حكايات عن أم كلثوم التي لا يعرفها أحد (3 من 3)

26 نوفمبر 2020
+ الخط -

ـ أستاذ محمود عوض، برغم أن علاقتك لم تكن قوية بالسيدة أم كلثوم، لكن أول كتاب صدر لك في حياتك، حمل عنوان (أم كلثوم التي لا يعرفها أحد)، ما هي حكاية هذا الكتاب؟

كانت مؤسسة أخبار اليوم بدأت وقتها في إصدار سلسلة (كتاب اليوم) وكان رئيس مجلس الإدارة وقتها الكاتب اليساري محمود أمين العالم، وبدأت السلسلة بإصدار كتب ثقيلة الطابع من حيث المضمون، بعدها اقترح إحسان عبد القدوس على محمود أمين العالم إصدار كتاب عن أم كلثوم ضمن السلسلة، فوافق العالم ورشح أحد الصحفيين اليساريين لكتابة الكتاب، وطلب من إحسان إنه يتوسط لدى السيدة أم كلثوم، وعرض عليها إحسان الأمر، فأبدت تحفظها خاصة إنه كان أول كتاب يصدر عنها، وخافت إنه يفشل خاصة مع سمعة الكتب التي صدرت عن السلسلة واللي ما كانتش حققت نجاح كبير بسبب ثقل موضوعاتها.

المهم رفضت أم كلثوم الاسم اللي كان مطروح عليها وطلبت إني أكلف أنا بكتابة هذا الكتاب، وأكيد كان في ذهنها المقال اللي كتبته واللي نجح نجاح مدوي، وفاجأني إحسان بالطلب، ورغم أنها كانت فرصة تاريخية لصحفي في مثل سني، إلا إني تخوفت من إنه يكون أول كتاب يصدر لي في حياتي كتاب فني، خاصة إني لم أكن صحفيا فنيا أبدا، لكن بعد إلحاح من أستاذي إحسان وافقت وبدأت العمل في الكتاب، وبدأت جلساتي الطويلة مع أم كلثوم والتي تمخض عنها هذا الكتاب الذي اهتممت به كل الاهتمام، حتى أنني كنت أصمم إعلاناته التي تنشر في الصحف وأكتبها بنفسي، وأذكر إني بعد أن اخترت له عنوان (أم كلثوم التي لا يعرفها أحد)، اتصل بي أحد أقربائها وقال لي: "احنا مش عاجبنا الاسم يا أستاذ محمود، إزاي تقول على أم كلثوم لا يعرفها أحد"، قلت له: "قصدك مين احنا؟ هل الست هي اللي طلبت منك تتصل بي"، وبعد ما قفلت معاه اتصلت بأم كلثوم وقلت لها حصل كذا كذا، انفعلت جدا وقالت لي: "اشتغل يا محمود ومالكش دعوة بحد وأنا عمري ما اتدخل في شغلك"، وعرفت بعدين إنها انفعلت بشدة على قريبها بسبب مكالمته. بالمناسبة لو رجعت لكتابي عنها والصادر في حياتها باختيارها ومباركتها، ستجد أنني كتبت في المقدمة تحديدا: "إنني أعشق صوت أم كلثوم ولكنني لا أعبده"، و "إنني أنتمي إلى جيل يرفض استثناء أحد من المناقشة أو المراجعة بمن في ذلك أم كلثوم نفسها".

ـ لكن بنفس المنطق الذي فكر فيه إحسان عبد القدوس لما عرض عليك إنك تعرض بروفات مقالك على أم كلثوم حرصاً على عدم غضبها، هل تدخلت أم كلثوم في الكتاب؟

هناك أشياء أعرفها طلبت مني عدم نشرها.

ـ زي إيه؟

(بعد تفكير) يعني مثلا مما يمكن أن أكشفه الآن إنها طلبت مني الاهتمام أكثر برياض السنباطي ودوره الفني في مسيرتها أكثر من اهتمامي بمحمد عبد الوهاب ودوره معها، وهي كانت تعتقد أن دور السنباطي معها أهم بكثير والحقيقة أنني لم ألتزم بما طلبت وأفردتُ مساحة أكبر من الاهتمام بعبد الوهاب، وبعد ذلك فسرت لي أم كلثم قرارها بأنها كانت تريد إنصاف السنباطي الذي ظلم إعلاميا بعكس عبد الوهاب.

ـ هل كنت تعرف عبد الوهاب وقتها؟

لا، لم أكن قد تعرفت وقتها على عبد الوهاب ولا على عبد الحليم حافظ ولا حتى على بليغ حمدي، توثقت علاقتي بهم بعد ذلك.

ـ طيب، أستاذ محمود كنت مهتم أسألك في رأيك كانت إيه أسباب مشروع فشل أم كلثوم الخيري واللي الكل توقع له نجاح ساحق، هل معقولة أم كلثوم بكل مكانتها لدى الملايين ما كانتش تقدر تتغلب على فكرة الضرب تحت الحزام، خصوصا إن ما كانش حد يجرؤ يعاديها بشكل معلن؟

الحقيقة إن الخلل في مشروع أم كلثوم الخيري بدأ من الجلسة الأولى، أم كلثوم عملت لنا اجتماع اقترح حمدي عاشور محافظ القاهرة وقتها وصديق شخصي لأم كلثوم إنه يكون مكانه في نادي الضباط بالزمالك، في الاجتماع طرحت أم كلثوم فكرتها البسيطة جدا: يا جماعة أنا بافكر أعمل مشروع خيري على حسابي يتكلف من عشرين إلى ثلاثين ألف جنيه، وده مبلغ يساوي أضعاف الرقم ده على الأقل حاليا، وكانت الفكرة المبدئية عندها عمل مشغل تطريز للأولاد والبنات اليتامى، وبعدين قالت: لكن دي مجرد فكرة أتشاور معاكم فيها.

فجأة انطلق عثمان أحمد عثمان قائلا: أيتام إيه يا ست الكل وتطريز إيه؟ أم كلثوم امبراطورة الفن في العالم العربي، لما نبحث مشروع باسمها لازم نجيب له أرض واسعة ونعمل مبنى ضخم يكون تحفة، ويكون فيه مسرح وسينما ومكتبة مصورة لكل أغاني أم كلثوم ولوكاندة وقاعة حفلات باسم أم كلثوم، وهنا اعترض الكاتب الكبير فكري أباظة وقال بصوته الجهوري: حيلك حيلك يا عثمان، الرحمة، الست بتقول لك مشروع على حسابها، يعني بفلوسها وبتقول لك مشروع خيري مش شركة استثمار ولا شركة مقاولات، رد عثمان أحمد عثمان: وليه على حسابها، ده لا يجوز أبدا، والفلوس مش مشكلة، أنا كفيل بتدبيرها، لو مليون جنيه أدبره، حبايب أم كلثوم مستعدين بامتداد العالم العربي كله، ادوني بس انتم تفويض وأنا أسافر العالم العربي من المغرب إلى السعودية إلى الخليج. اعترض فكري أباظة من جديد وبشكل أكثر حدة متسائلا: تفويض إيه؟ مين قال لك إننا نوافق على الكلام ده؟ خلينا في حدودنا يا عثمان وفي حدود العمل الخيري اللي بتفكر فيه ثومة، لا أكثر ولا أقل.

في الاجتماع الثاني أفتى عثمان أحمد عثمان بتخريجة أخرى وهي عمل يانصيب بمليون جنيه، لاحظ إننا بنتكلم في أوائل السبعينيات، وإن من الحصيلة هيتم عمل تمويل المشروع اللي أصبح عند هذا الحد شيئ مختلف عما فكرت فيه أم كلثوم أصلا، واليانصيب لازم له موافقة من الحكومة وحملة إعلانات ضخمة، والجوائز لا تقل قانونا عن ثلاثين بالمائة من أوراق اليانصيب المطبوعة يعني ثلاثمائة ألف جنيه تقريبا، ولازم تصرف للفائزين بالكامل بصرف النظر عما بيع أو لم يباع من الأوراق فعليا، ولما سأل رئيس بنك القاهرة اللي كان حاضر الاجتماع: مين اللي هيدفع مصروفات مشروع زي ده، قاله عثمان أحمد عثمان: بنك القاهرة يدفع المصروفات ولو كانت مسألة ضمانات احنا نضمن لك السداد، فعثمان رد: لا المقاولين العرب هتعمل الرسوم والتصميمات لكن احنا يعني اللي قاعدين هنا أكبر ناس في البلد هنضمن القرض اللي هناخده من البنك وبعد كده المشروع يصرف على نفسه، فصرخ فكري أباظة وقال له: يا عثمان احنا كلنا ـ يقصد الكتاب اللي حاضرين ـ مش حنطلع بمائة جنيه انت فاهم مهنة الكتابة زي مهنة المقاولات، لكن عثمان أصر على الدفاع عن اقتراحه بحماس، ومن هنا بدأت المتاهة الكبيرة التي دخلها المشروع بعد ذلك والمشاكل الملتوية التي واجهها في التنفيذ، ولا أريد الآن الخوض فيما هو أكثر من ذلك.

والمهم إني في اليوم اللي بعده لما سألتني أم كلثوم: انت مالك كنت مضروب على قلبك وسكت امبارح، شرحت لها عدم حماسي لفكرة عثمان أحمد عثمان واللي هتضيع فكرتها الأصلية اللي هتخلي الناس العادية تتحمس لفكرة إن أم كلثوم بتدعو لعمل الخير بفلوسها نفسها، عشان تكتمل المفارقة بعد رحيل أم كلثوم بسنين قابلت عثمان أحمد عثمان بالصدفة، وما كناش اتقابلنا قبل فشل المشروع اللي اقترحه، ولقيته بيقولي: يا أخي البلد دي ما فيهاش وفاء، إيه أخبار مشروع أم كلثوم، فقلت له: عشان أديك الإجابة المضبوطة لازم نتبادل الأدوار، فأكون أنا عثمان أحمد عثمان، وتبقى انت كاتب على باب الله (يضحك بمرارة).

ـ نرجع بالزمن شوية لورا، ولفترة انت عاصرت آخر سنتين فيها لكن أكيد خلال شغلك على الكتاب كان عندك معلومات أكتر عن الفترة اللي سبقت ده، اللي هي علاقة أم كلثوم بالرئيس جمال عبد الناصر، هل استغلت أم كلثوم هذه العلاقة لتدعيم نجوميتها ونجاحها؟

أستطيع أن أؤكد لك بعد معرفة دقيقة بأم كلثوم أنها لم تقل لنا مرة واحدة طيلة السنوات التي عرفتها فيها أنها كانت على صلة بالرئيس عبد الناصر، ولم تشر إلى ذلك ولو عرضاً، ولم تحك لنا أبدا عن أي لقاء خاص جمعها به، رغم أن الجميع كان يعلم حجم العلاقة التي تربطهما إنسانيا وأنه كان معجبا بصوتها، إلا أنها لم تحاول استغلال ذلك أبدا ولو حتى بشكل معنوي أو عادي على سبيل الحكايات زي ما أي حد ممكن يعمل بشكل عفوي، ولما كانت بتتكلم عن الشئون السياسية وعن قرارت عبد الناصر كانت بتتكلم بصفتها مواطنة عادية، لم تكن تقول أبدا: سمعت من الريس أو قال لي الريس، كما كان من الممكن أن يفعل أحد غيرها، وما أعلمه أن هناك مرة وحيدة لجأت فيها أم كلثوم لاستخدام علاقتها بعبد الناصر، كانت لنصرة مظلوم ورد الاعتبار له.

ـ هل تقصد صديقها الكاتب الكبير مصطفى أمين بعد القبض عليه؟

لا، ولست في حل من ذكر التفاصيل الآن.

ـ هل صحيح ما ذكره البعض أن أم كلثوم كان لديها فتور تجاه عبد الحليم حافظ وأنها كانت تنظر إلى أغانيه بتعالي؟

مش صحيح على الإطلاق، انت لازم تلاحظ الفروق الموجودة بين الفن الذي كانت تقدمه أم كلثوم وفن عبد الحليم وفن نجاة وفن محمد فوزي وفن محمد قنديل وفن عبد المطلب وغيرهم، تقدر تشبّه ده مع التجاوز بأنواع الفواكه، تفاح وخوخ ومشمش وبطيخ وشمام وعنب، كل له مذاقه وحلاوته، كذلك الحال مع فن أم كلثوم وعبد الحليم وعبد الوهاب وغيرهم.

ـ طيب وبعض مطربي هذه الأيام؟

تقدر تعتبرهم بذر البطيخ (يضحك).

ـ هل كان لأم كلثوم مستشارين فنيين يخططون لها مشوارها الفني؟

على الإطلاق، وكل النجاح الذي وصلت إليه أم كلثوم كان بجهدها الخالص، بفطرتها وإحساسها الصادق.

ـ في رأيك هل يمكن أن يموت فن أم كلثوم في عصر الإيقاع السريع في الغناء؟

عمره ما يموت أبدا، بدليل زي ما قلت لك إني وأنا في سن الصبا لم أكن معجب بيها، لكني أعجبت بها بعد ذلك أنا وجيلي، وستجد هذا في جيلك والأجيال التالية له، يعني تقدر تقول لي لوحة غنائية زي (الأطلال) أو (هجرتك) أو (رق الحبيب) إزاي ممكن تموت؟ شوف أغاني أم كلثوم عن العيد، عملتها في الأربعينات بس تلاقيهم بيذيعوها في كل عيد في الإذاعة والتلفزيون، طيب أغانيها الخفيفة بتاعة أبو الوفا والقبلة القبلة اللي كتبها بيرم، مش ده غناء عصري، حتى أغاني عبد الوهاب وبليغ حمدي لها ستجدها مليئة بالإيقاعات السريعة.

أنا شايف إن طرح سؤال: هل ماتت أم كلثوم، هو سؤال غريب جدا، مثل طرح سؤال: هل مات الوفاء؟ هل ماتت المشاعر؟ هل ماتت الرومانسية؟ وفي معرض الإجابة عن هذا السؤال عايز أذكر واقعة حصلت في حياة أم كلثوم وكنت شاهد عليها لإن أم كلثوم يومها كانت عازماني على الغداء في بيتها، وأثناء الغداء جاءتها مكالمة تليفونية من وزير الإعلام أو الإرشاد القومي وقتها، والحكاية إن كان في وفد مهم من حكام ماليزيا ومسئوليها بيزور مصر وقابلهم الرئيس جمال عبد الناصر، وسألهم عن انطباعاتهم عن الزيارة، فأجابوا بأن أي انطباعات لهم عن مصر لن تكتمل إلا بمقابلة السيدة أم كلثوم، لكن المشكلة كانت في ضيق الوقت لإن الوفد كان محجوز له مقدما إنه هيرجع في اليوم التالي مباشرة، وسأل الوزير أم كلثوم بكل ذوق وحرج عن إمكانية تحقيق رغبة هذا الوفد اليوم أو بالكثير صباح غد قبل توجههم إلى مطار القاهرة وبخفة دمها المعتادة سألت الوزير: هم في مصر على حسابهم ولا على حساب الحكومة؟ فرد الوزير: هم هنا بدعوة رسمية من الحكومة، فقالت أم كلثوم: يبقى النهارده أحسن من بكره وسأكون في انتظارهم في البيت بعد ساعة من الآن.

بعد المكالمة سألتني أم كلثوم: هي ماليزيا ليها حاكم واحد ولا فرقة حكام؟ لإن الوزير استخدم تعبير حكام ماليزيا، فقلت لها: ماليزيا تتكون من مجموعة ولايات ولكل ولاية منها حاكم مستقل وأظن لا بد يكون الوفد هو حكام تلك الولايات، المهم جاء الناس فعلا ولم يكونوا مصدقين إنهم يجلسون مع أم كلثوم وبعدها قالوا إن مواطنيهم لن يصدقوا أبدا أن مثل هذه المقابلة تمت فعلا، ولذلك يصرون على التصوير معها انفراديا، واتضح إن كل واحد سيحول صورته مع أم كلثوم إلى منشور دعائي انتخابي في ولايته، وحرصت أم كلثوم على أن تعرف من أعضاء الوفد سر حماسهم الزائد هذا، فشرح حكام الولايات الماليزية لها إن غالبية السكان عندهم مسلمون واللغة السائدة هي الماليزية زائد الإنجليزية، مع ذلك لرغبة الناس في تعلم اللغة العربية لقراءة القرآن الكريم، فأغاني أم كلثوم أصبحت أقصر الطرق لحب اللغة العربية، وأصبحت أغانيها رائجة هناك خصوصا بين الشباب الذين لا يعرفون اللغة العربية إطلاقا، لأنهم بحفظ كلمات أغانيها يصبحون أقوى في اللغة العربية، وفجأة بدأ كل واحد من هؤلاء الحكام الوقورين جدا يردد مقطعا من أحدث أغاني أم كلثوم، المقطع بالعربي، الكلام قبلها إنجليزي، وبعدها إنجليزي، وبعد الصور مندوب وزارة الخارجية المصري طلب هو أيضا التقاط صورة له مع أم كلثوم وداعبه أحد أعضاء الوفد الماليزي قائلا: طيب احنا عندنا انتخابات، انت عايز الصورة ليه؟ رد: عندي الأهم يا ست الكل، عندي مراتي، وهي لن تصدقني إطلاقا حينما أقول لها إنني قابلت أم كلثوم إلا إذا أعطيتها دليلا مفحما، وخرج الكل من اللقاء سعيدا بهذه اللحظات التي لن ينسوها أبدا في حياتهم.

فنانة مثل هذه كيف تموت؟