عن النكايات: رد على محمد الحاج صالح

سلامة كيلة

12 أغسطس 2015

مع تصاعد قوة المجموعات الأصولية في سورية، وتغطيتها على الثورة، انساق قطاع من النخب في موجة الأصولية، حيث بات يتبنى تصوراتها، ويدافع عنها على اعتبار أنها "جزء من الثورة". وزاد عيار الحديث عن "طائفية النظام"، أو "النظام الطائفي"، والطائفة التي يمثلها النظام. كتبت مقالات عديدة ذلك، ولا أريد تكرار ما قلت فيها، لكنني نقدت "الطائفية المضادة"، أو "المظلومية السنية" التي باتت تتكرر، واعتبرت أن هذا المسار هو الذي أضرّ بالثورة، ويدفعها إلى أن تتحول عن أهدافها، وتقع تحت سيطرة دول إقليمية ودولية، باتت تحدد مصير الوضع وشكل "البديل". 
دائماً كان يتقدم من يرد على ما أكتب من منظور دفاعي. في (العربي الجديد) تاريخ 8/8/ 2015 رد من محمد الحاج صالح على مقالي عن "المظلومية السنية" المنشور يوم 6/ 8. كنت أتمنى أن يناقش ما قلت، لا أن يتسرّع إلى استخدام أحكام القيمة التي لا معنى لها، ويلجأ إلى الاتهام ببساطة، فقط لاختلاف فهم مسائل، على الرغم من أن الرد مبني على عدم فهم ومعرفة، ويوصل إلى أنني أدافع عن النظام السوري، ومؤيد للنظام العراقي، هل هناك أعمى من ذلك؟ فقط الدفاع الغريزي عن مواقف يقود إلى ذلك، والدفاع الغريزي قائم على استقالة العقل.
ما حاولت قوله إن الصراع في سورية ليس صراع "أغلبية سنية" ضد "نظام علوي"، فهذا منظور طائفي للمسائل، ينطلق من تحديد الواقع، انطلاقاً من التقسيمين، الديني والطائفي. وذكرت أن المظلومية طبقية، ويجب أن تُرى كذلك. لهذا، أشرت إلى تحيزات تكسر مفهوم "المظلومية السنية". وإذا كان ينطلق من أنه العالِم بماركس، ووجد أنني، كأكثر اليساريين، دخلت "الطبقية والمادية" من دون علم ماركس، بل عبر "الطاقة" السوفييتية، فيبدو أنه لا يعرف خلفيتي الفكرية، وأنني منذ بدأت قراءة الماركسية ألقيت بكل الكراسات السوفييتية في سلة المهملات، ما جعلني أفهم ماركس الاقتصادي الطبقي، بل إن من بات يؤسس على "الوطنية" أو "الديمقراطية الليبرالية" أو "الثقافوية" هم هؤلاء الذي عرفوا الماركسية عبر السوفييت، والذين من السهولة عليهم أن ينساقوا خلف التيارات الرائجة، ليبرالية أو سلفية، فلا أتلوث بالتيار الرائج وأتلون معه.
كان مقالي يتناول "المظلومية السنية"، وأرى أن الفهم العلمي يتجاوز التحديد الطائفي، حتى حينما يوجد لا بد من تفسيره على أساس أنه تلوث أيديولوجي لدى طبقات، واستخدام مصلحي لدى أخرى. ولهذا، يجب أن نحدد معنى الطائفية، لأنها لا تشمل كل انحياز يُظهر تماثلاً ما، حيث أنها بالضبط اعتناق أيديولوجية طائفة، واستعادة الموروث الصراعي على ضوئها. وعلى الرغم من أن المقال لم يكن لتحديد، هل إن النظام طائفي أو لا، فقد كتبت مقالات عديدة عن ذلك، وكان يمكن لمحمد أن يناقشني بما كتبت، لا أن يصدر أحكام قيمة لا قيمة لها، فقد ركّز على هذه المسألة هنا. فاستناداً لتحديدي معنى الطائفية، لا أرى أن النظام طائفي، لكنني أشرت، سابقاً، إلى أنه يستخدم الطائفية إلى أبعد مدى. هذا ما حللته منذ بدء الثورة، والنظام يسعى إلى سيطرة المنظور الطائفي للصراع. وإذا كانت مفاصل السلطة تنتمي لطائفة، وهذا صحيح، فلذلك أكثر من تفسير، وليس تفسيراً وحيداً، هو أن النظام طائفي. بل إن التحليل السوسيولوجي يمكن أن يعطي تفسيراً آخر، يتعلق بطبيعة علاقات القرابة والبيئة في تحديد ترابط الأفراد. ولا شك في أن البيئات الريفية تميل إلى الاعتماد على هذه العلاقة بالأساس. لهذا، بدل أحكام القيمة يمكن نقاش هذه "الفرضية" مثلاً.
يجعلني تحليلي "الطبقي المادي" أرى البنى الاقتصادية أولوية، وأعالج الأفكار على أساس ذلك، لا أن أغرق في منظور مثالي ثقافوي، ينطلق من انقسام المجتمع إلى طوائف وأديان. لكنني أدرس كيف تستغلّ الطوائف والأديان، فكما استغلّ النظام العلويين، استغل "الجهادية السلفية" بكل جدارة، ولا يفعل ذلك نظام طائفي، بل نظام يدافع عن مصالح طبقة تحكم. نظام لعب في كل البنى المجتمعية المخلَّفة، وليس في الطائفة العلوية فقط. لهذا، جعلني تحليلي الطبقي ضد الطبقة الرأسمالية المافياوية المسيطرة، بشقيها "العلوي" و"السني"، لأنها واحدة، بغض النظر عن ميزان القوى بين أجزائها، وهي التي يقاتل النظام باسمها.

هنا، لا يتعلق الأمر بأغلبية سنية وأقلية علوية، بل بطبقة مسيطرة وشعب مفقر أو متوسط الحال. أما كل موروثات الماضي، فقد لعب بها النظام والدول الإقليمية والإمبريالية، لكي تشوه الثورة، وتحوّلها إلى صراع طائفي و"حرب أهلية" محكومة لهؤلاء. وسأشير، هنا، إلى ما كتبته مراراً، وهو أن وضع العلويين المفقرين، بانسياقهم خلف النظام، هو نتاج عمل مزدوج، ليس من النظام فقط، بل كذلك من أطراف المعارضة التي عملت، منذ البدء، على أسلمة الثورة وتطييفها، وعمل دول إقليمية بدأه الإعلام الخليجي (وحتى الدولي)، حيث كان يجب ألا يسقط النظام من خلال الثورة، بل أن تسير سورية نحو التفكك الطائفي. وهذا ما دعاني، منذ بدء الثورة، إلى مواجهة هذا التيار الأصولي المتخلف الذي أوصل، الآن، إلى أن يرتبط الحل السياسي، الذي هو ليس ما يريده الشعب، بمساومات الدول الإقليمية والدولية، وأن يعاد إنتاج النظام بشكل هزلي. وفي وضع بات الشعب يعتبر أن الحل السياسي مطلب ضروري، بعد كل ما شاهد من وحشية النظام، ومن وحشية الأصولية و"سلطتها البديلة". والحراك الذي بات قائماً ضد "الإمارات الأصولية" يوضح أن الشعب يرفض هؤلاء، كما يرفض النظام، وأنه يريد دولة مدنية.
أخيراً، لا أعتقد أنني أحتاج إلى أسماء صادق جلال العظم وبرهان غليون، من أجل "الشعبطة"، بالضبط لأنني لا أحب "الشعبطة"، لكنني تناولت الاسمين بالضبط نتيجة هذا "التقديس" لما يقولون، حيث إن في أساس كل هذا الفهم للأغلبية والأقلية على أساس ديني اعتناق جزء من النخب السورية ما كتبه برهان في "بيان من أجل الديمقراطية"، الذي كان يعتبر "البيان الديمقراطي" لتيار المكتب السياسي خصوصاً. أما صادق العظم فقد أخذ يتحدث بهذا التقسيم متأخراً، وهو العلماني الماركسي (يبدو أنني يجب أن أضيف السابق)، وينطلق في تحليله من الأغلبية، بالمعنى الديني. شكراً، يا عزيزي، لا احتاج "الشعبطة"، فقد تركتها من زمن طويل لآخرين.


جميع حقوق النشر محفوظة 2017