"أثر الاستشراق في مناهج التحقيق العربية": مراجعة علمية

01 أكتوبر 2020
الصورة
نور الدين ضيف الله/ المغرب

"أثر الاستشراق في مناهج التحقيق العربية" عنوان المحاضرة التي ألقاها الباحث أحمد الدبيّان، أستاذ الفيلولوجيا واللغات، عند الخامسة من مساء اليوم افتراضياً على قناة يوتيوب لـ"معهد المخطوطات العربية"، وعلى صفحته في فيسبوك، وأدارها الباحث فيصل الحفيان مدير المعهد.

في تقديمه للمحاضرة، أوضح الحفيان أن "جهود علماء الحديث خلال التاريخ الإسلامي في نقد الأخبار عموماً، وفي وضع القواعد والإجراءات في التعامل مع النصوص كانت صرحاً منهجياً متكاملاً"، لافتاً في الوقت نفسه إلى "الجهود التي بذلها المستشرقون في العصر الحديث في أمرين متلازمين: التأسيس النظري للمناهج، والعمل في تحقيق النصوص العربية".

وأضاف "لندع، غير آسفين، مسألة النوايا والأغراض والسياقات التي قد تشوّش علينا ليس من قبيل الشعور بالدونية تجاه الغالب اليوم، ولكن من باب تجديد النظر العلمي في ما تحقّق على يد هؤلاء لجهتين اثنتين: الإفادة من تلك الجهود واستثمارها وتوظيفها في تعاملنا اليوم مع ذخيرتنا من النصوص تحقيقاً لمبدأ التراكم الذي يسهم في بناء العلم كما يسهم في تقدّمه، والنقد العلمي المجرد الذي يستهدف التمييز بين ما يفاد منه ويمكن البناء عليه وبين ما ينبغي إزاحته والاستغناء عنه وعدم التعويل عليه".

بدأ الدبيّان حديثه بالإشارة إلى أن "مناهج التحقيق هي جزء من علم أوسع يسمّى الفيلولوجيا تعود جذوره إلى مناهج التحقيق الكلاسيكية التي انطلقت في عصر النهضة خلال القرن الرابع عشر ميلادي، وبعد سقوط القسطنطينية ونقل تراثها المعرفي إلى الغرب، ما يطلق عليه عصر الأنوار، ورافق ذلك الكشوفات الجغرافية، وتلاها التوسّع الاستعماري الأوروبي الذي تبعه اهتمام كبير يشمل اللغات والأديان والتراث، ومن هنا انطلقت حركة الاستشراق مرتبطة بدوافع سلبية وإيجابية".

أحدث علم الفيلولوجيا تغييراً كبيراً في ضوابط تحقيق المخطوطات التراثية

لفت المحاضِر إلى ثلاث مدارس قديمة تركت أثرها في تأسيس علم الفيلولوجيا المعاصر، وهي: الإسكندرية التي اهتمت بالتراث الإغريقي، واليهودية التي ركّزت على العهد القديم، والإسلامية لدى عدد من المؤرخين الذين لا تزال مؤلّفاتهم حاضرة في علم نقد النصوص، وصولاً إلى القرن التاسع عشر مع قيام ثورة كبيرة في العلوم الإنسانية، لنصبح أمام حقل معرفي سمي  Textual Criticism، أي نقد النصوص".

وبيّن الدبيّان أن الفيلسوف عبد الرحمن بدوي يعدّ خير مثالٍ على تطبيق مدرسة المناهج الكلاسيكية في الفيلولوجيا في تحقيق المخطوطات العربية، حيث تنبّه باكراً إلى كتاب "نقد النصوص" (1927) للباحث الألماني بال ماس، وقام بترجمته إلى اللغة العربية لتنتقل بعد ذلك إلى العالم العربي، ثم ظهرت مؤلفات عديدة تمت ترجمتها أيضاً لكن بشكل منقوص، ما سبّب بتأخّر وصوله إلى الثقافة ىالعربية.

كما استعرض حضور العديد من المناهج والتيارات الغربية عربياً، خاصة ما قدّمه المستشرق الألماني برجستريسر، حيث أحدث ذلك تغييراً في الضوابط مثل توظيف علاقات النسخ ببعضها البعض لإيضاح نسب المخطوط، وتقسيم المخطوطات لأسر ومجموعات، ودور الأخطاء والتقديم والتأخير في معرفة علاقات النسخ، والنسخ الثانوية، وما تسمى شواهد النص مثل الشروح والترجمات، وترميز المخطوطات ووصفها، وتكشيف الكتب والفهرسة، والفحص الفيلولوجي الذي يتعلق بمادة الكتاب وأسلوبه، وعلم النساخة الذي يدرس علاقات الخطوط ومدارسه، وعلم تاريخه في نقل النصوص، والذي أصبح علماً مستقلاً اليوم، وإملاء النسخ القديمة الذي يجب عدم تغييره، وعلامات الترقيم.