البحث عن قبر النديم (3/3)

البحث عن قبر النديم (3/3)

08 ديسمبر 2021
+ الخط -

إياك أن تظن أن بلدا لا يحترم موتاه يمكن أن يحترم أحياءه، أنت تظن أن العكس هو الذي يجب أن يكون صحيحا، وظني أنك مخطئ، لن تجد أمة متحضرة تهمل موتاها أو تتجاهلهم أو تسمح بإهانتهم، تذكر كيف كنا نحترم الموتى في عصور حضارتنا الفرعونية والقبطية والإسلامية، ثم قارن ذلك بما تعرضت له مدافن الموتى لدينا في الأربعين سنة الأخيرة من انتهاك وإهانة وإهمال؟

لن أذكر لك الآن سوى مثل وحيد تذكرته وأنا أجوب مدافن يحيى أفندي التي تتوزع فيها المقابر بين غابة من الأشجار الباسقة تطل على مضيق البوسفور، تذكرت مدفن الإمام محمد عبده الذي كان يشترك مع النديم في التلمذة على يد جمال الدين الأفغاني وفي حلم الثورة العرابية المجهض، ثم تباينت بهما السبل بعد هزيمة الثورة، وقرر محمد عبده أن يتخذ طريق "الإصلاح من الداخل" بعد أن فشل حلم الثورة، ومات في وطنه معززا مكرما وظل رمزا للفهم الوسطي المستنير للإسلام كانت تحتاج مصر إليه، لكنها أهملته وأهملت أفكاره وكتبه وسيرته، وهو إهمال تجلى في أبشع صوره في عام 2010 عندما نشرت الصحف صورا لمدفنه في مقابر الإمام الشافعي وهو محاط بأكوام هائلة من القمامة، وبرغم أنني أذعت ما نشر وصورت تقريراً في برنامجي (عصير الكتب) عن ذلك، فإن أكوام القمامة تم إزالتها بعد إذاعة التقرير ثم عادت لتصبح أضخم وأقبح، ولا أظن حال مدفنه قد تغير الآن إلى الأفضل.

بلاش، كم من المرات قرأت في الصحف تحقيقات عن مقابر عظماء مصر التي تحولت إلى نهب للصوص وتجار المخدرات وأغرقتها المياه الجوفية. هلا جئت معي إذن إلى مدافن يحيى أفندي لترى كيف تم اختيار المكان بعناية لكي يكون بعيدا عن خطر المياه الجوفية؟ هلا شاهدت كيف توضع على كل قبر علامة تحمل رقما يحيلك إلى سجل يحتوي معلومات عن المدفونين في القبر وتواريخ دفنهم لكيلا يختلط مكانهم يوما ما؟

المدفونون هنا ليسوا جميعا من المشاهير أو العظماء، ومع ذلك فهناك احترام كامل لآدميتهم، يسمح لبعض العائلات أن تميز موتاها بشواهد أضخم أو أجمل أو أن تتخذ لنفسها ركنا خاصا، لكنك لن تجد قبرا مهملا لأن صاحبه رجل من عامة الناس.

أياً كان الزمن الذي ستقرأون فيه هذه السطور، اقرأوا الفاتحة لعبد الله النديم وطالبوا باستعادته إلى مصر والمصريين رفاتاً وسيرة ومعنى

في مكان يطل على البوسفور مباشرة رأيت قبراً كُتِب على شاهده بخط فارسي جميل «المدفون في هذا القبر الشريف السيد إسماعيل عبد الباقي توفي غريبا وغريقا وراجيا شفاعة النبي العظيم». على الشاهد كتب تاريخ الوفاة سنة 1290 هجرية، ومع ذلك يبدو القبر كأنه أنشئ بالأمس، يبدو جلياً أن يد الرعاية تتعهده هو وغيره بين الحين والآخر.

هناك كم من الموظفين يتوزعون في أرجاء المدافن لمساعدة الزائرين على الوصول إلى مقابر ذويهم، لا يبدو المكان مفرطا في فخامته كما رأيت في مقابر إدنبره مثلا التي تشعر فيها بوحشة رهيبة، هنا الأمر يختلف، تشعر هنا بالحنين والشجن، لا تشعر أن قلبك مقبوض، يشجعك المكان على أن تفكر في أخطائك التي يجب ألا تكررها في المستقبل، يشجعك على أن تسال عن جدوى أشياء كثيرة تتصارع عليها مع البشر، هنا تجربة صوفية عميقة تزلزل وجدانك، لكن هنا لن تجد عبد الله النديم حتى لو بحثت عنه مثلي لساعات.

لم أشعر ولو للحظة برغم جمال المكان وتفاصيله الراقية أن عبد الله النديم يستحق أن يظل هنا، حتى لو كان مصير قبره مهددا بأن يلقى نفس مصير الإمام محمد عبده وغيره.

بالطبع، مسألة استعادة عبد الله النديم بالنسبة إليَّ ليست رمزية، هي مسألة تتعلق بالجوهر، بما ينبغي أن تكون عليه مصر بعد أن وضعت قدميها أخيرا على الطريق الصحيح، تاريخنا لا يصح أبدا أن نتعامل معه بمنطق (الحي أبقى من الميت)، لا سبيل إلى حاضر يحترم آدمية الإنسان ومستقبل يحقق تقدم الوطن بدون ذاكرة وتاريخ وإحياء لسيرة الموتى وكفاحهم وما ناضلوا من أجله.

مع الأسف، لم أجد عبد الله النديم في مدافن يحيى أفندي برغم استعانتي بموظفي المدافن الذين قالوا إن الأمل الأخير يمكن أن يكون في دفاتر المدافن التي توجد في مكاتب المشرفين عليها، وهو ما يتطلب جهدا رسميا يمكن أن تبذله حكومتنا إذا أرادت أن تضرب مثلا على أننا سنعود ثانية لنعرف قيمة تاريخنا وأهمية رموزنا. كنت قد قرأت في أحد أجزاء كتاب (سنوات قبل الثورة) للكاتب صبري أبو المجد عن محاولة تبناها عام 1977 لإعادة تكريم رموز الثورة العرابية الذين حاصرهم الإهمال والتهميش وتمت مصادرة ممتلكاتهم، وكان من بين ما طالب به استعادة رفات النديم، وتمت مخاطبة الرئيس السادات بذلك عن طريق الوزير يحيى الجمل الذي ستقرأ في الكتاب نص الخطاب الذي أرسله إلى «أبو المجد» يبشره بموافقة الرئيس، وها هو السادات قد مات وجاء بعده مبارك، وخرج الدكتور يحيى الجمل من الوزارة ثم دخلها مرة أخرى بعد أكثر من 34 عاما، ولم تنجح مصر في استعادة النديم، ولم يتم تكريم رموز الثورة العرابية، ولازال المصريون لا يعرفون شيئا عن الأبطال الحقيقيين لثورة 19، ولا يعرفون شيئا عن انتفاضتين من أجمل وأشجع الانتفاضات الشعبية في 1935 و 1946، لتروج بينهم الأفكار البلهاء عن خنوع المصريين وذلتهم وخضوعهم الذي انتهى بثورة يناير، مع أنها لم تكن سوى حلقة من حلقات كفاح هذا الشعب ستتواصل حتى ينتصر.

وسط القطط التي تملأ المقابر بكثافة لكي تطرد الهوام والحشرات عن المقابر، جلست أتذكر سيرة النديم بعد أن يئست من العثور على قبره، أخذت أطالع شاهد قبر يحمل تاريخ 1314، وقد كتب عليه بخط فارسي جميل (لا خلاص من الموت.. الله باقٍ) ثم كُتبت تحت تلك العبارة الرهيبة أبيات جميلة من الشعر تقول:
«قضى وطرًا مَولى الجميل وربُّه
سليلُ المُرجَّى من ولا شك مُسعدُ
حليفُ العلا الشهمُ الوفيّ أخو التُّقى
وأكرمُ من قد كان يُرجَّى ويُحمدُ
أقول ودمعي فوق خدي ساكبٌ
وقلبي من نار الجوى يتوقَّدُ
على قبره الرحمات مُذ حَلَّ أُرِّخت
يُنعَّم ضيفُ اللهِ أحمدُ أسعدُ».

جلست أنقل الأبيات قائلاً لنفسي: لعلنا عندما نستعيد النديم إلينا نكتبها على شاهد قبره الذي سنشيله في حبابي عينينا، ونحيطه بمتحف يحكي قصة كفاحه العظيمة من أجل الشعب المصري. ثم أخذت طريقي إلى الخروج من المقابر وأنا أقرأ الفاتحة للنديم ولكل أبناء مصر الذين جاهدوا من أجل أن تكون بلادا تحترم إنسانية مواطنيها أحياء وموتى، وقد رحلوا إلى جوار ربهم دون أن يروا بشائر النصر وهي تحل على مصر، لكنهم كانوا على يقين بأن الله لن يضيع هذه البلاد أبدا، وقد كان، ولن تضيع هذه البلاد أبدا مهما ظن الباطشون أو المتآمرون أو اليائسون.

أياً كان الزمن الذي ستقرأون فيه هذه السطور، اقرأوا الفاتحة لعبد الله النديم وطالبوا باستعادته إلى مصر والمصريين رفاتاً وسيرة ومعنى.

...

فصل من كتابي (التغريبة البلالية) نشر لأول مرة في صيف 2011، وقد سعدت جداً حين قال لي كاتب صديق يقيم في إسطنبول منذ سنوات أنه استطاع مؤخراً العثور على قبر النديم، وأنه سيكتب قريباً عن اكتشافه لقبره، ومن يدري، ربما كان ذلك الاكتشاف بداية لعودة النديم إلى مصر يوماً ما، لكن الأهم أن تكون مصر نفسها قد عادت لتنعم بالحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية التي حلم بها النديم وعاش ومات من أجلها.