من حكايات الصور (3)

22 نوفمبر 2020
+ الخط -

حين شاهدته يرفع المظلة عالياً، سارعت إلى الموبايل لأتأكد من تطبيق الطقس الذي كان قد أكد لي أن السماء الغائمة لن تمطر. وجدت التطبيق لا يزال عند رأيه، ومع ذلك يصمم هذا المواطن الآسيوي على رفع المظلة فوق رأسه ليحمي نفسه وكمبيوتره من مطر متخيَّل، أو مطر ربما أدرك بقدراته الخاصة أنه سيجيء.

بعد قليل انطلقت من أخينا الآسيوي ضحكة عالية مفاجئة لفتت أنظار الواقفين على تلك الناصية في Little Italy بمانهاتن إلى الكمامة التي غطى بها أخونا فمه دون أنفه، فقال له أحدهم بعدائية، ربما كان مبعثها ضيقه من اضطراره إلى ارتداء الكمامة: "put your fuckin mask on your nose" أو "ضع كمامتك اللعينة على أنفك" إذا اتبعنا معايير معامل أنيس عبيد في الترجمة، فصوّب الآسيوي غريب الأطوار نحوه نظرة ودودة مصحوبة بابتسامة عريضة، وشدد قبضته على مظلته ورفعها عالياً ومضى، فازداد غيظ الرجل وقال له: "go live in Staten Island weirdo"، في إشارة إلى حيّ (ستاتن آيلاند)، الحيّ النيويوركي الوحيد الذي تسكنه أغلبية مؤيدة لدونالد ترامب والحزب الجمهوري، والذي كانت وسائل الإعلام قد نشرت تقارير عن انتشار الإصابة بوباء كورونا الجديد بين سكانه الذين يرفض أغلبهم ارتداء الكمامات، لدرجة أن أحد المعلقين الغاضبين طالب بعزل الحيّ عن باقي أحياء نيويورك ومنع سكانه من النزول من العبّارات التي تنقلهم إلى مانهاتن وبروكلين إلا بعد إجراء فحوص طبية لهم، وهي معلومات لم أكن أتصور أن الآسيوي الرايق يدركها، فقد ظننته منفصلاً عن الواقع إلى درجة رائعة، لكنه التفت نحو الرجل الغاضب وقال له بهدوء: "this is a good suggestion هذا اقتراح جيد"، ثم واصل السير في انتظار المطر الذي عاند تطبيقات الطقس وانتصر للآسيوي غريب الأطوار، وأتى بعد ساعة.

رجل المظلة/ فيسبوك

لم يكتفِ صاحب ذلك المحل بإغلاقه، بل قرر أن يغطي واجهته الزجاجية بألواح خشبية، منعاً لتكسيرها وتحسباً لاقتحام المتشردين الذين تمتلئ بهم أرجاء مانهاتن للنوم في المحل هروباً من البرد، وهو تصرف أغضب أحدهم، أو شجع أحد كارهي صاحب المحل، فقرر أن يشتمه ويكتب على الألواح الخشبية “LOCAL ASSHOLE”، واصلاً بعدة أسهم بين تلك الشتيمة وأسماء مختلفة، من بينها اسم RAMBO الذي كرره أكثر من مرة، لا أدري هل كان ذلك الاسم من أسماء شهرة صاحب المحل، أم أن الأمر كله كان مجرد "تنفيسة غضب" لا علاقة لها بصاحب المحل، وصاحب المحل على ما يبدو اعتبر الأمر محرجاً له وسط جيرانه، فقرر التقليل من أثر الشتيمة، لكنه على طريقة مسؤولي الرقابة العرب، لم يبذل مجهوداً لدهن الألواح الخشبية كاملة ليزيل الشتائم المكتوبة عليها، بل اكتفى بحذف حرفي الـ SS على أساس أن ذلك سيخفي أثر الشتيمة لدى القارئ، فزاد من "بروَزتها" ودفعني إلى التقاط هذه الصورة ونشرها، تحيةً لحسه الرقابي اليقظ.

اللوح/ فيسبوك

....

وسط سيل من الرسوم الرديئة التي كست جدران نيويورك في الشهور الماضية التي خفّت فيها قبضة قوات الشرطة وتسامحت مع رسم الغرافيتي على الجدران، أو بمعنى أصح لم تعد قادرة على ملاحقة رساميه، توقفت في شارع هاوستون بجنوب مانهاتن عند هذه اللوحة البديعة التي تودع دونالد ترامب وتعلن تأهب نيويورك لاستقبال الموجة الثانية من وباء كورونا الجديد كفانا الله وإياكم شره.

ترامب والكوفيد/ فيسبوك

....

على أحد أعمدة إشارات المرور رأيت هذا الملصق الذي يعلن صاحبه فقد كلبته (ميري)، ويدعو من يراها للاتصال برقمه، ويرجوه حين يراها أن يأخذ مسافة منها ولا يقوم بمطاردتها، واضعاً صورة لوجهها وصورة أخرى لها من الخلف، ربما ليتضح طولها ولا يخلط من يراها بينها وبين كلبة أقصر وأصغر من ذات النوع، ولم أنتبه إلى أن الإعلان ناقص المفعول والتأثير، إلا حين اقترب مني رجل لاتيني خمسيني حين رآني أصور الإعلان، وقال لي بجدية: "ما قيمة أن يصنع الإنسان إعلاناً كهذا إذا لم يضع فيه قيمة المكافأة التي سيدفعها؟".

ميري والإعلان/ فيسبوك

...

قبل أن أرى فردتي الشبشب مرميّتين على الشط، كنت قد شاورت عقلي في النزول إلى مياه بحيرة ميشيغن التي كان كثيرون من أهالي شيكاغو يستمتعون بها من حولي هاربين من حرّ أغسطس/ آب، دون أن يبدو أحدهم متأثراً بما كنت قد قرأته قبل قليل عن زيادة معدلات الغرق في البحيرة هذا العام ووصولها إلى 53 شخصاً مقارنة بالعام الماضي الذي أغرقت فيه البحيرة 48 شخصاً، والعام الأسبق الذي أغرقت فيه 42 شخصاً.

حين رأيت استمتاع السابحين والسابحات من مختلف الأعمار بمياه البحيرة دون خوف أو تردد، لمت نفسي على عادة تقدير البلاء قبل وقوعه، وأطمئنها مشيراً إلى وجود مراقبين وعمال إنقاذ في مناطق متفرقة من شاطئ البحيرة الممتد، لكنني حين رأيت ذلك الشبشب الوردي، أخذت أذكّر نفسي بكل التجارب الأليمة التي عشتها مع المياه المالحة والعذبة، وتذكرت قول الشاعر العربي الحكيم:

"لا أركب البحر أخشى

عليّ منه المعاطب

طينٌ أنا وهو ماءٌ

والطين في الماء لازب"

لكن تقديري لأهمية الحذر وضرورة الخوف من الأجسام المائية الضخمة، وحزني على الطفلة ذات الشبشب الوردي التي ربما أغرقتها المياه وفجعت قلوب أهاليها عليها، كل ذلك لم يدم طويلاً، بعد أن دخلت في الكادر طفلة تلفّ جسمها بروب وردي مبتل، وأخذت شبشبها مسرعة، ثم جرت نحو إخوتها وأبيها الذي كان يراقبها بابتسامة محبة ورضى، ابتسامة تليق بأب اجتهد في تعليم أبنائه السباحة، لكي لا يكونوا عرضة للخوف من الماء، مع أن الواحد فيهم زيّ الشحط.

دلالات