تناتيش ونغابيش

تناتيش ونغابيش

01 يوليو 2021
+ الخط -

ـ في رواية (الذكرى السنوية) للروائية الكتالونية إيما مونسو والتي ترجمها عبد السلام باشا، قرأت عن نوع جديد من الإيمان هو (إيمان بائع الفحم)، والذي يقول بطل الرواية إنه تعبير يطلقه الفرنسيون على الإيمان الأعمى، ويحكي قصة من القرن الثامن عشر، حيث ذهب الشيطان لبائع فحم وسأله:
ـ بم تؤمن؟
ـ بذات ما تؤمن به الكنيسة. قال بائع الفحم.
سأله الشيطان:
ـ بم تؤمن الكنيسة؟
ـ بما أؤمن أنا.

تقول الحكاية إن الشيطان قد رحل مهزوماً ومرتبكاً دون أن يمكنه زعزعة إيمان بائع الفحم لثانية واحدة".

ولعلك الآن تستطيع أن تجد توصيفاً مناسباً لإيمان الكثير من كتاب التعليقات على الفيس بوك وتويتر.

....

ـ في مقطع من رواية (شركة الحب المحدودة) التي ترجمها محمد عامر، يعيد الكاتب الأيسلندي أندري سنار ماجنسون كتابة أسطورة الملك ميدياس الشهيرة على النحو التالي:

"كان هناك ملك يدعى ميدياس، كان يجوب أركان مملكته في ملابسه الأنيقة ممتطياً حصانه متبوعاً بكلبه، لكن الحال كان واحداً في كل مكان، لم يتعرف عليه أحد من رعيته، ذهب الملك إلى الجزار والخباز والبقال، لكنه كان يضطر للانتظار في صف طويل كأي شخص آخر، ولم ينحن له أحد أبداً، لاقى صعوبة دائماً في العودة إلى قصره، حيث يستوقفه الحرس للتحقق من هويته.

في يوم من الأيام جلس الملك ميدياس حزيناً في قصره عندما ظهر أمامه قزم: 
ـ ما الذي يحزنك يا مولاي؟
ـ لا أحد يعرفني.
ـ سأحقق لك أمنية واحدة. 
ـ أتمنى لو يصير كل ما ألمسه مشهوراً، أتمنى لو يظهر كل ما ألمسه في صفحات الجرائد حول العالم وأن يعرفني جميع الناس وينحنون لي ويركعون أمامي ويبجلونني ويتوقون لرؤيتي، أتمنى لو يتذكر الناس على الدوام مقابلتهم أو سماعهم صوت الملك ميدياس مرة واحدة.
ـ لك هذا.
قالها القزم واختفى.

من أجمل ما قرأته في توصيف العلاقة بالمدن، توصيف قرأته في رواية (روساريو) للكاتب الكولومبي خورخي فرانكو التي ترجمها مارك جمال

ذهب الملك في اليوم التالي إلى الجزار ليشتري السجق ودجاجتين، وقبل أن يدرك ما يحدث قام أحدهم بالتقاط صورة له، وعقد لقاء مع امرأة لمست يده في المتجر، وصار السجق الذي اشتراه مشهوراً، وأطلق عليه "سجق ميدياس". اشتهر المزارع الذي ربى الدجاجات وذاع صيته حول العالم، وعُرِف عند الناس بالمزارع الذي ربى الدجاجات التي اشتراها الملك.

امتطى ميدياس حصانه فصار أشهر حصان في العالم. لمس الملك قلعته فقدم الناس من كل حدب وصوب لمشاهدتها، ذهب إلى الحلاق والبقال والخباز، فتكرر الأمر، صاروا جميعاً مشهورين. إن ربّت الملك على ظهر كلب، يرغب الناس في تسمية أبنائهم على اسم الكلب.

في يوم من الأيام وقعت عينا الملك على أجمل وصيفة في العالم، فتاة زرقاء العينين، شقراء الشعر، رقيقة المبسم، بيضاء الأسنان، كانا يتقابلان دائماً في بيته الصيفي، لمسها ميدياس برقة ولمسته، تلامسا كثيراً حتى لم يتركا موضعاً لم يلمساه أو يداعباه أو يلثماه، فكانت ثمرة حبهما ولدين صغيرين. ظهرت الوصيفة الجميلة على صفحات الجرائد حول العالم، التقطت لها الصور حتى احمرّت عيناها وابيضّ وجهها من ضوء الكاميرات. حاولت الهروب في سيارة ميدياس العالمية لكن المصورين كانوا يقفون بطول الطريق يلتقطون الصور إلى أن أصابها العمى فاصطدمت بعمود إنارة ولقيت مصرعها.
بكى الملك وانتحب فنشرت الصحف تلك الأنباء، بكى الطفلان طول الليل والنهار، لكن الصحف لم تذكر ذلك لأن الملك لم يلمسهما قط، فأبناء الملوك ينعمون برعاية من الوصيفات لا يحتاج الملوك معها إلى لمسهم، لم يكن لديهما أي سلوى، أجهشا بالبكاء، وفشلت الوصيفات في التخفيف عنهما، وصاح الطفلان يناديان على والدهما ليحتضنهما، لكن الملك ظل واقفا ينظر إليهما في حزن شديد من بعيد. لم يعد بمقدوره احتمال لمس أحد ثانية".

...

ـ بمناسبة الحديث عن الصوابية السياسية ووطأتها التي تدفع الكثيرين إلى التفكير فيما يكتبونه خوفاً من عواقب الغضب العام المندفع، تقول الكاتبة الأمريكية تارا ويستوفر في مذكراتها (المتعلمة) التي ترجمها الأستاذ خالد الجبيلي إنها بذلت جهداً كبيراً لتقرر إن كان عليها أن تذكر كلمة (زنجية) في كتابها، "لما تنطوي عليه من قوة وحشية"، وشعرت أن من الملائم أكثر أو المريح أكثر أن تستبدلها بعبارة تلطيفية أخرى كيلا تثير هذا المارد القديم، لكنها قررت في النهاية أن تورد هذه الكلمة كما سمعتها تطلق، وتقول إنها " قررت ذلك انسجاماً مع ما قالته المؤرخة ديان ماك هورتر بأن "تطهير لغة الفصل العنصري يكمن في إسكات قوتها التدميرية، أو في نبذها أو التقليل من قيمتها"، ثم تختم رأيها المهم قائلة: "أرى أننا لكي نحترم ماضينا، وماضي الذين عانوا فيه الكثير، يجب أن نحاول على الأقل أن نراه كما كان".

...

ـ من أجمل ما قرأته في توصيف العلاقة بالمدن، توصيف قرأته في رواية (روساريو) للكاتب الكولومبي خورخي فرانكو التي ترجمها مارك جمال، والتي يتحدث فيها عن مدينة ميديين الكولومبية قائلاً: " تطوق مدينة ميديين ذراعان جبليتان. عناق طبوغرافي يحاصرنا جميعاً في المساحة نفسها. لطالما حلمنا بأولئك الذين وراء الجبال، وإن شق علينا اقتلاع جذورنا من تلك الحفرة. إنها علاقة حب وكراهية مفعمة بمشاعر تليق بامرأة أكثر مما تليق بمدينة. إن ميديين تشبه سيدات الماضي، فهي كثيرة الأبناء، كثيرة الصلوات، تقية، مولعة بالتملك، وهي في الوقت نفسه أمّ، غاوية، عاهرة، خلابة، صارخة المفاتن، الراحل عنها يعود، وجاحدها يتراجع، وشاتمها يطلب الصفح، والمعتدي عليها يدفع الثمن. عجيب جداً أمرنا مع تلك المدينة، فعلى الرغم من الخوف الذي تبثه في نفوسنا، والرغبة في الرحيل عنها، تلك الرغبة التي نازعتنا جميعاً ذات مرة، ومع أننا قتلناها مرات كثيرة، فدائماً ما يكون النصر حليف ميديين في خاتمة المطاف".

لا أظن أنك لو أزلت اسم ميديين وكتبت بدلاً منه اسم القاهرة أو دمشق أو بيروت أو طنجة أو غيرها من مدننا الأم ستحتاج إلى تغيير شيء في السطور السابقة التي ستبقى معي طويلاً.