"المعجم النقدي للأنثروبوسين": لحظة وعي

04 يوليو 2020
الصورة
كريم بناني/ المغرب

في السنوات الأخيرة أصبحت الإيكولوجيا من أنشط المجالات الفكرية، بعد أن كانت لعقود أقرب لتوجّه نضالي، وضمنها يعتبر مفهوم "الأنثروبوسين" محورياً بما أن ظهوره منذ تسعينيات القرن الماضي مثّل منعرجاً - يعتبره البعض برايدغماً - في النظر إلى العالم.

يعني الأنثروبوسين ببساطة اندماج التاريخ الطبيعي بالتاريخ البشري، وهما تاريخان بلا علاقة ترابط مباشر قبل الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر، حيث أصبح التاريخ البشري مؤثراً مباشراً في التاريخ الطبيعي، من ذلك تقلص مساحة الغابات وتزايد المدن، وصولاً إلى الكوارث الطبيعية والتي يشير العلماء إلى أن الكثير منها نتاج مباشر للتلوث الصناعي. يعني ذلك بالنسبة لعدد كبير من المتخصصين أن الأنثروبوسين ربما يعني دخول مرحلة جيولوجية جديدة، علماً أن الفاصل الزمني بين مرحلة جيولوجية وأخرى يقاس بملايين السنين.

معجم

يستدعي الموقع المحوري لمفهوم الأنثروبوسين في الثقافة اليوم إضاءات حوله كي يصبح أداة ناجعة لأكبر شريحة ممكنة لفهم تغيّرات العالم اليوم، وفي هذا السياق صدر مؤخراً "المعجم النقدي للأنثروبوسين" وهو عمل جماعي صدر مؤخراً عن منشورات "المركز الوطني للبحث العلمي" في فرنسا.

يضمّ العمل قرابة ثلاثمئة مدخلاً ليبلغ عدد صفحاته الـ 928، وهو ما يشير إلى مشروع ضخم حرص المشاركون فيه على أن يقدّموا ليس فقط المصطلحات التي تتقاطع مع الأنثروبوسين أو الإيكولوجيا بشكل عام، وإنما تقديم إسنادات توثيقية وإحصاءات عند تناولهم كل مفهوم، إضافة إلى الاشتغال على تاريخ العديد من المفاهيم التي وصل كثير منها إلى الإيكولوجيا مروراً بمجالات معرفية أخرى مثل البيولوجيا والرياضيات وعلم الاجتماع والعلوم العصبية وحتى الأدب.

على مستوى آخر، يشير اختيار أن يكون المعجم نقدياً إلى لحظة يشعر فيها الإيكولوجيون بأن مجالهم بات في حاجة إلى عين فاحصة منهم، حيث أن المعجم النقدي لا يكتفي بتعريف المفهوم أو المفردة بل إنه يضعه على محك الجدل بين المتخصصين ويبحث عن طرق استعمالها بين مدونة وأخرى.

لعلّ صدور هذا المعجم يدعو الثقافة العربية إلى الإسراع في الاندماج في عالم البحث الإيكولوجي، فليس خافياً أن مصطلح الأنثروبوسين الذي يخصّص له معجم بأكمله في فرنسا لا يزال غير معروف عربياً إلا لدى قلة قلية من المتخصصين.