صديقي ماريو بارغاس يوسا (1/2)

صديقي ماريو بارغاس يوسا (1/2)

29 نوفمبر 2021
+ الخط -

قبل أيام أعلنت الأكاديمية الفرنسية منح عضويتها للروائي البيروفي ماريو بارغاس يوسا الحاصل على جائزة نوبل للآداب، بعد أن حاز على أغلبية ساحقة من بين أعضائها الذين جاء اختيارهم مفاجأة مدوية لأن يوسا لا يكتب أعماله باللغة الفرنسية بل بالإسبانية، وإن كان يتحدث الفرنسية بطلاقة، كما أنه تجاوز الخامسة والثمانين من عمره، وكانت الأكاديمية قد اشترطت ألا يتجاوز المرشحون للانضمام إليها سن الخامسة والسبعين، وكان آخر فائز بجائزة نوبل ينضم إلى الأكاديمية الفرنسية هو الكاتب الفرنسي فرانسوا مورياك الذي توفي عام 1970، ومع أن هذا الخبر لا يعني بالنسبة لي شيئاً كشخص لم يهتم يوماً ما بالأكاديمية الفرنسية ولا بنشاطاتها ولا بما تمثله، لكنني فرحت من أجل أحد كتابي المفضلين، حين عرفت أنه سعيد جداً للغاية بالحدث ويعتبره من أجمل ما حدث له في حياته لأنه يرتبط بعلاقة عاطفية بفرنسا وثقافتها منذ أن هاجر إلى باريس عام 1959 ليعمل في إحدى إذاعاتها الموجهة للناطقين بالإسبانية، وبهذه المناسبة السعيدة له أستعيد معكم هذه السطور التي كتبتها عنه عقب فوزه بجائزة نوبل للآداب:

من «أغوط» أعماق قلبي أتوجه بخالص الشكر للجنة تحكيم جائزة نوبل للأدب التي اختارت منح الجائزة أخيرا للأديب البيروفي العظيم ماريو بارغاس يوسا، لأنها للمرة الأولى منذ سنوات لم تخذلني، واختارت واحداً من أحب الكتّاب إلى قلبي، فنفت عن نفسها التهمة التي كدت أحولها إلى حكم قاطع، وهي أنها تتعمد إغاظتي كل عام باختيار كُتّاب لم أسمع عنهم من قبل ولم أقرأ لهم حرفا واحدا، لمجرد إظهاري بمظهر الجاهل أمام أصدقائي الذين يعلمون غرامي بالروايات المترجمة وحرصي على اقتنائها إلى حد السفه، ومع ذلك وعلى مدى السنوات الماضية التي توسعت فيها متابعتي للروايات الأجنبية المترجمة إلى العربية، كلما أعلن اسم الفائز بنوبل للآداب يجدونني جاهلا باسم الفائز، وحتى في حالة معرفتي طشاشا باسمه، يكتشفون أنني لا أمتلك له عملا واحدا في مكتبتي، لأنه لا توجد له أصلا أي أعمال في كل المكتبات، مما كَوّن لديهم بمرور السنين انطباعا أن كل من أشتري لهم روايات من الأدباء العالميين هم مجموعة من التوافه الذين لا يستحقون أي تقدير.

باستثناء البرتغالي العظيم جوزيه ساراماغو ظللت أكتشف خلال العشرين عاماً الماضية أنني كل مرة أسمع اسم الفائز بجائزة نوبل للآداب لأول مرة، فأحاول مداراة غيظي النابع من إحساسي بالجهل باسمه ورسمه، وذلك بأن أقول لأصدقائي: إن هذه الجائزة مسيسة وفاشلة وليس لها مصداقية، بدليل أنها لم تمنح لكتَّاب عظماء منهم على سبيل المثال لا الحصر: البرازيلي جورجي أمادو والمكسيكي كارلوس فوينتس والبيروفي ماريو بارغاس يوسا والألباني إسماعيل كاداريه والتشيلية إيزابيل أليندي والتركيان يشار كمال وعزيز نيسين والتشيكي ميلان كونديرا والأميركي بول أوستر، وكلهم روائيون عظماء بدليل أنني أعرفهم وأقتني أغلب كتبهم المترجمة وأعشق معظمها، ومع ذلك لم تخترهم اللجنة بالعند فيّ، واختارت أسماءً لا أعرف عنها شيئا لأدباء مغمورين سيئين بالتأكيد، وإلا لكنت قد سمعت عنهم أو وجدت كتبهم المترجمة تملأ المكتبات قبل إعلان الجائزة.

خذ عندك يا سيدي على سبيل المثال لا الحصر: «هرتا مولر، إلفريدي يلينيك، جون م. كوتزي، إمره كويتس، ف. إس نايبول، جاو كسينجيان، غونتر غراس، داريو فو، فيسوافا شيمبورسكا، شيموس هيني، كنزا بورو أوي، ديريك والكوت، نادين غورديمير، أكتافيو باث، كاميلو خوسيه سيلا، لوكليزيو، دوريس ليسينغ، هارولد بنتر»، كل هؤلاء فازوا بجائزة نوبل للآداب خلال السنوات الماضية دون أن يكونوا في دائرة توقعات صحافتنا الأدبية ونقادها، ودون أن يكونوا من الكتاب ذوي الشعبية والانتشار في دوائر قراءة الأدب لدينا. بالطبع أحياناً وبعد شهور من إعلان اسم الفائز بالجائزة يظهر دائماً أنه كان هناك أعمال مترجمة للفائز لم نكن قد سمعنا عنها، أو أنها لم تجد من ينشرها لأن الناشرين يفضلون الأسماء المضمونة، ودائماً عندما تظهر هذه الأعمال أقرأها وأنا أبحث عن تصديق على حكمي المسبق بأن الأديب الفائز لم يكن يستحق الجائزة قطعا، وغالبا ما تُؤدي رداءة الترجمة إلى التصديق على حكمي.

بالنسبة لي كقارئ عربي، لا يستحق الروائي العظيم ماريو بارجاس يوسا جائزة نوبل للآداب لوحده، فمن العدالة أن يشاركه فيها بنسبة عادلة المترجم العربي الكبير صالح علماني

على سبيل المثال لا الحصر، بعد إعلان فوز الفرنسي لوكليزيو بالجائزة تذكرت أنني اشتريت له وأنا في الجامعة رواية اسمها (صحراء) صدرت عن دار المستقبل العربي، كل ما بقي في ذاكرتي منها أن غلافها أصفر وأنها رديئة جدا، قلت لنفسي عندما تذكرتها ليس معقولاً أن أكون أنا أفهم أكثر من أعضاء لجنة نوبل، بحثت عنها بعناد حتى وجدتها، وعندما أعدت قراءتها اتضح لي أن الترجمة التي قام بها الأستاذ أحمد كمال يونس لم تكن رديئة كما ظننت وقتها، وإنما كانت الرواية تحكي عن عالم لا يعنيني ولا يمسني من قريب ولا من بعيد، ببساطة الحكاية كلها أذواق، ولذلك لم أتعجب عندما قرأت تصريحات لأدباء كبار أحبهم ينتقدون يوسا فنيًّا ويصفون رواياته بأنها مسلية وليست عميقة ولا تترك أثراً في الروح، وهي انتقادات يمكن ببساطة أن توجه إلى بعض أعمالهم التي تمتاز عن روايات يوسا بأنها حتى ليست مسلية، استغربت حماس بعض أصدقائنا في توجيه انتقادات قاسية إلى أولئك الأدباء الكبار الذين انتقدوا يوسا، وحاولت إقناع بعضهم عبثاً أنه لا داعي لكل هذا الغضب لأن يوسا نفسه لن يفرق معه أصلاً رأي أدباءنا فيه، والرجل بالتأكيد يدرك أنه لن يأخذ كل حاجة، وأعتقد أنك لو خيرته بين نوبل وبين رأي أدباءنا فيه لاختار نوبل بقلب جامد.

بالنسبة لي كقارئ عربي، لا يستحق الروائي العظيم ماريو بارغاس يوسا جائزة نوبل للآداب لوحده، فمن العدالة أن يشاركه فيها بنسبة عادلة المترجم العربي الكبير صالح علماني، والذي لولاه ما كان أمثالي من عديمي اللغات قد قرءوا هذا الكم المتنوع من الروايات الرائعة ليوسا، حتى لحظة فوز يوسا بالجائزة كانت دار المدى العراقية قد نشرت له من ترجمة صالح علماني الروايات التالية « امتداح الخالة، دفاتر دون ريغو دي بيرتو، من قتل بالومينو ماليرو، ليتوما في جبال الإنديز، بانتاليون والزائرات، قصة مايتا، شيطنات الطفلة الخبيثة، الفردوس على الناصية الأخرى، حفلة التيس»، بالإضافة إلى كتاب (رسائل إلى روائي شاب) ورواية (الفردوس على الناصية الأخرى) التي نشرتها دار الحوار السورية، وروايته الأحدث (حلم السلتيّ) التي نشرتها دار طوى، كما صدرت له في تونس ترجمة لكتابه النقدي (إيروس في الرواية)، أما المجلس الأعلى للثقافة فقد نشر له عملين قصصيين هما (الجراء الرؤساء) من ترجمة الأستاذة هالة عبد السلام ومراجعة محمد أبو العطا، كما نشرت له دار المدى أيضا روايته الملحمية الضخمة (حرب نهاية العالم)، التي نالت جائزة هيمنجواي الأدبية بترجمة لطيفة للأستاذ أمجد حسين، وحتى الآن لم تترجم إلى العربية على حد علمي أعمال شهيرة له مثل (حديث في الكاتدرائية) و(المدينة والكلاب) و (زمن البطل) و (العمة جوليا وكاتب النصوص) و(السمكة في الماء) التي يروي فيها تفاصيل قراره بخوض الانتخابات الرئاسية في بيرو، و(البابا الأخضر) التي قرأت في مقدمة كتبها الشاعر اللبناني إسكندر حبش طبعة دار الفارابي لرواية (دفاتر دون ريغو دي بيرتو) أنها صدرت عن منشورات وزارة الثقافة السورية بترجمة رفعت عطفة، لكن لم تتم إعادة طبعها للأسف الشديد، برغم كونها الرواية التي وضعته فور صدورها عام 1966 في مصاف كبار الكتاب.

مع الأسف كان فوز ماريو بارغاس يوسا بنوبل للآداب فرصة لفضح الواقع المتردي للصحافة المصرية في تعاملها مع الأدب والثقافة، ـ راجع من فضلك التغطيات المختلفة التي قدمتها صحفنا والتي حفلت بالأخطاء ونقص المعلومات، وقارنها بالتغطيات المماثلة التي قدمتها الصحف العربية ولن أقول العالمية للحدث، (أستثني هنا تغطية أخبار الأدب المتميزة دائما وأبدا، ثم تغطية صفحة الأدب في الأهرام والتي يشرف عليها الشاعر الكبير بهاء جاهين) ـ لا أريد هنا أن أتعالم وألقن كل صحيفة درسا وأنا العبد الخطاء، لكن أعتقد أنه من العيب في عصر الإنترنت أن تخطئ صحف كبيرة في معلومات من نوعية كم أديبا من أميركا اللاتينية حصل على نوبل، فتقول صحيفة كبيرة ثقافيا أن أمريكا اللاتينية حصلت على نوبل للآداب مرتين، وفي صحيفة يرأسها مثقف كبير تقرأ أنها حصلت عليها ثلاث مرات، مع أن المسألة ليست كيميا، يمكن ببساطة أن تدخل كصحفي إلى شبكة الإنترنت وتطبع سطراً في جوجل اسمه (قائمة الفائزين بجائزة نوبل للآداب) ، وعندها ستعرف أن أميركا اللاتينية حصلت على جائزة نوبل ست مرات، والعهدة على "غوغل"، أول مرة كانت في عام 1945 وكانت من نصيب الشاعرة التشيلية غابرييلا ميسترال، ثم في عام 1967 حصلت عليها للمرة الثانية عندما ذهبت الجائزة إلى كاتب غواتيمالا الأشهر ميغيل أنخل أستورياس صاحب رواية (السيد الرئيس) الشهيرة، ثم في 1971 حصل الشاعر التشيلي العظيم بابلو نيرودا على الجائزة الثالثة لأميركا اللاتينية، وبعدها في عام 1982 جاءت الجائزة الرابعة والأشهر التي كانت من نصيب الروائي الكولومبي العظيم غابرييل غارسيا ماركيز، وفي عام 1990 كانت الجائزة الخامسة من نصيب الروائي المكسيكي أكتافيو باث، وأخيرا فاز يوسا بالجائزة السادسة لأميركا اللاتينية التي كانت تستحق دون شك جوائز يفوز بها جورجي أمادو وخورخي لويس بورخيس وخوليو كورتاثار وكارلوس فوينتس وإيزابيل أليندي (وإن غضب البعض)، ومن هؤلاء من قضى نحبه ومنهم من تنتظره الجائزة.

ويا ليت الأمر اقتصر على أخطاء المعلومات التي نشرتها الصحف حول أسماء روايات يوسا وعدد رواياته، للأسف حاول البعض إصدار أحكام سياسية على الرجل حاولت تصوير أنه فاز بالجائزة لأنه يميني متعفن ساند الحرب الأميركية على العراق، وأنه انتهازي باع اليسار واشترى اليمين الذي أوصله إلى نوبل، مع أن مواقف الرجل السياسية أكثر تعقيدا وتركيبا من ذلك، للأسف لم تكلف أغلب الصحف نفسها استكتاب متخصصين حقيقيين في أدب الرجل مثل الدكتور حامد أبو أحمد الذي كتب عنه فصولا بديعة في كتاب نقدي له عن أدب أميركا اللاتينية أصدرته الهيئة العامة للكتاب، تفهمت غضب الدكتور حامد في إحدى الندوات مما قيل من تصريحات ضد يوسا من كتَّاب مصريين، ليس فقط لأنه عرف يوسا شخصيا عندما رافقه خلال زيارته إلى مصر قبل سنوات، وإنما لأنه يعرف بحق قيمة الرجل وعطاءه الأدبي الذي يتجاوز بكثير موقفاً سياسياً اتخذه بسبب انحيازه الدائم ضد الديكتاتوريات السياسية، وإن كان ذلك لم يمنعه من الكتابة بإنصاف عن العراق ووضعها تحت الاحتلال الأميركي عندما زارها بعد ذلك بسنوات بصحبة ابنته التي صورت تلك الزيارة، وهي مقالات تحولت إلى كتاب لم يترجم أيضاً إلى العربية.

..

نكمل غداً بإذن الله.