أضغاث أفكار في رثاء خالد الذكر مايكل جاكسون بلال

أضغاث أفكار في رثاء خالد الذكر مايكل جاكسون بلال

24 يونيو 2021
+ الخط -

يا عيني عليك يا مايكل..

عندما كنت صبياً "في سن خطر" كان أغلب الناصحين لي يحذرونني من خطورة الافتتان بالمغني العالمي مايكل جاكسون لأنه ليس سوى يهودي "ناصح" داعر سخرته الصهيونية العالمية من أجل أن يفتن شباب المسلمين ويقنعهم بالانسلاخ من جلودهم كما انسلخ هو من جلده، وبالطبع دفعني الإفراط في النصح أنا وغيري لأن نتناصح بسماع موسيقى مايكل ومشاهدة رقصه سراً، وعندما سمعته مترقباً متعة الخطيئة خاب أملي، واكتشفت أنني استمتعت أكثر بالشيخ سيد مكاوي وهو يتجلى مغنياً: "الليل بدموعه ساكت وويلي من سكاته"، وهي بالمناسبة أول أغنية سمعتها من ورا ضهر أبي الذي كان يحرم سماع الغناء.

كانت تلك لحظة الحقيقة الأولى التي اكتشفت فيها أن الغناء الغربي لن يدخل في ذمتي بنكلة مهما حاولت أن أفهمه أو أتذوقه، بعدها جربت بعد ذات فيديو أن أقلد حركة راقصة أبهرني أداء مايكل لها، فاختل توازني وارتطم رأسي بحرف الدولاب، ومع أن الله سلّم ولم تسل مني دماء تتطلب التفسير، إلا أنني تعلمت درساً مستفاداً، لا أعني استحالة تقليد رقص مايكل المعجز، بل أن نظرية مؤامرة الصهيونية العالمية لا تخلو من الوجاهة، فلو حاول شباب المسلمين أن يفتتنوا بمايكل جاكسون وحاولوا تقليد رقصه الداعر كما فعلت لما بقي الكثيرون منهم بصحة جيدة تكفي لمقاومة مؤامرات الصهيونية العالمية.  
عندما كبر مايكل وكبرت معه أكثر، وجدت أغلب من كانوا لي من الناصحين يكبرون ويهللون لأن الله هدى مايكل جاكسون إلى الإسلام، لأن ملايين المعجبين به في أنحاء الأرض سيدخلون في الإسلام حتماً ولزماً، ومرت السنون دون أن يحدث ذلك، ربما لأن الجميع عَلِم والعلم عند الله أن إسلام مايكل كان سبوبة لتضبيط أموره المالية مع نجل ملك البحرين التي استضافته لديها لفترة بعد أن أفلس وقضى أياماً صعبة بين ديون متراكمة وأزمات نفسية وصحية واتهامات تواصل تسريبها بأنه كان يأخذ بعض عيال لوس أنجلوس ليريهم " القطر" في مزرعته الشهيرة "نيفر لاند"، وهو ما جعل كثيرين من الذين فرحوا بإسلامه "يستعرّون" منه ويطعنون ليس فقط في صدق إيمانه، بل في حُسن إسلام جماعة "أمة الإسلام" التي أسسها الأميركي الملتبس لويس فرخان والتي ينسب لها فضل إدخال مايكل في الإسلام، وهي الجماعة التي ينتمي لها أخوه الأكبر الذي أعلن أن مايكل كان دائماً يحتفظ بمصحف صغير معه، وأنه أوصى بتغسيله وتكفينه وفقا لمبادئ الشريعة الإسلامية ودفنه متجها إلى مكة.

حين أعلن خبر وفاة مايكل جاكسون، كنت في لندن، ورأيت في حديقة الهايد بارك بقلب لندن فتيات في عمر الزهور وشباناً في حجم البغال يتشحتفون عليه من البكاء الذي تحول بعد قليل إلى حالة غناء ورقص جماعي للتعبير عن افتتانهم بأسطورة مايكل، وإن كان مراقب عجوز ساخر قد قال لي إنهم لم يكونوا يبكون حزناً عليه، بل على قيمة تذاكر حفلاته التي راحت عليهم، والتي كان ينتظر لها أن تكون أبرز حدث فني في بريطانيا في تلك السنة، وكان مايكل قد أجرى بروفاتها الأخيرة قبل رحيله بأيام، والمذهل أن مايكل كما كشف المحيطون به، من فرط إدمانه للمخدرات و"البورشام" لم يكن قد قرأ عقود الحفلات التي وقعها مع شبكة المحمول البريطانية الكبرى "أو تو" فقد كان يظن أنها عشر حفلات فقط، مع أن العقد كان ينص على خمسين حفلة تنطح حفلة في شتى أنحاء بريطانيا، أي أن مايكل لو لم يكن سيموت من المخدرات كان سيموت من الإرهاق.

في أكثر من موضع من حوارها أقسمت المربية أنها تقول هذا الكلام ليس لأنها تنتظر أبيضا أو أسودا من ورثة مايكل فهي تعلم أن "اللضى" لم يكن حيلته

كمواطن شرق أوسطي، فوجئت أن الشركة المنظمة للحفلات التي بيعت تذاكرها فورا لم تبلطج على الجمهور وتقول لهم إن ما حدث قسمة ونصيب وخسارة على الكل ولازم نشيل بعضينا يا جماعة، بل تعهدت أن تعيد التذاكر إلى الجمهور فورا على عينها، ولو أنها حاولت في البدء أن تصيع قائلة إنها ستنصح الجمهور بأن يحتفظوا بتذاكرهم كـ "سوفينير" إن أرادوا، على أساس أن هناك من سيكون سعيدا بالاحتفاظ بتذكرة حفلة مات المغني قبل أن يحييها، قلت في عقل بالي لو كان هؤلاء البلهاء استعانوا بخبير في النصب من أبناء جلدتنا لنفحهم تخريجة توصي بأن يعلنوا أنهم سيتبرعون بقيمة مبيعات التذاكر لدعم الأطفال الذين تعرضوا للتحرش الجنسي، أو يعلن أن الإصرار على رد التذاكر يسيئ إلى ذكرى مايكل الذي أصبح بإسلامه فرداً من أمة لا تقبل العَوَض. 
في الصحافة الغربية لا يؤمن الصحفيون بتاتاً بذكر محاسن موتاهم وإن وجدت.

لكن الغريب أنه برغم رقص آلاف الصحفيين والمراسلين من شتى وسائل الإعلام على قبر مايكل جاكسون الذي لم يستقبله بعد، إلا أن كل ما خاضوا فيه من سيرته قربه أكثر من الناس وكشف لهم أنه ما كان يرقص طيلة عمره إلا مذبوحا من الألم. فلو كان أحد منّا مثقلاً بكم الديون التي كانت على مايكل لاختار اللطم بدلاً من الرقص، مزرعة "نيفر لاند" الأسطورية التي نبر الملايين له فيها اتضح أن البنك حجز عليها منذ سنين وطرده منها شر طردة، الشعر المستعار الذي كنا نظنه عياقة اتضح أنه كان يخفي خلفه صلعة قسرية تسبب فيها حريق حدث له أثناء تصوير إعلانه الشهير لبيبسي كولا سنة حاجة وتسعين، ولونه الأبيض الذي لعنّا سنسفيله بسبب إصراره عليه اتضح أنه كان لعنته التي عاشها طيلة عمره، فعمليات تقشير الجلد التي قام بها لخبطت كيان جسمه وأثرت على نفسيته وجعلته زبونا دائما لأزبل "ديلرات" لوس أنجلوس، ولا يتسع المقام هنا لسرد التفاصيل المأساوية للحالة الصحية التي عاش بها مايكل جاكسون مع أنها تصلح وسيلة ناجعة لإدانة تجار المخدرات وأطباء التجميل، وحتى أبناؤه، تطوعت زوجته الثانية لتنفي بكل "وِطوّ" نسبتهم إليه وأنهم مقتبسون من بنك حيوانات منوية، وأنها أنجبتهم فقط لكي لا تحرمه من تجربة الخِلفة.

ثم زاد وغطى على كل ذلك شهادة مربية أطفاله السابقة لصحيفة (الصنداي تايمز) عقب رحيله مباشرة، حيث أكدت عليه تهمة التحرش بالأطفال الذين كانوا يزورون مزرعته، بل وقالت أنه كان يتحرش بها شخصياً، ثم كشفت تفاصيل مهمة عن السنين التي عاشها مايكل على قفا ابن ملك البحرين آكلاً شارباً نائماً، ليتضح أن الأمير عبد الله لم يفعل كل ذلك حباً في مايكل وفنه، بل كان داخلاً معه في صفقة بيزنس لكي يقيم عدداً من الحفلات الغنائية لحسابه، وعندما خلا به مايكل وأخلف وعده، جرجره الأمير إلى محاكم لندن وطرده ليعود إلى لوس أنجلوس ويضطر مايكل بجلالة قدره للإقامة هو وأولاده لدى بعض أقارب مربيته في منزل صغير جدا عاش فيه ملك البوب عالة على أناس لا يعرفهم.

مربية مايكل قالت أن أم مايكل اتصلت بها بعد الوفاة بساعات لتسألها بالنص: "ما تعرفيش مايكل كان بيخبي الكاش فين"، لكن المربية كانت مهتمة أكثر بمصير أطفاله الثلاثة البؤساء الذين تركتهم على عينها بعد أن رفدها مايكل لأنه أحس أنهم "متعلقين بيها أكتر من اللازم"، ولذلك نصحت الأم أن تبحث في أكياس القمامة وتحت السجاجيد، ومع أن المربية أصلا من راواندا، يعني أفريقية مثلنا ومثل أم مايكل، والمفروض أن تدرك أن الحي أبقى من الميت، إلا أنها استاءت جدا من تصرف أم مايكل وقالت للصحفية البريطانية ما معناه: "شوفي الولية الناقصة ابنها لسه ميت وهمها على الكاش"، ثم سلمت للصحفية وثائق تثبت أنها كانت في الأشهر الأخيرة من عملها تصرف على بيت مايكل، وأنه لم يكن يمتلك أموالا حتى لتنظيف غرف أبنائه التي ملأتها القاذورات، فضلا عن عدم دفعه لمرتبها وتأمينها الصحي مع أن صحتها أصبحت في النازل منذ عملت معه بسبب التوتر الدائم الذي عاشت فيه.

في أكثر من موضع من حوارها أقسمت المربية أنها تقول هذا الكلام ليس لأنها تنتظر أبيضا أو أسودا من ورثة مايكل فهي تعلم أن "اللضى" لم يكن حيلته، ثم تكشف أن أطفال مايكل كانوا يخافون منه بسبب غرابة أطواره التي كان أهونها إجباره لهم على ارتداء أقنعة تخفيهم عن الناس، مع أنهم كانوا شديدي الإعجاب بفنه ويحفظون أغانيه ويقلدون رقصاته لكنهم كانوا يتجمدون رعباً عندما يدخل عليهم ويجدهم يقلدونه، وبالطبع يصعب عليك الأطفال المساكين عندما تعلم أن مايكل بعد كل تلك المرمطة لم يترك لهم شيئا للزمن، بل اكتفى بأن يوصي مكتشفته المغنية الشهيرة ديانا روس برعايتهم في حالة عجز أمه عن ذلك، وأعتقد أن أمه سترحب بذلك إذا لم يدلها الأطفال على مكان "الكاش".

لم يرحل مايكل جاكسون ومعه سر مكان الكاش فقط، بل رحلت معه أسرار كثيرة على رأسها السر الأزلي الذي لا يبدو أن أحداً سيصل إلى إجابة قاطعة له: كيف يمتلك الإنسان كل أسباب السعادة ويفشل في امتلاك السعادة وراحة البال؟ وكيف يستمر الإنسان في نسيان أنه يمكن أن يغير لون جلده وزاوية ميل مناخيره وخانة ديانته في البطاقة وزوجاته وحشمه وخدمه، لكنه لا يمكن أبدا أن يغير الشيء الوحيد الذي سيفرق معه فعلاً لو تغير، ساعة موته!

الفاتحة أمانة لأخيكم في الإنسانية المعذبة مايكل جاكسون.

...

كتبت هذه السطور عقب رحيل المطرب العالمي مايكل جاكسون عام 2009، وأعيد نشرها بمناسبة ذكرى رحيله التي تحل غداً.