كردون ازدراء الأديان

25 أكتوبر 2020
+ الخط -

إذا كنت ممن يكرهون "حلاوة المولد" لسبب أو لآخر وتفكر في السخرية منها على حسابك في الفيسبوك أو تويتر، سارع بذلك قبل أن تفاجأ بأنها دخلت كردون ازدراء الأديان والمقدسات الذي أصبح أشد غموضاً وأكثر توسعاً من كردون المباني في مصر، وهو بالطبع أكثر فتكاً بمن يجور عليه الزمان فيدخل في نطاقه، بعكس كردون المباني الذي يتمنى البعض أن يدخلوا فيه ليتمكنوا من بيع أراضيهم الزراعية والبناء عليها.

إذا كنت تتخيل استحالة أن تتحول موضوع تافه مثل حلاوة المولد النبوي إلى قضية مقدسة، دعني أذكرك أن حلاوة المولد كانت تتعرض للهجوم لفترة طويلة من السلفيين والمتشددين، بوصفها بدعة وكل بدعة ضلالة، وكان ذلك يثير استياء ملايين المصريين العاديين الذين كانت حلاوة المولد تمثل بالنسبة لهم طقساً مبهجاً وعادة شعبية لطيفة، ولذلك لجأ بعض المشايخ السلفيين في السنين الأخيرة إلى تغيير منهجهم في التعامل مع حلاوة المولد واعتبروا أنها تذكر الناس بمولد سيدنا النبي، ولذلك يمكن اعتبارها بدعة حسنة.

بالطبع ليس في حلاوة المولد ما يغري بالكثير من السخرية التي تجلب استياء المتشددين، لكن تخيل مثلاً لو كتب أحد مقالاً يتخيل فيه موقف الصحابة من حلاوة المولد، أو يتساءل عما إذا كان هناك حلاوة مولد في مكة والمدينة في أيام سيدنا النبي، أو أي شيء من هذا القبيل يتجاوز حدود علبة الحلاوة بسخرية ذكية أو ثقيلة الظل، أؤكد لك عندها أن سخريته ستقابل باستنكار وستجد من يعتبرها استهدافاً لمناسبة دينية يجب أن يكون لها قدسيتها واحترامها، وهو ما سيعتبر جرحاً لمشاعر المتدينين، وبالتالي سيكون على كل من يفكر في السخرية عنها أن يفكر ألف مرة طلباً لراحة الدماغ، ولكي لا يجلب لنفسه المحامين الحسبجية ـ نسبة إلى الحسبة ـ ليجعلوه عبرة لكل من تسول له نفسه الخوض في منطقة تثير غضب المتشددين، وما أكثرهم في بلادنا التعيسة.

للأسف هذا ما حصل بالضبط في المعركة التي ثارت في وسائل التواصل الاجتماعي الأسبوع الماضي بسبب فيديو تم تصويره قبل فترة، سخر فيه شاب من طريقة حديث مذيعي إذاعة القرآن الكريم، وطبقاً لذوقي في الضحك، لم أر أن الله صرف للشاب كثيراً من الحضور وخفة الظل، لكن حضور حفلة "الاستاند أب كوميدي" التي شارك فيها، كانت شهيتهم مفتوحة للضحك وراغبين في الانبساط، فتفاعلوا بالضحك مع سخريته من طريقة أداء مذيعي إذاعة القرآن الكريم، والذين يتسمون أحياناً بالمبالغة والأفورة والبدائية الوعظية في التعامل مع المستمع، ولم يكن فيما قاله جديد، فهو يقال في كثير من القعدات خصوصاً بين الشباب الذين يحتفظون بذكريات كثيرة عن تلك الإذاعة وعلاقتها بطفولتهم، وبينهم من يحبها ويذكرها بالخير، لكنه لا يجد مشكلة في السخرية من طريقة أداء هذا المذيع أو تلك المذيعة.

لم يكن الشاب الساخر أو جمهوره الضحوك يتوقع بالتأكيد أن الموضوع سيغضب مشاعر المرتبطين بإذاعة القرآن الكريم ليهاجموا الشاب وجمهوره وكان يمكن أن يكتفي هؤلاء بالهجوم عليه ونقده ولعن طريقته في الإضحاك وطريقة جمهوره في الضحك، وهو أمر طبيعي في أي مجتمع تختلف فيه أذواق الناس وآرائهم في كل شيء، لكن الأمر وصل إلى حد تشكيل "هاشتاجات" تطالب بمحاكمة الشاب وتأديبه ومحاسبة من ضحكوا على كلامه، ودخل على الخط محامون قرروا مقاضاته، ثم أعلنت الهيئة الوطنية للإعلام تبنيها مطالب محاسبة الشاب وتأديبه، وهو ما حظي بتأييد الكثيرين في مجتمعنا المتروس حتى حوافه بممثلي فئة المواطن المحافظ الغضبان والغيور دائماً، غيور وغضبان على دينه وعلى وطنه وعلى قيم الأسرة المصرية وعلى التراث وعلى المقدسات وعلى الحكام وأولي الأمر وعلى دماء الشهداء وعلى البدلة الكاكي وعلى البيادة ومرتديها، حالة غيرة وغضب لا تنتهي ولا تتوقف، ومن يصاب بها لا يكتفي بحدود التعبير عن رفضه لما يضايقه، بل يتعطش إلى تحقيق انتصارات سريعة وحاسمة على من أغضبوه وأثاروا غيرته، ولذلك لا يكف عن استعداء السلطة ضدهم.

 

فكرة معاقبة صاحب الرأي التي ستؤدي في النهاية إلى إشاعة حالة الخوف وحرمان المجتمع من فكرة حق المواطن في الخطأ، ليصبح من حق الناس تكوين آرائهم عبر التجربة والخطأ، بدلاً من أن يختاروا العيش داخل القوالب الجاهزة المشكّلة سلفاً

 

في العادة، تستجيب السلطة بسرعة لهذا النوع من الضغط والاستعداء، لأنه يخدمها بقوة، فهو يعزز سطوتها المادية والمعنوية على المجتمع، بوصفها صاحبة الحق في تحديد ما الذي يجب أن يقال في العلن وما الذي يحرم تداوله على مسمع من الآخرين، وهي للأسف تجد مساعدة في تأكيد هذا الحق من أغلب المواطنين، حتى لو كانوا مختلفين معها ومعارضين لسياساتها، فكثير من هؤلاء حين يرون رأياً لا يعجبهم في برنامج أو مقال أو بوست أو تغريدة، تستهويهم (ثقافة الإلغاء) فيشاركون في عمل حملات ضد صاحب هذا الرأي، ويعبرون الخيط الرفيع بين فكرة الهجوم على رأي لا يعجبك لأنه تافه أو منحط أو سافل أو بضين، وبين فكرة معاقبة صاحب الرأي التي ستؤدي في النهاية إلى إشاعة حالة الخوف وحرمان المجتمع من فكرة حق المواطن في الخطأ، ليصبح من حق الناس تكوين آرائهم عبر التجربة والخطأ، بدلاً من أن يختاروا العيش داخل القوالب الجاهزة المشكّلة سلفاً، ولعلك لو تأملت كتابة الكثير من كتاب الرأي الكبار والصغار في السنوات الأخيرة، ستلمس بشكل واضح كيف أصبح هؤلاء يفكرون ألف مرة قبل الدخول في المناطق الجدلية التي توصف بأنها شائكة، ويستسهلون اللعب في المضمون، فيما يشبه طقس "الهرش للمجتمع في الحتّة اللي تريّحه"، لكي يتجنبوا أن يتم شن حملات ضدهم في وسائل التواصل الاجتماعي، قد تؤثر على شعبيتهم ومكاسبهم، وحتى حين يتورط هؤلاء في بعض ما يغضب قطاعات من الناس، يفضلون أن يكون ذلك في المناطق التي لا تغضب السلطة ولا تدفعهم للاصطدام بها.

كان يمكن لما قاله الشاب من سخرية أن يعبر بسلام، لو كان قد بقي في إطار الجمهور الذي يستهدفه الشاب ويتفاعل معه، وهو الجمهور الذي يتقبل فكرة "الاستاند أب كوميدي" ويتابع بعض إنتاجها في المجتمعات الغربية، ومع أن الشاب لم يصل إلى عشر معشار ما يقوله نجوم "الاستاند أب كوميدي" في الغرب، لكن عموم المجتمع لم يتقبله، حين قام أحد ما بعمل وصلة بين المجموعة المغلقة التي شاهدت أداء الشاب وبين باقي المجتمع، فحدث ما حدث وتحول الشاب إلى هدف لمجموعات ضخمة من الناس أصبح الأمر بالنسبة لها شخصياً وصار من مطالبها وأحلامها أن تتم معاقبة الشاب وجعله عبرة لمن يعتبر، والطيبون منهم هم الذين ينتظرون منه أن يعتذر بشكل صريح ويعلن ندمه على ما فعله وعزمه على عدم الرجوع إليه أو إلى مثله، وبرغم أنه اعتذر بالفعل، لكن حملات المطالبة بمعاقبته ومحاسبته لم تتوقف بعد.

لكن لماذا أثارت إذاعة القرآن الكريم كل هذا الغضب؟ ربما لأن لها خصوصية مصرية، بوصفها الخلفية الصوتية التي يقوم المجتمع بتشغيلها بصوت عالٍ وهو يمارس كل أخطاءه وجرائمه اليومية، من التاكسي إلى العيادة إلى المحل إلى البيت إلى الشارع، وقد لا يكون وراء ذلك نفاق متعمد ورغبة في التغطية على الجرائم والأخطاء، وإنما الرغبة في الشعور بأننا في النهاية لسنا سيئين وبشعين، صحيح أننا نتحرش ببعضنا ونسرق بعضنا ونأكل في لحوم بعضنا ونستقوي على بعضنا ونهمل في شغلنا ونلعن سنسفيل بعضنا، لكن تحول إذاعة القرآن الكريم إلى شريط صوت لحياتنا، يجعلنا نشعر أننا قريبون من الله ونشعر أنه سيسترها معنا ويتقبل توبتنا عن كل ما نقترفه، وبالتالي أصبحت إذاعة القرآن الكريم بمذيعيها وأصواتهم وطرق أداءهم أكبر من أن تكون مجرد إذاعة بشرية يديرها ويعمل بها بشر من حقك أن تنتقدهم وتسخر منهم، بل أصبحت معنى مهماً ورمزاً كبيراً لا يصح أن يقترب أحد منه بالسخرية حتى لو كانت سخرية خفيفة إلى حد الهيافة، وإن فعل أحد يجب أن نجعله عبرة لمن يعتبر، لأن التسامح مع السخرية الخفيفة قد يقود في المستقبل لسخرية ثقيلة أو نقد جاد وحقيقي والعياذ بالله.

طيب، هذا المجتمع الذي يستأسد بقوة على شاب ساخر أو بنت راقصة أو مُهلفط هنا أو هناك، هل يمكن أن يستأسد بنفس القوة أو قوة أقل على أصحاب القوة أو النفوذ الحقيقيين؟ بالطبع لا، وحين يقوم أحد بفعل ذلك يتراجع حين يدرك عواقب فعله، ولذلك تجد كثيراً من الناس يميلون إلى تبرير ما يرونه من أفعال السلطة أو يطنّشون عليها أو يكتفون بترديد كلام من نوعية "ربنا يولي من يصلح"، أو "ربنا يخرجنا منها على خير"، أو "فين النيزك" أو "الناس كلها عايزة الحرق"، لكنهم في معارك آمنة وسهلة مثل معركة فيديو إذاعة القرآن الكريم أو فتيات التيك توك ستجد أدائهم قوياً وكلامهم واضحاً وحاسماً في غضبه ورغبته في البطش والقمع.

مع الأسف، في ظل النشوة التي تحققها فكرة قمع الآخرين بسبب آرائهم ومواقفهم، يغيب معنى مهم عن الكثيرين، وهو أن المجتمع يخسر بشدة حين يسكت الأصوات المختلفة والمخالفة حتى وإن كان رأينا أن ما تقوله تفاهة أو انحطاط أو غلط أو هلفطة، لأن كل هذه الأحكام تظل شخصية ومطاطة ويمكن أن يوصم بها أي رأي أياً كانت وجاهته أو مدى تعب صاحبه في تكوينه، وبالتالي سيؤدي هذا القمع الذي يباركه المجتمع إلى تخويف أناس كثيرين لديهم آراء مختلفة من المهم أن نسمعها ونفكر فيها ونشتبك معها بالنقد والتفكير، لأنهم سيختارون السكوت منعاً للأذى والمشاكل، وبالتالي سيبدو على السطح أننا نعيش في مجتمع متجانس وموحد أو على قلب رجل واحد كما يحب الحكام والعلماء أن يقولوا دائماً، لكننا في الحقيقة نعيش في مجتمع منافق وهش ومخوّخ لدرجة أن فيديو عابر أو سطور قليلة يمكن أن تعصف به وتقلبه رأساً على عقب.

لكن، هل يمكن لنا في يوم من الأيام أن نقنع الملايين بأهمية أن يتجاوزوا عن الرأي الذي لا يعجبهم ويقوموا بالتطنيش عليه وخلاص، ويتبعوا سياسة (دع ما يغيظك إلى ما لا يغيظك) التي رفعتها شعاراً لجميع حساباتي على مواقع التواصل الاجتماعي منذ سنوات؟ بالطبع لا، هذا حلم يستحيل أن يتحقق في أي مجتمع مهما بلغت درجة تقدمه وانفتاحه، لأن "السوشيال ميديا" تشبع رغبات الإنسان العدائية في الإحساس بالتفوق على الآخرين، وهذا جزء من تكوينها وتأثيرها، ولذلك غاية أملنا أن نقنع نسبة لا بأس بها من الناس، أن يكتفوا بالهجوم على الرأي الذي لا يعجبهم والسخرية منه وتشطيف صاحبه وبهدلته، دون أن يتجاوزوا ذلك إلى المطالبة بمعاقبته والتنكيل به واستعداء السلطة عليه، وحين تقرر السلطة أن تستثمر حالة الهجوم عليه، يكون من واجبهم الوقوف ضد ذلك والتضامن معه ودعمهم مهما اختلفوا معه وأزعجهم رأيه، ولن يكون ذلك ملائكية منهم أو رغبة في المثالية، بل على العكس سيكون قمة الواقعية، لأنه يعني أنهم أدركوا كونهم معرضين للتنكيل بهم في أي وقت يقولون فيه رأياً يمكن اعتباره خطئاً أو هدماً لثوابت المجتمع، خاصة أن القائمين على توسيع حدود كردون الثوابت وكردون ازدراء الأديان وكردون القيم المصرية الأصيلة شهيتهم مفتوحة دائماً للتوسع والانتشار والبطش، وحين تفرح بمن يقع ضحية هذا الكردون اليوم، لا تضمن أنك لن تكون في الغد ضحية له لأي سبب، حتى ولو كان السخرية من حلاوة المولد، أو ما هو أتفه من ذلك.