ميشيل سورا، تبحث عن طبيعة فاعلية النظام السوري في أوائل ثمانينيات القرن العشرين، وتهتمّ برائدَين من رواد التنوير السوري السيزيفيين؛ هما سعد الله ونّوس، وفيصل دراج، ثم تنتهي إلى مناقشة مجلة قضايا وشهادات، بوصفها منتدى للتنوير السوري السيزيفي.

تعرض المؤلفة في الفصل الرابع، "التنوير وربيع دمشق على منحنى الألفية: اللحظة البروموثيوية"، بإسهاب لتحركات المثقفين السوريين المنخرطين في ربيع دمشق، وتتساءل في النهاية: هل كانت هذه التحركات ساذجة تعوزها اللباقة السياسية ومحكومًا عليها بالفشل منذ البداية؟ وهل كانت تحركات معزولة لنخبة منسلخة عن واقعها ومنعزلة عن الناس؟ ثم هل كانت المخاطر التي ركبتها تلك النخبة حين جهرت بصوتها وتحركت وفقًا لأفكارها بشأن التعبئة المدنية تستحق العناء، بالنظر إلى الثمن المُتوقع؟

بحسب المؤلفة، مهما كانت طبيعة الإجابات عن هذه التساؤلات، "فإن الأحداث بما فيها اندلاع التظاهرات الضخمة في آذار/ مارس 2011 أثبتت أن الأفكار والتحركات والناس الذين انخرطوا في ربيع دمشق لم تكن بمعزلٍ عن مزاج البلاد العام؛ إذ لاح أنها تزامنت مع نذير كاسح بشأن تدهور الأمور سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وناقوس خطر يدق بضرورة الإسراع في معالجة التدهور عقلانيًا وعلنيًا، في ظل اليأس والذلة اللذين ما برحا يتناميان في قطاعات كبيرة من المجتمع. هذه الأفكار، وليس التحركات، كانت حاضرة في كتابات تسعينيات القرن العشرين التي جاء بها السيزيفيون".

المساهمون