2018: فصل من التراجيديا اليمنية

03 يناير 2019
الصورة
(تنفيذ غرافيتي على أنقاض مبنى في صنعاء، محمد هويس)
+ الخط -

لا شك بأن الثقافة تكون دائماً من بين ضحايا الحروب، بل لعلّها من أوّل المستهدفين، بتدمير منصّاتها وأصواتها. في اليمن، يمكن القول إن الحرب التي بدأت منذ قرابة أربعة أعوام هي بطلة "التراجيديا" التي يعيشها شعبها؛ فقد أثّرت على كافة مناحي الحياة، ابتداءً بالتفاصيل اليومية البسيطة، ومروراً بالخدمات العامّة والبنية التحتية التي دُمّرت بشكل شبه كلّي، وانتهاءً بما حلّ بالعديد من المواقع الأثرية من دمار. فهذه الحرب لم تحترم حتى التاريخ البعيد، فطاول قبحها المعالم الأثرية.

مثلاً، تعرّضت صنعاء القديمة للقصف من طيران التحالف، ولم تواجه المدينة كارثة القصف فقط، حيث تعرّضت للتشويه من قبل متنفذين في ظل غياب الدولة وعدم استشعار سلطة الأمر الواقع المتمثّلة في الحوثيين بأهمية مدينة هي من أقدم مدن العالم. في الوقت الراهن، وعندما تتجوّل في صنعاء ستشعر أنك وسط سوق شعبي كبير، حيث لا تظهر سوى الشعارات السياسية مُخفيةً كل طابع معماري وزخرفة هندسية.

ورغم أن الثقافة البصرية والمقروءة كانت قبل الحرب ضعيفة، وخاضعة لسياسة انتقائية، ومقيّدة بشروط حزبية ومناطقية، إلّا أن المشهد الثقافي كان له وجود على الأقل، ومن أهم مظاهره إقامة "معرض صنعاء الدولي للكتاب" سنوياً، وما يصاحبه من فعاليات وندوات ثقافية لضيوف من البلاد العربية في الغالب، ومن بلدان غربية أحياناً.

توقّف هذا النشاط منذ 2014 مع تحرّك الحوثيين نحو إسقاط الدولة والسطو على مؤسّساتها، لتأتي الحرب مطلع العام 2015 وتكون سبباً في إغلاق أهم وأكبر تظاهرة ثقافية، وحصل الأمر نفسه مع مؤسّسات وفضاءات ثقافية أخرى؛ فعلى سبيل المثال، أُغلقت "مؤسسة السعيد الثقافية" في محافظة تعز، و"مؤسّسة العفيف" في صنعاء، وتقلصت أنشطة "مكتبة البردوني" في محافظة ذمار.

أمّا "اتحاد الأدباء والكتّاب اليمنيين"، فدخل في حالة موت سريري منذ 2011 نتيجة انقسام أعضائه بين مؤيّد ورافض لثورة الشباب الشعبية آنذاك، فقد انحاز أغلب المشرفين عليه إلى الحزب الحاكم حينها ووقف قليلون ومعهم أغلبية الأعضاء مع الثورة، وكانت التجاذبات والمواقف المسيّسة والجهوية بين أعضاء الاتحاد سبباً في توقّف المؤسسة التي مثلت فضاءً أساسياً في الثقافة اليمنيّة منذ سبعينيات القرن الماضي.

لكن 2018 حمل، رغم كل ذلك، الكثير من الجديد، فقد خاضت مبادرات عدّة، كثير منها ليس أكثر من مبادرات فردية، صراعاً مع الحرب، في رسالة إلى السلام ومقاومة الانسياق وراء العبث والعنف. وفي هذا السياق، يمكن القول إن اليمن اليوم يشهد ازدهار كتابة النصوص الشعرية والسردية ضمن ثيمة رفض الحرب، بعض هذه النصوص تسرد يوميات الحرب القاسية، كما في مجموعة "أقول أنا وأعني لا شيء" للشاعر قيس عبد المغني والتي صدرت بداية العام نفسه.

ومن الإصدارات الأخرى، نذكر رواية "فندق" لـ سمير عبدالفتاح، و"أحذية ورمال" أقاصيص لـ مروان الشريفي، و"ميغا بكسل" وهي مجموعة قصصية لـ محمد آل زيد، ورواية "اختطاف قلب" لـ يحيى العمري، ومجموعات شعرية عدة مثل: "على قارعة الوقت" لـ نوال القليسي، و"فاتحة الوعي وسفر الأحلام" لـ محمد الاشول، و"كبلادٍ تزور خيال الغريب" لـ محمد مشهور، و"أبجدية امرأة في الحب" لـ أحلام الدم.

لم تمنع الحرب كتّاباً يمنيين من وصول أعمالهم إلى معارض كتب عربية، ومن ذلك كتاب "ماذا تركت وراءك.. أصوات من بلاد الحرب المنسية" لـ بشرى المقطري، وفيه توثيق لأصوات ضحايا الحرب ومآسيهم، وكذلك رواية وجدي الأهدل "أرض المؤامرات السعيدة".

كما مثّلت "دار أروقة الثقافية"، وهي أول مؤسّسة نشر يمنية تُبعث في الخارج، جسر تواصل للكتّاب اليمنيين؛ حيث طَبعت، خلال هذا العام، أكثر من 21 إصداراً ما بين دراسات وشعر ورواية وقصّة وكتب مترجمة من أصل 260 إصداراً نشرتها منذ تأسيسها في 2009 في القاهرة. ومن أبرز إصداراتها في 2018: "نظرة في تطوّر المجتمع اليمني" (دراسة) لـ سلطان أحمد عمر، و"شخصٌ ما قتل جاري" (قصص) لـ عبدالعظيم جازم الصلوي، و"أبو بكر القيسي رائد مسرح الطفل في اليمن" لـ نزار القيسي، كما أصدرت ترجمات منها: "حياة النساء في اليمن.. حكايا صديقتي فرانس هوس" لـ كلودي فايان بترجمة بشير زندال، و"الأعمال الشعرية الكاملة" للشاعر السنغالي ليوبولد سيدار سنغور، وقد نقل نصوصه إلى العربية المترجم التونسي جمال الجلاصي.

تشكيلياً، لنا أن نشير إلى تجربة الفنّان مراد سبيع، والذي بدأ منذ 2017 في الاشتغال على مجموعة من الأعمال الفنية التي تُصوّر معاناة الحرب على جدران مدن متعددة في اليمن. كثيراً ما ذهب سبيع إلى أنقاض مبان دمّرها القصف ومنازل أسر تعيش تداعيات الحرب الاقتصادية التي أنهكت الناس.

نظّم سبيع أيضاً، في آذار/ مارس 2018، يوماً مفتوحاً للفن. ورغم أن الحدث الرئيسي كان في صنعاء وخمس مدن يمنية أخرى، هي عدن وتعز ومأرب وإب والحديدة، إلا أن مجموعة من الفنانين الشباب والشخصيات المهتمة شاركوه الحدث نفسه في أكثر من بلد، ففي بريطانيا، مثلاً، خرج فنّانون للشارع في مدينة ريديج بالتزامن مع التظاهرة المقامة في اليمن، كما نظم فنانون شباب نفس الحدث في باريس وسيول ومدغشقر.

وكان للموسيقى أيضاً حضورها في 2018، ضمن محاولة التغلّب على صوت الرصاص. وقد برزت بالخصوص في هذا الإطار مؤسسة "بيت الموسيقى"، ومن بين أهدافها التي اشتغلت عليها السنة المنقضية محاولة إعادة مادّة الموسيقى إلى المنهج المدرسي. المؤسّسة التي يرأسها الفنّان فؤاد الشرجبي تستهدف تنمية وتبنّي المواهب في المجالات الفنية، وقد أطلق الشرجبي فرقاً موسيقية، في محاولة لدعم الحراك الفني وخلق مساحة من الجمال والمحبة والسلام في المجتمع الذي تشوّهت ذائقته الفنية بسبب العنف المنتشر.

يعمل "بيت الموسيقى" أيضاً على رصد وتوثيق الغناء اليمني بكافة أشكاله وأنواعه ويجمع أكبر كمّية من التسجيلات الصوتية القديمة والحديثة لوضعها في قاعدة بيانات من أجل حفظها وتدوين نوتاتها وكلماتها. بعض هذه الأغاني يعود إلى ما يزيد عن ثلاثة قرون. في 2018، نجح "بيت الموسيقى" في الضغط على المغنّي الإماراتي حسين الجسمي الذي ادّعى أن لحن أغنية "حبّي لها" من التراث الإماراتي، ليعود ويعترف بأنها لحن يمني قديم، وقد غناها الفنان كرامة مرسال.

في السينما، ترشّح فيلم "10 أيام قبل الزفة" لعمرو جمال لجوائز أوسكار عن فئة أفضل فيلم أجنبي، وقد صُوّرت أحداثه في مدينة عدن. يلامس العمل الواقع العدني، مقترباً من الحياة التي يعيشها أبناء المدينة منذ انتهاء الحرب التي شنّتها مليشيات الحوثيين صيف 2015 وحتى اليوم.

لاقى الفيلم ردود أفعال واسعة، سواءً من خلال الإقبال على مشاهدته، أو التفاعل معه عبر منصات التواصل الاجتماعي المختلفة، وقد بلغت إيراداته محلياً منذ إطلاقه أكثر من 30 ألف دولار، ما يُعتبر نجاحاً غير مسبوق في اليمن.

في السينما أيضاً، يمكن أن نشير إلى مؤسّسة "صوت للتنمية" التي ساهمت من خلال مشروع "سينما صوت" في جذب مزيد من الاهتمام بالفن السابع، وإن كان المشروع قد نُفّذ في 2015 و2016، فإن صداه لا يزال مستمراً، بسبب ما أحدثه من اهتمام محلي وعالمي، وخصوصاً لجهة كسر الصورة النمطية عن اليمن الذي لا يزال في التمثّل العام في الغرب وحتى في البلاد العربية، بلداً منغلقاً ولا يمكن أن يتقبل مجتمعه مثل هذه الفنون الحديثة.

من خلال "سينما صوت"، عُرضت أفلام كثيرة تتناول قضايا تهمّ المجتمع اليمني، وقد تبعت العروض نقاشات حول الرسائل التي طرحتها الأعمال السينمائية. فتحت هذه التجربة شهية العديد من المؤسّسات التي باتت ترعى الآن مجموعة عروض سينمائية في صنعاء منها: "بادر" و"القيادات الشابة" و"البيسمنت" و"شيفت".

يساهم في الثقافة اليمنية، أيضاً، كتّاب اضطرّوا لمغادرة البلاد لأسباب مختلفة، فقد صدرت كتب لعدد من هؤلاء، كما مثّلوا بلادهم في العديد من المؤتمرات والمهرجانات، وكثيراً ما أوصلوا صوت شعبهم من خلال الحديث عن قضايا الشتات وويلات الحروب.

نذكر هنا فيلم "الخطة ج" لـ عمار النجار، وعلى مستوى الإصدارات نذكر: رواية "واحدان" لـ هدى العطاس، و"طريق الحوت" لـ مروان الغفوري، و"يوميات الحوثي الحزين" لـ جمال جبران، و"وحي" لـ حبيب سروري. وقامت الفنانة هديل الموفق برسم جدارية وسط باريس بعنوان "طفلة بلا درع"، استمرت في رسمها قرابة الأربع ساعات بتعاون مع فنّانين فرنسيين جسّدت فيها معاناة أطفال اليمن نتيجة الحرب القائمة واستخدامهم دروعاً بشرية أثناء الغارات الجوية من قبل الحوثيين.

كما عُرضت مسرحية "جنّي في القاهرة" في "دار الأوبرا المصرية" بمشاركة ممثّلين يمنيّين ومصريّين. يتناول العمل، بشكل كوميدي، الأوضاع المعيشية التي وصل إليها اليمني نتيجة الحرب.


* شاعرة وكاتبة يمنية

دلالات

المساهمون