التاريخ الثقافي للمعاجم.. ملامح حقل بِكر

07 أكتوبر 2020
الصورة
من تظاهرة حول المخطوطات العربية في "معرض فرانكفورت للكتاب"، 2004 (جون ماكدوغال، Getty)
+ الخط -


ثمّة حقلٌ معرفيّ لم تُستنفد بعدُ احتمالاتُه الفكريّة ولم تُجترَح مسالِكه النظريّة. وهو يغطّي كتابةَ تأريخ ثقافيّ لبناء المعاجم العربيّة وصناعتها، سواءً في العصر القديم، منذ أنْ وُضِع كتابُ "العين" للخليل بن أحمد الفراهيدي (718 - 786م)، أو في العصر الحديث، بعد أن تطوّرت مسارات تحرير المعاجم وأضيفَ إليها ما طرأ على الضاد من مُولّدٍ وحُذفَ منها ما صار مُهملاً.

ولئن اشتغل الباحثون في ميدان المعجميّة إصدارًا وإعادةَ نشر وتحقيقًا، وأرّخوا للمعاجم العربيّة مع إظهار المبادئ التي حَكمت صناعتها، مثل معايير ترتيب الألفاظ وطرق تعريفها ودراسة تأثير المعاجم السابقة في اللاحقة، فإنّ العلاقات المنتسجة بين هذه التآليف والسياق الثقافي الذي ولّدَها واحتَضنها لم تحظ بَعدُ بالقدر الكافي من العناية والتحليل. 

ولا يستدعي نعتُ "الثقافيّ" الثقافةَ بمعناها الضيّق، الدالّ على مَجموع المعارف المكتسبَة في عصرٍ من العصور، والتي تُعدّ مرجع الحقيقة فيه، وإنما يشمل المعنى الواسع المرتبط بتصوّرات مجتمعٍ ما حول الحياة والموت والفنّ والسياسة وغيرها من المحدّدات الأنثروبولوجية، بما هي أشكالٌ من الخطاب تؤثّر في الواقع ويتأثّر بها هذا الواقع. ولذلك، سيغطّي هذا التاريخ ظروفَ نشأة المعاجم كأثرٍ مباشرٍ للثقافة وتطوّراتها، وخاصة أنماط تداولها وسيرها بين الناس، بِوصفها شيئًا ثقافيًّا، مثل القواميس التي تنتقل بالتدريس والبيع والوراثة... 

وهكذا، يتّصل موضوع هذا الحقل المُستجدّ بمعالجة التأثيرات المتبادَلة بين الوضع الابستمولوجي (التّصوّرات التي يحملها مجتمعٌ ما عن الحَقيقة، نظريّة المعرفة السائدة ومعاييرها، مناهج العلوم في بناء الحقيقة، المنطق الكلاسيكي أو الصوري السائد) وبين العناصر التي تحدّد اختيارَ المداخل المعجميّة وكيفيّة عَرض مضامينها وحتى الشكل الأسلوبي الذي تُصاغ من خلاله. 

نجد في تراثنا المفاتيح اللازمة لكتابة تاريخ للمعاجم

ذلك أنّ المعاجم صورةٌ لما يجري في الواقع، وما يطرأ عليها من تحوّلات تَتَلقّفها اللغة بنظامها المعجمي وتَعكسها. فليست المفردات وحدها مَن يَحمل ما يسمّيه روبير غاليسون "الشحنة الثقافيّة للكلمات" Lexiculture، بل طرائق تعريفها ومبادئ إثباتها أو إبعادها. ومن أمثلة ذلك، ما حصل من قطيعة بين المعاجم القديمة وأشياء العصر الحديث ومفاهيمه، حيث عجزت عن مواكبتها، فتمّ التعامل معها بناءً على الواقع الثقافي الجديد، إمّا بتغذيتها بما طرأ في ساحة العلوم وإضافة العديد من مفاهيمها، وإمّا عبر القطع الكُليّ معها ووضع قاموس جديد مثل "مُعجم اللغة العربية المعاصرة" (2008) للباحث المِصري أحمد مختار عمر. 

ومثل هذه التأثيرات نَلحظها في أنماط حضور المؤشّرات الاجتماعيّة، بما هي جزء من التغيّرات الثقافيّة الأعمّ التي تجري في المجتمع. ويَكفي أن نأخذ مثالاً على ذلك نظرة هذا الأخير إلى المرأة وتحوُّل الأسماء والعبارات التي تقوم عليها. وهو حقل دلالي يَعكس حجمَ التحوُّلات العميقة التي تحملها الكلمات المستجدّة وما يتراكب في ثناياها من معانٍ صغيرة وفويرقات لطيفة (nuances)، مرآةً للأنظمة المعرفية والبراديغمات الحادثة التي باتت تحكم الثقافة العربيّة في قطيعة شبه كاملة مع التصوّرات القروسطية.

ومن الأمثلة الأُخرى تقادُم المفردات النّابعة من سجلاتٍ دينيّة وقبليّة بأكملها، كتلك الدالة على العبيد والإماء، والتي هُجرت إلى الأبَد، عدا استثناءاتٍ في التاريخ المعاصر، مثلما حَصل بعد ظهور "داعش" واستعبادها لبعض المُواطنين العراقيّين من الطائفة الأيزيديّة، وكذلك مُعجم الأنعام والمواشي والخيام والملابس والفِرق والطوائف الدينية القديمة التي كانت تَستخدم آليات استدلالية وخطابية عفا عليها الزّمن، كما عفا على مُمثّليها. 

فعندما يُحرّر المعجمي "قاموسَه"، يحضر في ذهنه، بشكل لا واعٍ غالبًا، نظامٌ معرفيٌّ كامل، يؤثّر في اعتبار كلماتٍ ما مهجورة، وفي اعتبار كلماتٍ أخرَى صالحة، لا تزال حاملةً لقيم الحقيقة والخطأ والمَعرفة والجهل والفضيلة والرذيلة وسائر الثنائيات التي التي تتحكّم في نَظرتنا إلى العالم.

نحتاج إلى فهم آثار العوامل الثقافية في لغتنا العربية

وتظهر هذه التأثيرات، أكثر ما تظهر، في تأليف المعاجم المزدوجة أو متعدّدة اللغات، والتي تنقل عبرها المقولات الثقافيّة الأجنبية إلى الضاد وعالمها السيميائي، ممّا يفضي باللغة- الهدف (وهنا العربية) إلى أن تُطوّر من حدود المدلولات وتعدّدها عبر الحَفر في جداول الدوال المتاحة لإلحاقها بنَسيج اللغة وإضافة المفاهيم الفكرية المنقولة إلى جسدها، ما يتيح له أن يتجَدّد ضرورةً بهذه الروافد فيُغيّر، جزئيًّا أو كليًّا، نَظرةَ المتكلّمين بها (أي: العرب) إلى العالَم وأشيائه.

ويَكفي أن نرى مدى جدّة المضامين التي طرأت على الثقافة العربية وتأثيراتها إثر تَرجمة مصطلحات مثل: فرد، شخص، شخصانية، ذات... بما تحمله من الشحن المعاصرة، والتي انثالت عليها من الفلسفات الشخصانية الحديثة. ولا يعني ذلك أنّ الألفاظ ما حملت تلكَ الشحنات إلّا بفضل التأثيرات الأجنبية، لكنها هي التي حرّكت في طيّاتها هذه المدلولات الجديدة، وهو ما قاد المعجميّين إلى إثباتها في معاجمهم بهذه المعاني الجديدة. وإلّا فمن يزال يَذكر أنّ "الشخص" هو "سوادُ الإِنسان وغيرِهِ، تَراه من بعيد" وأنّ "الفرد" يُطلَق على الواحد، كما قال ابن منظور في "لسانه".

وهكذا، فالتّاريخ الثقافي للمعاجم العربية هو مبحث حديث يتفرّع عن النظرية العامة لها، ويتّخذ له موضوعًا التأثيرات والتعالقات المتبادلة بين السياقات الثقافيّة بكل عناصرها المعرفيّة والفنّيّة والفلسفية وبين مناهج ترتيب المفردات واختيارها وإثبات بعضها وإهمال بعضها الآخر. هو منظور يستوعب تلك المؤثّرات ويبحث عمّا أحدثته من قطائع وتراكمات وتغيّرات بين مساراتٍ ثلاثة: اللغة في تطوّرها، والثقافة في حضورها اللاواعي، والمعاجم في متابعتها لهما معًا. 

وبعبارة أوضح، فإنّ موضوع هذا التاريخ يمثّل غُصنًا يانعًا في دوحة المعجميّة الوارفة، هو درس التفاعلات الحاصلة بين اللغة والفكر والتاريخ وتأثيرها جميعًا في تدوين المُستجدّ من المفردات والتمثلات في بطون المعاجم. هو تاريخ مخصوص يتناول من زاوية قطاعية تطوّرات اللغة العربية في شموليتها ويحلّل طرق تدخّل السياق الثقافي في ترتيب المواد المعجمية وشرحها وتبويبها.

ولا شكَّ أنّ مقدّمات المعاجم القديمة ومادتها النظريّة، فضلاً عن صفحات التفكير الدلالي في التراث العربي، كفيلة بمدّنا بالمفاتيح اللازمة لكتابة هذا التاريخ الثقافي. كما يمكن أن نستأنس بما كَتبه آلان راي في "المُعجم العاشق للمعاجم الفرنسية" (2011) أو جان بريفو في "المعجم الفرنسي: أدوات لغة وثقافة" (2006)، وبما جاء فيهما من مفاهيم نظريّة في سبيل استكشاف الدواعي التي حرّكت لغويّينا، القدامى منهم والمعاصرين. ولنأخذ، على سبيل المثال، "محيط المحيط" لفؤاد البستاني (1819 - 1883) لنرى، من خلال المفردات التي عدّها متقادمة فحَذَفها أو تلك التي رآها مولدة فأثبتها، آثارَ العوامل التاريخيّة والثقافية وما أسفرت عنه من تطوّرات تعكس تحوّلاتٍ في الثقافة العربية برمّتها، وهذا ممّا لا بدّ من رصده، ربطًا للماضي بالآتي.  


* كاتب وأكاديمي تونسي مقيم في باريس

المساهمون