فرصة سعيدة شبه ضائعة اسمها سعيد صالح (الأخيرة)

فرصة سعيدة شبه ضائعة اسمها سعيد صالح (18 والأخيرة)

27 أكتوبر 2021
+ الخط -

لم يتجاوب سعيد صالح مع غضب الكتاب والنقاد الذين هاجموا تحويله مسرحية قال إنها "كوميديا سياسية جريئة" إلى منبر فج لتأييد مبارك الذي لم يكن يحتاج إلى المزيد من التأييد، وهو ما لم يقم به فنانون آخرون لم يصوروا أنفسهم كمعارضين وأصحاب مواقف سياسية، لكن سعيد صالح في الحقيقة كان معبراً عن طريقة تفكير ظلت سائدة لفترة طويلة، يمكن تلخيصها في "معارضة كل ما دون الرئيس"، بحيث يبدو الرئيس مسؤولاً فقط عن الإنجازات التي تتحقق في عهده، أما كل ما يحدث من سلبيات ومصائب تتحملها الحكومة التي يشكوها هذا النوع من المعارضين "الوطنيين" إليه بعبارات من نوعية "أغثنا يا ريس"، ويشكرونه حين يقوم بإقالة المسؤول الذي سبق أن اختاره ومنحه كل الصلاحيات، مع أن هذا المسؤول لم يكن يمتلك أي صلاحيات حقيقية كالتي يمتلكها الرئيس الذي يفتخر مؤيدوه في الأوقات العادية بأنه يتدخل في كل كبيرة وصغيرة في البلاد، ويتناسون ذلك في أوقات الكوارث والمصائب وما أكثرها.

في أكثر من حوار أجري مع سعيد صالح في تلك الفترة كان يستغرب على مهاجميه أنهم ينكرون حقيقة أن مبارك منحه الحرية لكي يهاجم عهده في مسرح الدولة دون أن يدخل السجن كما فعل من قبل، وبدا من خلال تلك الحوارات أن سعيد صالح صدق أكذوبة أنه دخل السجن في بدايات عهد مبارك لأنه سخر من شخص مبارك، مع أنه كان قد قال في حوارات مسجلة قبل ذلك أنه دخل السجن بسبب خصومة شخصية بينه وبين القاضي الذي سجنه، وبدا أيضاً أن سعيد صالح في تلك الحوارات التي أصبح يجريها بكثافة في السنوات العشر الأخيرة من حياته حريصاً على تكريس نفسه بوصفه الفنان السياسي المعارض والمشاغب للحكومة والخارج على الرقابة، بالإضافة إلى صورته كملحن سياسي قام بالالتفات إلى تراث شعر العامية المصرية واستخرج منه كنوزاً لم يسبقها إليه أحد، متهماً المنتجين الذين لم يتعاونوا معه على تسجيل وتوزيع تلك الألحان والأغاني بالرغبة في تغييب الجمهور وتسطيح وجدانه، مع أن مطربين مثل محمد منير وعلي الحجار على سبيل المثال كانا قد سبقاه إلى تقديم العديد من أشعار نجم والأبنودي وفؤاد حداد وصلاح جاهين، وحققت الأغنيات الجميلة التي قدموها نجاحاً جماهيرياً كبيراً.

وسط الضجيج الذي تعود سعيد صالح على إثارته في كل حواراته، لم تتم الإجابة بجدية على أسئلة مثل: هل استفاد المسرح السياسي من سعيد صالح؟ وهل أضاف حقا إلى مجال تلحين وغناء الأغاني السياسية والوطنية؟ سنكون متجاوزين لحدودنا لو سألنا السؤال معكوسا ليصبح: هل استفاد سعيد صالح من المسرح السياسي؟ وهل أضاف إليه تلحين وغناء الأغاني السياسية والوطنية؟ فذلك سؤال ليس من حق أحد أن يجيب عليه سوى سعيد صالح، فقد كانت حياته ملكا له، وكان من حقه الكامل أن يبحث فيها عما يبهجه ويمتعه ويشبع طموحاته الفنية دون أن يكون من حق أحد مهما كان محبا له أن يقدم له سوى النصح والتمني، خاصة ونحن نتحدث عن رجل عاش حياته بالطول والعرض، ودافع عن اختياراته بضراوة، ومات وهو يقاوم الانكسار، وكان من حسن حظه أن حياته انتهت بعد أن رأى بعينيه على مدى سنين محبة الناس وهي تغمره، كما كان يليق به تماما.

ألف رحمة ونور على سعيد صالح أجمل الفرص شبه الضائعة في تاريخ الفن المصري

لا يمكن أن أدعي أنني أملك إجابة قاطعة عما إذا كان المسرح السياسي والأغنية السياسية قد استفادا من سعيد صالح أم لا، فليس لمثل هذا النوع من الأسئلة إجابة واحدة، لأنه يمتلك إجابات بعدد كل من يملك إجابة عليه، وبتنوع أذواق من شاهدوا أعمال سعيد صالح على اتساعها، لكن سيكون من المهم دائما أن نلاحظ ما الذي يتذكره غالبية الناس للفنان أو للأديب فور رحيله عن دنياهم، لنأخذ انطباعا عن طبيعة البصمة التي نجح أن يتركها في وجدانهم، انطباعا مبدئيا ربما تؤكده بعد ذلك الدراسات المتعمقة المدعمة باستطلاعات رأي الجمهور.

بعد رحيل سعيد صالح وجدت بعض أصدقائي الذين يجمع بين أغلبهم كونهم من دائمي الحماس لكل ما هو مختلف وغير رائج، يكتبون كلاما يحسبونه مديحا لسعيد صالح، يقولون فيه إنه لم يكن مجرد مضحكاتي أو كوميديان، بل كان صاحب مواقف سياسية، متحدثين باحتفاء شديد عن أعماله السياسية وعن سجنه أكثر من مرة في عهد مبارك لأسباب سياسية، وعن أغانيه الوطنية والسياسية التي لحنها وغناها من أشعار بيرم ونجم وجاهين وفؤاد حداد، وفاجأني أنه لا زال يوجد بيننا بعد كل هذه العقود من انتشار وتطور الفنون، من يعتبر وصف فنان بأنه مجرد مضحكاتي أو كوميديان سُبّة له أو شيئا ينتقص من قدره، وكأن ما يحدد قيمتك كفنان هو أن يكون لك مواقف سياسية جريئة أو توجه ثقافي معلن، دون أن يلفت انتباه هؤلاء أن هناك فنانين عاشوا وماتوا وهم يفخرون بأنهم مجرد كوميديانات ومضحكاتية ولم يكونوا راغبين في أن يتم الاعتراف لهم بأي عبقرية فنية أو ثقافية، ولم تكن لهم أي مواقف سياسية معلنة بل وكانت لهم أحيانا مواقف سياسية مخزية، ومع ذلك فقد عاشوا في وجدان الناس أكثر بكثير من فنانين كتبت عنهم صفحات طويلة عريضة في تمجيد عبقريتهم وثقافتهم ومواقفهم السياسية القوية، ولا أظنك تحتاج مني لأمثلة فالأمثلة أكثر من أن تعد، سواءً كانت عن ممثلين أو مخرجين أو كتاب، لم يبق منهم في النهاية سوى أعمالهم الفنية، ليصبح كل ما سواها ملكا للمتخصصين والمهتمين فقط.

دعنا نتذكر أن سعيد صالح نفسه تعرض لهجوم نقدي عاصف بسبب مسرحيتي (مدرسة المشاغبين) و(العيال كبرت)، ومع ذلك لا أظن أحدا يجادل في أن مكانة سعيد صالح في وجدان الملايين ترتكز أساسا على دوريه في تلك المسرحيتين، بينما لن تجد في المقابل كثيرين يتذكرون بنفس القدر دوره في مسرحية (كعبلون) أو (نحن نشكر الظروف) أو (البعبع) وغيرها من المسرحيات التي توصف بأنها سياسية جريئة، ويمكن أن نحتكم إلى المشاهدات على اليوتيوب كمقياس إذا كنت ستعتبر أن سبب عدم شهرة هذه المسرحيات هو عدم تكرار عرضها لأن مسئولي المحطات التلفزيونية يفضلون إعادة العمل المضمون الذي لا جدال على قدرته على إرغام الناس على متابعته، مع أننا لو سلمنا بذلك سيكون علينا أن نسأل: لماذا لم يتمكن سعيد صالح من توظيف موهبته الكوميدية الساحرة في صنع أعمال سياسية مبهجة ممتعة تجعل الناس يستعيدونها مرارا وتكرارا؟ كما فعل محمد صبحي مثلا في تجاربه المسرحية مع صانع نجاحهـ اقرأها شريك نجاحه إن أردت ـ المؤلف القدير لينين الرملي، أو كما فعل عادل إمام في مسرحيته (الزعيم) مع فاروق صبري وشريف عرفة، وقد نختلف أو نتفق في تقييم هذه الأعمال، لكن لا أظننا نختلف في نجاحها الكاسح لدى الجمهور الذي يُفترض أن المسرحيات السياسية تصنع من أجل إمتاعه، وهو ما يزيد من حسرتنا على موهبة سعيد صالح التي ضاعت بسبب "العِند" والتورط مع سبق الإصرار في حسابات خاطئة جعلته يقول متحسراً بصدق في واحد من آخر الحوارات التي أجريت معه قبل رحيله: "في جعبتي فن يكفي الناس مية وميتين سنة، بس العمر مش هيساع".

ألف رحمة ونور على سعيد صالح، أجمل الفرص شبه الضائعة في تاريخ الفن المصري.