حرامي كتب ولا أفتخر (2/2)

حرامي كتب ولا أفتخر (2/2)

08 يونيو 2021
+ الخط -

شوف، لا يشكر في نفسه إلا إبليس، ولذلك لن أقول لك إن عدم ضبطي ولو لمرة خلال عام بأكمله، كان وراءه مهارتي الفائقة في السرقة فقط، فقد كان وراء ذلك حسن حظي أولاً، وانتظام عادات أبي وأمي اليومية ثانياً، وهو ما جعلني أجهز في وقت قياسي على رفوف كتب الأطفال، ثم أنتقل منها إلى كتب الفتيان والناشئة و"الطلائع" التي كان أبي يدخرها لكي أقرأها بعد سنوات، وحين انتقلت بعد انتهائي منها إلى الأرفف المجاورة، اكتشفت خلوها من الروايات والقصص والكتب الأدبية، التي لم يكن أبي محباً لها، ولم أجد إلا بعضاً من كتب التراث التي تم تقريبها، بأسلوب يشبه ما فعله كامل كيلاني، أذكر من بينها سلسلة كتب بعنوان (السمير المهذب) لعلي فكري، كانت تحوي عددا من الطرائف والنوادر التراثية، وكانت سبباً في محبتي اللاحقة لهذا النوع من الكتب، ثم حدث في ذلك الوقت أن وجدت مع شقيق أحد زملائي، قصة من قصص سلسلة (المغامرون الخمسة) التي كان يبدعها الكاتب الرائع محمود سالم وتصدرها دار المعارف، لأكتشف أنني لم أقرأ مثل هذا النوع من قبل، لأن أبي لم يكن من هواة شراء الألغاز والقصص البوليسية، وحين سألت شقيق زميلي من أين حصل على تلك القصة، قال إنه اشتراها من مكتبة قريبة من مدرستي، ومن هنا جاء انتقالي إلى المرحلة التالية من السرقة، التي كانت أكثر جرأة وتعقيداً.

لن أتهم إبليس باقتراحه تلك الفكرة، لأنني لا أذكر وجوده بالجوار حين طرأت على ذهني تلك اللعبة الخطيرة، والتي كنت أقوم فيها بسرقة مفتاح المكتبة من جيب أبي، ثم أدخل المكتبة، وأفتح السلم الذي كان يستخدمه أبي في الصعود إلى الأرفف القريبة من السقف، فأختار من كل رف كتاباً أو اثنين، قبل أن أعيد ترتيب الرف، وأذهب في اليوم التالي بعد خروجي من المدرسة، إلى المكتبة لأقول لصاحبها إنني أريد مبادلة الكتابين ببعض القصص البوليسية، لأن أبي مسافر إلى الكويت للعمل، وما يرسله لي ولأمي المريضة وإخوتي، يكفي بالكاد للإنفاق على الأسرة، وهي قصة كانت تجعل الرجل لا يلقي بالاً لنوعية ما أحضره له من كتب، فقد كان يقبله أياً كان، ربما لأنه لم يتخيل أن تخطر كذبة بهذا التعقيد على عقل طفل في السنة الرابعة ابتدائي.

كنت مبتهجا بكذبتي ونتائجها السريعة المبهرة، التي جعلتني أعيش لفترة في ضاحية المعادي بصحبة تختخ وعاطف ومحب ونوسة ولوزة والشاويش فرقع، ثم بصحبة ثلاثة مغامرين آخرين لم أعد أذكر أسماءهم الآن لعبوا بطولة سلسلة مشابهة أقل جاذبية، دون أن أدري أن تلك الكذبة اللعينة، ستكون سببا في انهيار صرح البهجة، الذي بلغت به عنان السماء، لأن تسارع وتيرة سرقتي للكتب التي يضعها أبي في أماكن قصية من رفوف مكتبته، جعل صاحب المكتبة يشك في أن يكون لدى أسرة فقيرة كل هذا القدر من الكتب التي لم أكن أعرف أن بعضها نادر ومهم، فبدأت أسئلته تنهال علي في كل زيارة، لأضطر إلى الكذب على الهواء دون تفكير أو تخطيط، فتتضارب معلومات حديثة مع سابقات لها، فأفقد ميزة "الكذب المتساوي" التي أوصتنا بها الحكمة الشعبية "كذب متساوي ولا صدق مجعرف"، فيضعني الرجل في دائرة الشك والتحري، حتى حلت النهاية المؤسفة، حين دخل المكتبة جار لي أثناء جلسة تحقيق، فقررت فور رؤيته أن أجري من المكتبة مسرعاً، تاركا الكتاب الذي أحضرته معي، ودون حتى أن أحصل على الغنيمة المبتغاة، ليدور بين صاحبها وجاري حوار عرف منه أنني ابن مدير المدرسة القريبة من مكتبته، ولأن أخاه الأصغر كان طالبا فيها، فقد قرر الرجل أن يشتري مستقبل أخيه على حساب مستقبلي، ليذهب في اليوم التالي إلى أبي في مكتبه، حاملا الكتب التي سرقتها من مكتبته، مخلياً مسئوليته ومتقمصاً دور الناصح الأمين القلق على شخصيتي من أن تقع أسر الإدمان الأبدي للكذب.

نفذت بعد ذلك عدة عمليات خاطفة، داخل مكتبة الواشي اللعين، بهدف الانتقام مما فعله بي، وكان أبرز غنائمي منه، بعضاً من أعداد سلسلة الشياطين الـ 13

حسناً، أنت تحب أن تعرف ما حصل بيني وبين أبي بعدها، وأنا لا أحب تذكره بالتفصيل لأسباب تتعلق بأماني النفسي، ولذلك سأكتفي بإخبارك أن مواجهتي مع أبي تسببت في حرماني من المدرسة أسبوعا، حتى تختفي آثار الكدمة المريعة التي تسبب فيها ارتطام وجهي بدولاب مثبت في الحائط، بعد أن جريت هرباً من لسعة سلك الكاسيت الذي كنت أسميه (الثعبان الأقرع)، وأن الدم الذي سال من وجهي أنقذني من حيث لا أحتسب، خاصة أن أمي شكلت وقتها درعاً بشرياً يحتضنني، حتى هدأت ثائرة أبي الذي ظل لفترة يلقي مونولوجاً ملحمياً تختلط فيه مشاعر خيبة الأمل في ابنه الأكبر، بمشاعر الأسى على الفضيحة التي سيرويها صاحب المكتبة لكل زبائنه، بالتفكير في خطط عاجلة لاحتواء الأزمة، كان من بينها اقتراح رائع من ست الحبايب، بضرورة إسكات لسان صاحب المكتبة، بالاتفاق معه على شراء أسبوعي للقصص والألغاز البوليسية، فضلا عن اتخاذها الأمر ذريعة لفتح موضوع إتاحة المكتبة لي ولإخوتي، ولو لساعتين كل يوم، مذكرة بمبدأ "الممنوع مرغوب" الذي اتضح أنها كانت قد أثارته مراراً دون علمي، وحين وافق أبي على التفكير في إتاحة المكتبة بشكل أسبوعي بشرط أن تتحمل هي مسئولية ما يتم أخذه من كتب ويكون له حق الرقابة عليه، وجدت نفسي منقسماً بين كتم ألم الارتطام وكتم فرحة التغيير، لكي لا يستفز ذلك أبي، فيعود لفش غله فيّ.

كان ذلك آخر عهدي بسرقة الكتب، داخل المنزل على الأقل، لأنني نفذت بعد ذلك عدة عمليات خاطفة، داخل مكتبة الواشي اللعين، بهدف الانتقام مما فعله بي، وكان أبرز غنائمي منه، بعضاً من أعداد سلسلة الشياطين الـ 13، التي لم أحبها أبدا، وكان آخرها مجلد (سوبر ميكي)، لا زلت أذكر أن غلافه كان أحمر اللون، وقد كانت فرحتي به عارمة، لدرجة أنستني أهمية اختيار مخبأ جيد وغير متوقع، مما جعله يقع  في يد أمي، التي أسقط في يدها، وبعد وصلة من التقطيم والتعبير عن خيبة الأمل، كان تهديدها لي واضحاً وصريحاً: إما إعادة المجلد إلى المكتبة والاعتذار لصاحبها، أو تصعيد الأمر إلى أبي، لتكتمل وصلة الثعبان الأقرع التي لم يكتب لها الاكتمال، ومع أن ذلك  لم يكن خياراً محيراً، لكنني قلت لها بكل صلابة ـ أو بجاحة بمعنى أصح ـ إنني سأعيد المجلد، دون أن أعتذر، مطمئنا إياها بأن صاحب المكتبة لن يشعر بذلك، لأنني كنت أتعمد تنفيذ غاراتي عليه، في الوقت الذي تتردد على المكتبة طالبات المدرسة الثانوية اللواتي يذهلنه عما حوله، وحين ذكرتني أمي في ختام جلستنا، بعقاب الله الذي يحل على اللصوص، وجدت نفسي أتذكر الإله الفارسي حامل السيف، ليجلب لي ذلك ابتسامة خاطفة، جلبت لوجهي صفعة خُطّافية، جلبت بدورها لأذني صفيراً متقطعاً لازمني عشيّة وضحاها.

هذا وإنه ليطيب لي في نهاية المطاف، إبراءً لذمتي وإراحة لضميري، تحذيرك من أن تظن أنني نجحت في الإفلات من عواقب سرقاتي، فالدنيا دوارة و"الباد كارما" لا تغادر كبيرا ولا صغيرا إلا واقتصت منه، فبرغم أنني أقلعت عن سرقة الكتب منذ زمن طويل، إلا أن الله أرسل إليّ من يسرق من مكتبتي، كما كنت أسرق من مكتبة أبي، بل وشاءت عدالته السماوية التي أنزلها من قبل على استاد باليرمو الدولي، أن يكون السارق الأثيم المتسلسل، واحداً من أعز أصدقائي، لأذوق مرارة مزدوجة، بدلا من أن أشعر بمرارة المسروق والمتعرض للخيانة كلا على حدة، ولأفهم أخيرا ذلك التعبير المؤلم الذي ارتسم على وجه أبي في يوم الاكتشاف، والذي لم أر مثيلا له إلا على وجه ميل جيبسون في فيلم (القلب الشجاع)، حين نزع القناع عن وجه غريمه في المعركة، فاكتشف أن العدو الشرس الذي كان يبارزه، لم يكن سوى الحليف الذي أقسم على مساندته، وهو ما شعرت به بحذافيره، حين فهمت بعد فوات الأوان، لماذا ظل أعز أصدقائي يتهرب من دعوتي إلى زيارة شقته الجديدة، لأشاهد المكتبة التي أخذ يباهي بها الأمم.

يومها، ذهبت إليه بصحبة صديق ثالث، لنطمئن على صحته، بعد أن غاب عنا عدة أيام، وحين أدخلتنا زوجته إلى الريسبشن الذي زيّنته المكتبة التي كان يتفاخر بها، وذهبت لتوقظه من نومه، فوجئت بعد مرور سريع على دواليبها، بأنه قاتله الله، خصص رفاً كاملاً للكتب التي سرقها من مكتبتي، وضع فيه ما خف حمله وغلا ثمنه من الروايات المترجمة الواردة من بيروت ودمشق، وكتب مؤسسة السينما السورية التي كانت تنفد فور قدومها إلى المعرض، ولم يشأ اللعين إمعانا في الاحساس بالانتصار أن يفرق مسروقاته على الأرفف، فقرر تجميعها في رف واحد، ليشعر كلما نظر إليه بنشوة استغفالي، حتى أصبحت على يقين أنه حين يشعر بالاكتئاب ويبحث عن بهجة وقتية سريعة، يقرر تقليد ضباط الداخلية في تفننهم في رص مضبوطاتهم من المخدرات والأسلحة، فيقوم برص الكتب التي سرقها مني بطرق مبتكرة، ثم يتصور وراءها هو وزوجته وأولاده، على أمل أن تأتي فرصة لأشاهد هذه الصور بعد أن يهرب يوماً ما خارج البلاد، مصطحباً مسروقاته من كتبي الغالية، فتكتمل بهجته وتدوم إلى الأبد. 
ولعلك الآن تكون وصلت إلى العبرة، التي ما كتبت هذا الكلام إلا من أجل أن تصلك فتتعظ بها ومفادها: "حين يتعلق الأمر بالكتب لا تحدثني عن حقوق الصداقة، وفتش أعز أصدقاءك بعد خروجهم من بيتك، ولا تستبعد أبداً الأماكن الحساسة لحظة التفتيش ثقة منك في رجاحة عقل زائرك، فلسرقة الكتب شهوة تدور لها رؤوس أطيب الأطفال وأعقل الرجال وأعز الأصدقاء". 
ألا هل بلغت، اللهم فاشهد.