أن نكتب بالألوان، أن نتكلّم بالألوان فقط!

أن نكتب بالألوان، أن نتكلّم بالألوان فقط!

23 يناير 2021
+ الخط -

الألوان؛ حكاية الرغبات، وطاقة حضورها لا تكفّ عن تغيير عواطفنا، نلبس ونخطط ونعبث في ديكورات المنازل، وألوان الكلمات في شاشات النصوص؛ فيصبح للإيقاع شكل آخر من الشهوة. نحن نفترض كيف للون أن يأخذ لغةً أخرى.

اليوم كان لا بدّ من كسر "رتم" السواد الذي يطفو على وجوه الثياب في الشوارع، الناس تحبّ الاتزان بأسلوبٍ فاجر، إنّهم يخلِصون للألوان الفاقعة بعفويّة واستسلام، دلالاتهم التي يفكّرون بها تحيلنا للانغلاق الذاتيّ الذي يعاني منه الكون في عيون العالم الآخر، ربّما! ولو جرّبنا تأمّل أيّ مشهد في الزحام خلال أحد الشتاءات فسوف يؤلمنا هذا المدّ القاتم، هناك احتراف ووقاحة بإغلاق الوجه والأجساد على حواجز تغطس في كتمانها، قد تكون مجرّد أفكار حول انطباعات الناس عن أشكال أفكارهم، أحلامهم التي لا يعرفون كيف يفسّرون آمالها البعيدة... لا أظنّ أنّ للثقافات والتقاليد تأثيراً في ذاك المشهد، مقارنةً مع طبيعة الأشخاص وتبعيّتهم للسائد، ما أقصده تماماً؛ هو معاناة القتامة المطلقة التي يمكن أن تطاردك وأنت في الطريق والباص أو حتى في المطعم والمقهى أو البار، الفرق هو ما ينطلق نحوك وأنت تركّز في الثياب الرماديّة أو الكحليّة أو السوداء... وما شابهها من قتامة لا تصدّق!.

عندما أفكّر للحظة: هل يمكن أن نتحدّث بتأثير الألوان، كما نكتبها؟ وكيف يستطيع اللون أن يأخذ مكانه في شعورنا أثناء نطقه؟

حديث ملوّن! حسناً، ربما سوف يصبح لصوتنا إيقاع مشابه لقوى اللون وكثافة تأثيره، ثم سوف تتحوّل عيوننا أثناء التحضير لإطلاق الكلام نوافذ تقريباً، أو تكاد تأخذ منّا الطاقة إياها التي تتواتر وتختلف من لون إلى آخر.

نقول صرخنا، أو ربّما نمارس صراخنا بالطريقة التي تستحضر اللون القريب إلى طباعنا أو أفكارنا، وألوان ثيابنا، أو ألوان ديكوراتنا واختياراتنا للأشياء المحيطة بنا... ثمّة شيء من الصخب الجنونيّ الكافي في النص حين ينضج على أفواهنا ثم يهبط على الأوراق أو على أزرار لوحة الكتابة...

**

كانت مُدرّسةُ اللغة الخاصّة بي تبدأ دروسها لي وهي تمسك بقلم أزرق ناشف، وبالتالي لم أشعر بأيّ اختلاف أنّ مفاتيح اللغة اليونانيّة التي أريد الوصول إليها عبر تعلّمها، كانت قد ظهرت؛ ذلك أنّ انطباع الاعتياد لم يقلب شيئاً من لحظة اللقاء الأوّل للتعلّم، ولكن بعد قليل جرّبتُ أن أستخدم قلم رصاص من النوع الناعم "البُوْاز"، فتعلّقت المعلّمة به وتركتْ اللون الأزرق، وأظنّ لو أنّي اخترتُ اللون الأحمر أو الأخضر مثلاً لأخذتْ به، أو قد يكون لمرونة الرصاص وإمكانيّة مسحه بسهولة وتعديل الكتابة دور في ذلك.

دفعني ما سبق _من محاولة تغيير قلم تمارين اللغة_ للتساؤل: لماذا ثمّة ألوان معيّنة نستخدمها في الكتابة؟ من اقترح أنّ هذه الألوان هي فقط المتاحة؟ أعتقد أنّ ذهنيّة "التبعيّة" تتدخل في ذلك، لكن رؤيتي لإحدى الطالبات من هنغاريا واسمها "كاتا" تتعلّم معي اللغة اليونانيّة في جامعة قبرص، كانت تستخدم ألوان أقلام غير مألوفة إطلاقاً، كالبنفسجيّ والذهبيّ والسماويّ الخافت. كانت ألواناً – على المستوى الشخصي- لم تخطر على بالي، إلا أنّ الطالبة فيما بعد أفصحتْ عن أنّها تعمل في تدريس المسرح والرقص في بلادها ولا يمكن لها أن تفكّر بذات الألوان التي يفكّر بها الآخرون. "كاتا" كانت تلوّن حتى الدروس اليونانيّة والملاحظات اليوميّة وجدول المواعيد، كأنّها بعيدة عن الاعتياد بشكل كبير، وتلك دلالة على أنّ الإنسان قادر على التمرّد والتفكير في ألوان مهمّة، بدت للآخرين هجينة، وبالمحصّلة هي انعكاسات فكريّة تأخذنا إلى أسئلة من قبيل التغيّر المستمر لحياتنا وتفاصيلها مهما كانت عابرة.

الرصاص اليوم في بلادنا "سوريا" لا يعبّر سوى عن لغة الموت التي كتبها أصحاب الحكم هناك منذ الانقلابات العسكريّة، وفكّرت للحظة: هل يمكن للرفاهية أن تكون مؤقتة وقابلة للمحو؟ كما كلمات قلم الرصاص الهشّ

**

مرّة قال لي ابن الجيران _قبل نحو خمسة عشر عاماً_ في بيت أهلي بدمشق في حيّ السيّدة عائشة، "أو ما بات يعرف بـ (نهر عيشة) بالعاميّة السوريّة المحبّبّة"؛ قال لي: إنّ الكتابة بالرصاص _يقصد القلم_ هي أحد أنواع التعبير عن "الرفاهية"! توقّفت عند هذه الكلمة كثيراً، وكدتُ أجنّ؛ كيف يمكن أن يكون الرصاص تعبيراً عن الرفاهية؟! والرصاص اليوم في بلادنا "سورية" لا يعبّر سوى عن لغة الموت التي كتبها أصحاب الحكم هناك منذ الانقلابات العسكريّة، وفكّرت للحظة: هل يمكن للرفاهية أن تكون مؤقتة وقابلة للمحو؟ كما كلمات قلم الرصاص الهشّ، الضعيف، ذي اللون القاتم الهادئ الذي يمكن أن نغيّر شهادته بجرّة ممحاة، ولن يستطيع أحد أن يرى ما كتب قبل المحو إطلاقاً؟

إلا أنّني اقتنعتُ فيما بعد أنّ تلك "الرفاهية" المقصودة هي خفّة اللون وبطء نضوجه، تأخّر صراخه، وإطلاقه القديم لعقود من السنوات في أيادي الأطفال أثناء المرحلة الابتدائيّة في الدّراسة، فكانت الذاكرة بالنسبة له محواً مستمرّاً للتاريخ...

**

إنّ ما يسمّى في العلوم الطبيّة "عمى الألوان" يشعرني بفيض حزنٍ بشريّ أقلّ وطأةً مما قد أشعره من أسى "العمى المطلق"، وبحكم عملي بالصحافة والكتابة والقراءة الإلكترونيّة فإنني أفقد متعة التلوين، ولا معنى لما سوف ننجز مهما كانت الخطوط رشيقة وخاصّة وغريبة؛ فالألوان الحقيقيّة غائبة وكذلك ملمس الألوان الذي ينمو تدريجيّاً أمام العين، يكاد يصبح جنديّاً تأمره بالتكاثر بكبسة زرٍّ واحدة، وتمحو كلّ ما فعلته بكبسة زر أخرى، بينما أنت فاقد لدهشة التكنولوجيا وسحرها، تتأمّل بالسرعة الخارقة للوصول إلى الكلمات وتغيير شكلها، ما يوحي لك أنّ "عمى الألوان" ذاك يتحوّل أمامك إلى "عمى أحاسيس"! أجل، لم تعد تشعر بمتعة الألوان وتحسد الأصدقاء الذين يعملون بالكتابة أو الفنّ التشكيليّ ولديهم "جهل" بالتقنيات المساعدة لتلك المهن الإبداعيّة، ما يسمح لهم بالغرق في أحاسيس متعدّدة أمامهم من ألوان وأشكال فراشٍ وأقلام، ويبحثون عن وسائل لتعلّم المهارات الحاسوبيّة، ولكنّهم في الباطن يحلمون باستقرار لجهل حولها؛ حتى لا يفقدوا ما فقدتُ من أحلام بتلقائيّة الكتابة الملوّنة، وخصوصيّة حروفها، وطبائع تأثيرها على الذاكرة في ما يخصّ الكتّاب أقصد هنا، أمّا التشكيل الفنيّ فيبدو لي أكثر قوّة من الكتابة في صراعها مع التطوّر البصريّ الإلكترونيّ..

نيقوسيا - /6/11/2017
في الوقت الذي أستعدّ به للغياب، أبحث عن قميصٍ أزرق بخطوط بيضاء مشوّهة، مثل ألوان الغيوم المتقلّبة، ليس الأبيض الواثق من نصوعه؛ إنّما هو التدخل الغادر الذي يلوث اللون الأزرق المستسلم... هكذا حاولتُ أن أفكّر برتابة اللون الذي تكتب به معظم البشريّة، لون الهدوء والاستسلام، لون العنف المائيّ على صفحات البحر... كلّ الأجساد هناك تنغمس بالماء بحثاً عن لون السماء، لكنّ أحداً لم يخبر هؤلاء أنّهم يداعبون الماء فقط! الماء حيث لا توجد ألوان أو تنازلات، هؤلاء حولي في قاعة اللغات، تفحّم جلدهم الأشقر من شدّة البحر وغضب الشمس الصيفيّة.

جزيرة تدفعك للتفكير بالألوان بينما هي غارقة في قتامة الانتظار، فالتمرّد لا يكون إلا بين الجدران وفي بارات المساء.

الحريّة المطلقة التي أعاني منها هنا، جعلتني أبتكر جملاً نثريّة هنا، وصحافيّة هناك... ربما بلا معنى في مكان آخر! هل نحن نقف فعلاً على قطعة أرض وسط البحر، شرق البحر الأبيض المتوسط، نفكّر لماذا لا يتلوّن كلّ ذلك؟ لماذا لا يكون لون الحزن شمسيّاً؟ لماذا لا تصبح الأضواء سوداء، ونصوعها يكون الليل الطويل؟ لماذا نتساقط فوق الصفحات في مساءات العاصمة الصغيرة، ونبحث عن حانة بلون الرصاص المترف؛ تلك التي كؤوسها حمراء وكحولها أخضر وبشرها من ضوء وأجساد وزوّارها من غبار العابرين البنيّ؟... لماذا أعجز عن كتابة ما يشبهني الآن وأطرح كلّ هذه الحماقات التي من شأنها أن تثبت لي مدى تراجعي عن قصائدي وأحلامي وأفكاري، مدى تنازلي القذر من أجل المال والعمل لكلّ هذا العبث؟!

لكي أكتب عن الألوان، وهكذا عن الألوان، بينما أبحث عن الغياب، أبحث عن قميص الغياب، وارتباك عينيّ يفضحني، أي هي هذه الألوان التي أحلل حولها قراءة ساذجة، وأنا الذي جرّب أن يضرب فرشاة الألوان المائيّة على ورقٍ مباشر؛ فدخل بغيبوبة تتلاشى منها الذكريات والألوان والأحبار وصفحات الأخضر المحترق والأحمر الفاجر والرصاصيّ القاتل وها هنا؛ هنا فقط الأزرق المستسلم مثلنا في غياب الانتظار والأبد الصغير الممحو منذ قليلٍ على سبّورة القاعة؛ حيث أحلم بلغةٍ تنقذني من الألوان وتنهي هذا الأرق.