"البراغماتيون الأميركيون": أشبه بمعجم فكريّ

01 نوفمبر 2020
الصورة
جاكسون بولوك/ أميركا
+ الخط -

لم يعرف الفكر البراغماتي الأميركي انتشاراً موسّعاً خارج قواعده الأولى مثلما كان الحال مع تيارات كثيرة أخرى عرفها الغرب الأوروبي في نفس الفترة مثل الوضعية أو الوجودية أو البنيوية، غير أن حضور بعض المفكرين الأميركان في سياقات أخرى، مثل تشالرز ساندرس بيرس كمؤسس للسيميولوجيا أو ويليام جيمس في علم النفس كثيرا ما دعا الباحثين إلى الغوض في تاريخ الفكر البراغماتي في أميركا لفهم المرجعيات والسياقات والآفاق التي تحرّك ضمنها هؤلاء المفكّرون.

ضمن سلسلة "ترجمان"، صدر مؤخراً كتاب "البراغماتيون الأميركيون" للباحثة شيريل ميساك، عن "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" بترجمة أنجزها جمال شرف. يمكن اعتبار العمل كمعجم لأهم الفلاسفة البراغماتيين منذ سبعينيات القرن السابع عشر حتى أوائل القرن العشرين، وهو بذلك إضاءة موسّعة على هذه المدرسة الفكرية التي بقي حضورها في الثقافة العربية محدوداً.

حلّلت ميساك في هذا الكتاب أطروحات المفكّرين لترسم بذلك مسار تاريخ الفكر البراغماتي، وقد حدّدت خطّين سائدَيْن ضمن هذا التقليد الفكري: يبدأ الأول مع تشالرز ساندرز بيرس وتشاونسي رايت، ويستمر مع كلارنس إرفينغ لويس وويلارد فان أورمان كواين وويلفريد سيلرز. في حين ينطلق الخط الثاني مع وليام جيمس، ويتواصل حتى جون ديوي وريتشارد رورتي. 

يتألف الكتاب من خمسة عشر فصلًا في ثلاثة أقسام. يتضمّن في القسم الأول الذي حمل عنوان "مؤسسو البراغماتية" خمسة فصول. في الفصل الأول، "الموضوعات البراغماتية في الفكر الأميركي المُبَكّر"، تنطلق ميساك من أن المثالية في الفكر الأميركي المُبَكّر تظهّرت في أربعة موضوعات مستمدة: الأول، الروح هو القوة الأولية والموحِّدة في العالم؛ الثاني، يوجد عالم مثالي ثابت وراء أو فوق عالم الخبرة؛ الثالث، ما ندركه هو أفكار بحق والأفكار توجد في العقل فحسب؛ والرابع، إن حدود المعرفة البشرية هي أن ما يستطيع الإنسان معرفته يتحدد بما يدركه؛ لا يمكنه معرفة ما قد يقوم وراء إدراكه.

الصورة
البراغمتيون

أما في الفصل الثاني الذي خصصته إلى تشاونسي رايت (1830–1875)، فتقول ميساك إن مصطلح الميتافيزيقا كان يعني ضربًا من الميتافيزيقا المُشرَبة بالدين، وتخصص الفصل الثالث لـ تشارلز ساندرز بيرس (1839-1914)، وعنه تقول ميساك إنه عندما أدار قاعدته البراغماتية نحو مفهوم الحقيقة، جاءت النتيجة متنافرة مع التوصيفات المتعالية للحقيقة، من قبيل نظرية التطابق، حيث الاعتقاد الحقيقي هو ما يتطابق مع العالم المستقل عن صاحب الاعتقاد، أو يعكسه. 

وحول وليام جيمس (1842–1910)، تقول المؤلفة إن الجذرية التجريبية عنده تقوم بأكثر من مجرد التأكيد أنّ المثالية ترتكز على تمييز زائف. إنها تحاول الردّ أيضًا على تهمة المثالية. وعلى الرغم من أن جيمس مقتنع بأنّ المثالية تسير على الطريق الخطأ، فهو يعتقد أنها تطرح تحديًا حقيقيًّا أمام التجريبية البريطانية التقليدية. وتختم نيساك القسم الأول بفص بعنوان "رفاق الطريق"، وفيه تتناول مجموعة من المفكرين الأميركيين الأقل شهرة خلال القرن التاسع عشر.

في القسم الثاني الذي يحمل عنوان "المرحلة الوسطى"، نقرأ ثلاثة فصول، هي: "استقبال البراغماتية الأميركية المُبَكّرة"، و"جون ديوي (1859-1952)" فيم تخصص أيضاً فصلا ختامياً بعنوان "رفاق الطريق" وهنا تعرّف المؤلف بـ جورج هربرت ميد (1863–1931) ومدرسة شيكاغو، وجورج سانتيانا (1863–1952) والواقعيين، طبيعانيي نيويورك وحالة البراغماتية في نهاية المرحلة الكلاسيكية.

أما القسم الثالث الذي حمل عنوان "الطريق إلى القرن الحادي والعشرين" فتضمّن سبعة فصول، أولها بعنوان "صعود التجريبية المنطقية"، قبل أن تتناول بقية الفصول مفكرين بعينهم مثل ويلارد فان أورمان كواين، ومورتون وايت، ونيلسون غودمان، وويلفريد سيلرز، وريتشارد رورتي، وهيلاري بوتنام. وتختم ميساك كتابها بالحديث عن "السجالات الراهنة" حيث تفتح تاريخ الفكر البراغماتي على مواضيع لا تزال حاضرة في الأكاديميا الأميركية.

آداب وفنون
التحديثات الحية

المساهمون