معونة الشيخ حسان وأيامها الخوالي!

05 ابريل 2021
+ الخط -

قرأت تدوينة كتبها صديق يتساءل عن سر غياب الشيخ محمد حسان عن ساحة العمل العام في السنوات الأخيرة، بعد أن كان ملء السمع والبصر في السنوات التي سبقت وأعقبت ثورة يناير، فتذكرت هذه المقالة التي نشرتها في 7 مارس 2012 والتي أظن أنك لن تجدها صالحة لتقليب المواجع فقط، بل لإثارة الفهم وتأمل بعض ما جرى وبعض ما يجري:

"وأيّم الله لست أدري ما الذي يبتغيه الليبراليون واليساريون ومن لف لفهم من الداعية الشيخ محمد حسان؟ لقد فشلت بالله وتالله في أن أفهم منطقا لذلك الهجوم الشرس الذي يقومون بشنّه على تلك الدعوة الشامخة التي تبناها الرجل مع لفيف من الشامخين، الشامخ مصطفى بكري والشامخة فايزة أبو النجا والأشمخ كمال الجنزوري، والذين تضامنوا بكل شموخ من أجل أن نقف صفاً شامخاً ضد عدوة الوطن الولايات المتحدة الامريكية فنرمي في وجهها الملايين التي تمنحها لجيشنا واقتصادنا، ونقول لها بشمخة: "الله الغني عن ملايينك، إحنا هنلمهم من بعض ونديهم للراجل البركة الشيخ حسان يشغلهم لنا".

دعونا من المهاترات يا سادة، ودعونا نسأل أنفسنا: أما آن الأوان أن نعتمد في حل أزماتنا الاقتصادية على الشيخ حسان، بعد أن نجح الرجل بفضل انتشاره في ربوع الوطن لسنوات طوال في تغيير سلوك الملايين وشقلبة أحوال الشارع المصري، لقد دخل هذا الرجل الكريم إلى حياتنا هو وإخوانه الكرام من الدعاة، فجعلنا نشهد نموذجا للدعاة لم نكن نعهده من قبل، الداعية الذي يثور على ظلم ضباط أمن الدولة للمستضعفين في الأرض ويلقى في ذلك كل العنت والمهانة، الداعية الذي لا يخاف من كتاب أو من رواية بل يدرك أن قوة حجته وتفقهه في دينه ودعوته بالحكمة والموعظة الحسنة كفيلة بأن تجتذب إليه القلوب الغُلف، الداعية الذي ينتفض عندما يرى الأعراض تُنتهك والدماء تُسفك فلا يخشى في الحق لومة لائم، ولا يقوم بالطبطبة على الظالم وينهش في عرض المظلوم.

بفضل الشيخ حسان وزملائه أصبحنا شعباً يقدس العلم ويعشق الثقافة ويستخدم عقله في فهم كل شيء حوله كما أمره الله، لم نعد نعرف ظواهر اجتماعية مفزعة كالتي كنا نعرفها قبل ظهورهم، فلم يعد لدينا جرائم بشعة ولا انفلات أخلاقي ولا تحرش جنسي مهووس، وأصبح الناس قانعين بمتاع الدنيا القليل ومؤمنين أنه بحسب كل امرئ بضعُ جنيهات يقيم بها صلبه. لم إذن بعد كل هذه النجاحات الساحقة لا نعطي الفرصة للشيخ حسان كي يحل أزمتنا الاقتصادية، خصوصا أننا نقرأ بين الحين والآخر أخبارا عن نجاحاته المالية الخارقة التي جعلت الدنيا تقبل عليها بملئها مع أنه يقول لها كل يوم "غُرّي غيري"، ألا يمكن إذا قلدناه أمور بلادنا الاقتصادية أن تحدث لدى كل مواطن طفرة كالتي حدثت لشيخنا المبارك، فتمتلئ شوارعنا بالسيارات الهامر التي يحبها الشيخ، ويسكن كل مواطن في قصر باذخ كالذي رأينا صوره في الصحف وحمدنا الله لأنه أنعم على شيخنا بمثله. أليس ذلك أجدى من أن ننتظر أن يحل مشاكلنا أساتذة الاقتصاد الكادحون الذين يلف المرء منهم على الجامعات والمعاهد والمؤسسات ينتظر مكافأة من هذه المحاضرة وحافزا من تلك الجامعة، بالله عليكم هل يعطي الشيء فاقده، وماذا تأخذ الريح من البلاط؟

كان يمكن لتفاصيل خطيرة مثل هذه أن تذهب أدراج الرياح، لكن الله قيّض لها ولنا الشيخ حسان الذي صار يقف إلى جوار الكبراء رأساً برأس

لقد شاهدنا يا قوم كيف امتلك الشيخ حسان تأثيرا فتاكا جعل مسئولي الإدارات الحكومية والمصانع والشركات يبادرون لإصدار فرمانات بالخصم من مرتبات موظفيهم دعماً لمبادرة الشيخ التي يرضى عنها المجلس العسكري الذي يحتاج إلينا لكي ندعمه في جهاده ضد أمريكا الغاشمة. فلماذا إذن انهال بعضنا هجوما على الشيخ لأنه سكت على إكراه الغلابة على الخصم، ونسينا أنه جلب لنا الملايين من الأثرياء العرب في لمح البصر، بينما لو تركنا له البراح لركب قطار الرحمة، نسبة إلى قناة الرحمة التي ينفق عليها الشيخ من قوت أولاده، ليلف به على أثرياء الخليج ويقول لهم "توت توت.. تبرعوا يا أهل البر والتقوى لبلد خارجة من ثورة قامت تطالب بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية وأطاحت بحكم جبار كان يحكمها ليتولى أمرها جبابرة آخرون ظن الناس بهم خيرا فبددوا أحلامهم وسحقوا آمالهم تحت بيادات جنودهم وسقط على الأسفلت لديهم شيخ ثائر اسمه عماد عفت ليصعد على جثته مشايخ أمن الدولة ليتصدروا المشهد.. ألا تستحق بلاد كهذه عطفكم وحنانكم، أخرجوا دفاتر شيكاتكم وتبرعوا لها، فقد هانت على قادة جيشها، لم إذن لا تهون عليكم، بَخٍ بَخٍ، تبرعوا لهذه البلاد التي تقتل ثوارها وتصطفي أشرارها، تبرعوا لبلاد تحب الأطول لحية وتنفر من الأصدق لساناً، تبرعوا لبلاد يسودها من يعشقون محاكمة الضحايا وتدليل القتلة".

تخيلوا هذه الكلمات وهي تقال بنبرات صوت الشيخ حسان التي تذيب الحجر، كم يمكن أن تجلب لبلادنا المرهقة من أموال وثروات؟ ثم تخيلوه وهو يعود من قطار الرحمة ليدخل على قادة المجلس العسكري ويقف أمامهم كالليث الهصور قائلا لهم وهو يستحضر كل مواقفه الخالدة في مواجهة السلطات الغاشمة: "أما وقد لممت لكم من الخير أطيبه، فقد آن الأوان لكي أطلب منكم أن تبدأوا بأنفسكم لكي تكونوا قدوة للناس، فلتخرجوا جميعا معي على الملأ ويضع كل منكم يده على المصحف ويصارح الناس بكل ما يمتلكه من أموال وثروات وعقارات، فإن كان لديه الكثير من ذلك تبرع بثلثيه لمصر، وإن كان يعيش على قد حاله كان قدوة للناس تحتاجها مصر في هذه الظروف العصيبة التي تمر بها البلاد".

أحسب أن الشيخ حسان رجل لن يخشى اليوم في الحق لومة أصدقاء الأمس في الأجهزة الأمنية الذين لولا رضاهم عنه لكان ممنوعاً كبعض مشايخ السلفية الذين لم يكن يعرف المصريون عنهم شيئا في زمن الحجب والقمع، وظني أن الشيخ حسان بعد أن رأى ما حدث لمبارك ولرجاله بات يعلم أن الدنيا فانية والزمن كباس، ولذلك لن يتردد في مطالبة قادة المجلس العسكري بأن يبدأوا بأنفسهم في التبرع لمعونته الشامخة.

هل يأذن لي شيخنا بأن أدله على حوار تلفزيوني تشرفت بإجرائه في قناة التحرير ـ أذيع في عام 2011 في ذكرى نصر أكتوبر ـ مع أحد أبطال حرب أكتوبر اللواء نبيل أبو النجا وعدد من أبطال حرب الاستنزاف الذين شكوا مر الشكوى من شظف العيش واختلال الموازين، يومها قال اللواء أبو النجا إن أساس مشاكل مصر يكمن في غياب الثقة بين الشعب وبين المجلس العسكري، وأنه يرى أن حل هذه الأزمة يكمن في خروج قادة المجلس ليعلنوا على الناس تفاصيل ثرواتهم إن كان لديهم ثروات، لكي يضعوا حداً لما يثار من بلبلة، وقتها لم يكن قادة المجلس قد تحملوا بعد المسئولية السياسية عن مآسي ماسبيرو ومحمد محمود ومجلس الوزراء، وهي مسئولية لم نسمع بالمناسبة رأياً للشيخ حسان فيها لأنه على ما يبدو لا يحب الجهر بالسوء من القول، لكننا نعلم أنه عندما يلتقي بعلية القوم في السر ينهال عليهم توبيخا وتقريعا لدرجة أن جلودهم تقشعر من خشية كلامه.

على أية حال، إذا كان صوت بطل حرب أكتوبر لم يصل إلى قادة المجلس فلعله يصل إليهم عن طريق الشيخ حسان الذي لعله قرأ كتاب الدكتور حازم الببلاوي (أربعة أشهر في قفص الحكومة) والذي كشف فيه أن المشير طنطاوي استغرب عندما عرف أن الببلاوي لا يتقاضى سوى ثلاثين ألف جنيه فقط كمرتب وحوافز وبدلات، وهو ما يجعلنا نرجو الشيخ حسان أن يسأل لنا المشير، لا عما يحصل عليه من مرتب ومكافآت وحوافز كرئيس للمجلس العسكري، فنحن نعلم أن هذا أمر لا يليق بنا أن نناقشه على الملأ خاصة ونحن في حالة حرب مع العدو الأمريكي الصهيوني، لكن ربما كان مناسبا أن يسأل الشيخُ المشيرَ عما إذا كان يتقاضى هو وقادة المجلس بدلات ومكافآت بآلاف الجنيهات عن الاجتماعات التي يحضرونها بصفتهم السياسية، فما علمناه من كتاب الببلاوي أن الوزراء يحصلون على مكافآت مجزية عن كل اجتماع يحضرونه، مما يدخل إلى جيوبهم مبالغ هائلة كل شهر، بل وقال لنا الببلاوي إن أحد الوزراء الذي يطنطن دائما بالحديث عن العدالة الاجتماعية يتسابق على الحصول على مخصصات وحوافز إضافية لا حق له فيها.

كان يمكن لتفاصيل خطيرة مثل هذه أن تذهب أدراج الرياح، لكن الله قيّض لها ولنا الشيخ حسان الذي صار يقف إلى جوار الكبراء رأساً برأس، والذي لم يعد لدينا أمل سواه لكي يطرحها على الملأ ويكون طرحها مقدمة لكي يعود إلى الشعب المصري حقه في ثرواته المنهوبة، ونرى الشيخ حسان وهو يقف وقفة جليلة كالتي وقفها قديما سلطان العلماء الشيخ العز بن عبد السلام الذي رفض فرمان السلطان المظفر قطز بجمع تكلفة تجهيز الجيش الذي سيحارب التتار من قوت المصريين، وطلب من قطز ومماليكه أن يبدأوا بأنفسهم أولا ويتبرعوا بكل ثرواتهم لبيت المال قبل أن يأخذوا من الشعب قرشا واحدا، وكلنا أمل أن الشيخ حسان سيقف اليوم وقفة تاريخية في وجه المشير وقادة المجلس العسكري ويطلب منهم أن يكونوا قدوة للناس هم ووزرائهم وكبرائهم ويفتحوا ملفات الصناديق الخاصة الغامضة والمرتبات الخيالية التي يحصل عليها المستشارون الفشلة من لواءات المعاش ومحاسيب الأجهزة السيادية، ليكونوا قدوة لهذا الشعب الذي نال كفايته من الدجل والنفاق والتحسيس على الباطل.

ختاما: لك كل الحق أخي الكريم في أن تُعَلِّق آمالك مثلي على شجاعة الشيخ محمد حسان، أو أن تعترض على مقارنتي له بالشيخ العز بن عبد السلام ومقارنتي للسلطان قطز بقادة المجلس العسكري، لتنشئ لنفسك "جروباً" على الفيس بوك يحمل عنوان "إحنا آسفين يا قطز.. إحنا آسفين يا شيخ عز بن عبد السلام.. إحنا آسفين يا شيخ عماد عفت".