ذو الوجه القبيح الممتع (3/3)

ذو الوجه القبيح الممتع (3/3)

24 نوفمبر 2021
+ الخط -

بعد مشاهد صادمة كثيرة في مسلسل House of cards كلحظة تبول الرئيس على قبر أبيه، أو كلحظة قيامه بتكسير تمثال المسيح داخل كنيسة، أو ذلك المشهد شديد الجرأة الذي يتحاور فيه مع قسيس الكنيسة عن الدين والسياسة والخير والشر وطبيعة الكون، لم أستغرب أن يثير بعض أصدقائي من المهووسين بنظرية المؤامرة تساؤلاً عما إذا كان ما يعرضه المسلسل نابعا من حرية مطلقة فعلاً، أم أنه برغم شططه وتجاوزه وجموحه، يلعب في النهاية لصالح الإمبراطورية العظمى التي ينتقدها والقوى المسيطرة عليها.

للأسف ينكر هذا المنطق السهل نقطة شديدة الأهمية، هي أن الحرية الإبداعية التي تكفلها التشريعات للمبدعين في أمريكا، لم تهبط عليهم من السماء، ولم تمنحها لهم المؤسسات السيادية الراغبة في تحسين صورة أمريكا، بل جاءت عبر نضال اجتماعي كان على رأسه الفنانون والمثقفون، ولم يصلوا إليه إلا بعد دفع أثمان باهظة، وما حقبة "المكارثية" منا ببعيد، وحتى حين توارت تلك الحقبة مجللة بالعار، استمرت عبر العقود التالية رغبات متتالية من رموز التيارات المحافظة في تقييد حرية الإبداع أو توظيفها لما يسمى بالأمن القومي لأمريكا ومصلحة شعبها، وهو ما يرد عليه دائماً المدافعون عن حرية التعبير، بالتأكيد على أن إطلاق حرية الفنانين والمثقفين في النقد والتعبير هو أكبر ضمانة للأمن القومي للمجتمع، لأنها بلعب دور الناقد الشرس والصادم والضمير الجمعي المقلق للراحة والمحرك للمياه الراكدة، تدفع المجتمع لإدراك ما به من قصور وتناقضات، دون أن ينتظر منها أحد حل تلك التناقضات بشكل نهائي، إذا كان ممكنا أصلا أن يقوم أحد بإيجاد حلول نهائية بأي شكل، وفي مثل هذا المناخ من الحرية الإبداعية، تتاح الفرص للمواهب الذكية لكي تقدم كل ما تريده بأسلوب ممتع، وأن تثبت نفسها، ليصب ذلك في النهاية في صالح المجتمع وليست ضده، فيصبح منطقياً أن ترى ما تقوم به تلك المواهب شجاعة وجرأة، أو تراها من زاوية نظر أخرى ذكاءً شيطانياً يجيد استثمار أي شيء من أجل المصلحة الإمبراطورية، ويصبح منطقيا أن تراها مجرد أداة للتنفيس، ويصبح منطقيا أن ترى تلك المواهب تلعب وخلاص دون أن يكون لها أهداف محددة.

تم تضفير كل هذه التفاصيل السياسية طيلة العمل بذكاء، ضمن النسيج الدرامي، وبشكل تشعر أنه قام بهضم الإنجازات التي توصلت لها العديد من الفنون على رأسها فن المسرح كفلسفة وليس كشكل

كان من أبرز ما قام مسلسل (هاوس أوف كاردز) بتغييره في قواعد الفرجة التلفزيونية هو قيامه لأول مرة بإتاحة حلقات الموسم كاملة في وقت واحد، وهو ما أفاد صناعه في التخلص من مأزق يواجه بعض الأعمال الدرامية القائمة على التشويق، حيث يبذل صناعها مجهودات فائقة لفرض جو من السرية، يمنع تسرب تفاصيل العمل إلى الصحافة أو مواقع التواصل الاجتماعي، وبالطبع لم يعتمد صناع المسلسل هنا على الحظ، بل قاموا بإحكام السيطرة على الممثلين خلال التعاقدات معهم، ولذلك لم يتسرب أبدا للصحف أن فرانك أندروود سيقوم بقتل شخصية مهمة من شخصيات المسلسل في بداية الموسم الثاني، لتكون مفاجأة قتلها في الحلقة الأولى صاعقة للمشاهدين، وتم إذاعة إعلانات مكثفة توحي أن وجود الشخصية سيستمر طيلة أحداث الموسم الثاني، حدث ذلك أيضا مع شخصية أخرى تعرضت للقتل في نهاية الموسم الثاني، وطلب منتجو المسلسل من الممثل الذي يلعبها أن يقول لكل الناس، بما فيهم أقاربه وأصدقاؤه أن قتله سيتأكد في بدايات الموسم الثالث، وهو ما جعل الممثل يقضي أول يوم من عرض المسلسل في الاعتذار لكل من كذب عليهم، وعلى رأسهم أفراد عائلته.

كنا كعرب حاضرين في الموسم الثالث من المسلسل، ليس بوصفنا شخصيات فاعلة درامية، بل بوصفنا طرفا في الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، الذي يتخذه الرئيس الجديد فرانك أندروود أداة لإثبات نجاحه داخل أمريكا، والأهم من ذلك أداة لإدارة صراعه مع الرئيس الروسي الذي تم اختياره ليشابه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في شكله وغرابة أطواره، وكعادة المسلسل فقد تمت الاستفادة من التفاصيل المعلنة لكثير من الشخصيات السياسية، لدمجها في قلب تصرفات عدد من شخصيات المسلسل، لتحقيق أكبر قدر من التعايش بينه وبين المشاهد، ليشعر أنه لا يشاهد عملا خياليا بعيدا عنه، مثلما يحدث في مسلسلات تشويق سياسي ناجحة مثل (Scandal) و (Black List)، بل ليشعر أنه يشاهد شخصيات مشابهة لشخصيات حقيقية، بل ويمكن أن تكون الشخصيات الحقيقية تقوم بفعل الموبقات والمصائب التي تقوم بممارستها شخصيات المسلسل لكي تنجو من مآزقها السياسية.

طيلة الوقت يلعب صناع المسلسل لعبة ذكية وشيقة، تتداخل فيها الحدود بين الواقع والخيال، ويلعب كلا منهما لمصلحة الآخر بشكل مدهش، فحين ترى مثلاً الرئيس الروسي وهو يقوم بعد شربه كثيرا من الفودكا بتقبيل زوجة الرئيس الأمريكي قبلة طويلة غير بريئة، تجد نفسك رغما عنك وقد خرجت بعيدا عن أحداث المسلسل، لتسأل ما الذي كان يمكن أن يحدث بالفعل لو قام الرئيس الروسي الجامح بفعل ذلك مع السيدة الأولى لأمريكا في لحظة ما، وهل يمكن أن تندلع حرب عالمية جديدة بين القوتين النوويتين الأكبر، لأن الرئيسين الأمريكي والروسي وصل التنافس الشخصي والإنساني بينهما إلى حد يمكن أن يجعلهما يرتكبان حماقات يدفع ثمنها الملايين.

لكن، لكي تصل إلى هذه الحالة، لا يقوم المسلسل بتقديم تفاصيل هامشية، بل هو يقوم بتوظيف تفاصيل حقيقية، مثل الأزمات التي يتعرض لها المثليون جنسياً في روسيا، ومثل مجموعة فتيات "بوسي رايتس" اللواتي قمن لسنوات بملاحقة بوتين ومسئوليه عبر العالم، للاعتراض على قمعه للحريات السياسية والاجتماعية داخل روسيا، حيث يقدم المسلسل مشهدا يقمن فيه بمواجهة الرئيس الروسي في مائدة عشاء داخل البيت الأبيض، ولكيلا يقع المسلسل في فخ التسطيح، لا يقدم شخصية الرئيس الروسي بشكل كاريكاتيري يدفعك لكراهيتها أو للسخرية منها، بل يقدمه صاحب رؤية ومنطق، ربما تختلف معه، لكنك لا يمكن أن تدعي أنه ليس متصلا بجذور واقعه، وبقدرته على استخدام هذا المنطق للسيطرة على شعبه، كما حرص المسلسل على مواكبة التطورات التي تحدث في الواقع السياسي، بحيث نرى مثلا أن هناك توترا في العلاقة بين الولايات المتحدة واسرائيل داخل مجلس الأمن، وكيف تلجأ اسرائيل لتوظيف التناقضات بين أمريكا وروسيا لتحقيق مصالحها، وكيف تلجأ إلى قلب الطاولة على الإدارة الأمريكية حين يكون ذلك ضروريا لها، بل وتم تقديم شخصية مندوبة اسرائيل في مجلس الأمن برغم صغر تواجده بشكل يقدم تلك الحالة من التناقض التي اتسعت في الفترة الأخيرة بين الإدارة الأمريكية واسرائيل.

تم تضفير كل هذه التفاصيل السياسية طيلة العمل بذكاء، ضمن النسيج الدرامي، وبشكل تشعر أنه قام بهضم الإنجازات التي توصلت لها العديد من الفنون على رأسها فن المسرح كفلسفة وليس كشكل، والرواية بسردها وألاعيبها، والتحليل النفسي بقدرته على تشريح النفس البشرية وتعريتها، بل وحتى الأساطير والملاحم التي تجعلنا نبحث عن الوحش والإله بداخل كل منا، مع الاستفادة من تراث سينمائي عظيم تم تقديمه في مجال تصوير حياة السياسيين والشخصيات العامة على أيدي مبدعين مثل أورسون ويلز وفرانك كوبرا وسيدني بولاك وفرانسيس فورد كوبولا وآلان باكولا، وبعض من صناع العمل أنفسهم مثل ديفيد فينشر وجيمس فولي وجويل شوماخر، ليتمازج كل هذا ويختلط ويتفاعل في بوتقة كبيرة، ليصل لهذا القدر من الإمتاع والإدهاش الذي يجعلك لا تشاهد عملا يتحدث عن تفاصيل لا تخصك، بل تشاهد كونك ودنياك وحياتك، وترى ما يسرك ويحزنك ويخيب أملك أحيانا، ويزيدك في كل الأحوال شغفا بالحياة بكل تفاصيلها المبهجة والمركبة والمربكة أيضاً.