فلسطين 2018: مشهد يرتدّ إلى مربّعات التيه

07 يناير 2019
الصورة
(من مشروع "مكتبة من أجل غزّة"، تصوير: محمد عابد)
+ الخط -

لا ألوان فاقعةً انفجرت في سماء الثقافة الفلسطينية هذا العام، لا قفزات إلى الأمام ولا حتى خطوات تجرّ نفسها إلى أيٍّ من الاتجاهات. ثمّة فقط بعض ضرباتٍ لفرشاة الألوان. ولأن حديث ضربات الفرشاة كثير هذه الأيام، تبدو اللوحة الفلسطينية عريضةً وكبيرة وعصية على ضرباتٍ لم تُحدث فرقاً أو أثراً واضحاً يسرّ الناظرين. ولعل الناظرين مسّهم ضرّ الانتظار الطويل والانتكاسات الكبيرة والهموم الضاغطة، ليس بسبب انحباس طارئ لمطر الثقافة، إذ إن المطر شديد، بل لأن المطر اختلطت قطراته بتيه البوصلة أحياناً، واختلاط الزائف من الشعار بأوهام المرحلة، لم يذهب إلى مجاريه المأمولة، فضاع المطر وذهب ريحه إلى ما يشبه السدى.

ما زالت أسئلة الثقافة الكبرى تُلحّ بنفسها دون إجابة. ولعلّ افتراض هبوط الإجابة الشافية بكل يسر وعافية على أرض الأسئلة الكبرى محض سذاجة، إلّا إذا تشابهت الأعوام في صفرية محاولات الإجابة على ذلك كلّه. ساعتها تصير بوّابة الأسئلة مشرعة على جميع الاتجاهات.

ولعلّ أخطر ما يمكن أن تتحمّله مؤسّسات الثقافة الفلسطينية، في مساراتها المؤسّسية والفردية، ذوبان همّ "الانقسام الداخلي" شيئاً فشيئاً من الوجدان الجمعي، لم يعد الانقسام ملحّاً وضاغطاً، بل أضحت الحالة الفلسطينية، ومن ضمنها الحالة الثقافية، تعتاش على بلادة ما بعد الأزمات الأخلاقية الكبرى، رفاهية التجاهل ومتعة الاستسلام والتخلُّص من الهمّ الوطني في الكتابة المحمولة على روح التغيير والضغط والانقلاب على السائد المفجع. وإذا كان الانقسام أجهز على جغرافيا الشعب المهشّمة أصلاً، فإن أخطر ما يمكن حدوثه هو نفاذه إلى روح الشعب وأدواته الحية، ومنها الثقافة.

لم يمت هاجس الانقسام من ضمير ووجدان الشعب وثقافته فحسب، بل مات المخيّم أيضاً، لقد أُريد للمخيّم أن يصمت تماماً، وقد صمت، وأًُريد له أن يتنحّى جانباً من مقدّمة الفعل الثقافي، وقد تنحّى تماماً لحساب المدينة المبهرجة بتمظهرات رأس المال وخطابه وركاكة شعاراته وهشاشة أدواته أمام عدوّ لا ينظر إلى الوطن إلّا بوصفه قطعة قابلة للالتهام السهل، وأُريد للثقافة أن تلفظه خارجاً، وقد لفظته فعلاً.

ليست المشكلة في انقسام الضفّة الغربية عن غزّة وحسب، ولا في اندثار قدرة المخيّم على اختزال الوجع الفلسطيني الساخن، بل يظلّ الراهن بائساً لطالما واصلنا النظر إلى الداخل الفلسطيني المحتلّ أيضاً باعتباره قطعة غريبة عن سياقها. المفجع في أمر الثقافة الفلسطينية، ليس في ارتدادها إلى مربّعات التيه والضياع عن متانة حكايتها وأصلانية روايتها مرّةً أخرى بسبب ذلك كله، بل في غياب سردية قادرة على لملمة الرواية الوطنية الكبرى. لكن كيف تذهب إلى التاريخ، فيما أنت قابع في وحل واقع من طين ثقيل؟

لم يكن ذلك كله ابنَ شرط العام المنصرم في حدّه الزمني، ولا ابنَ العام الذي سبقه ولا حتى العقد الأخير، بل إنه ابن شرط السياق؛ شرط سياق الركون والكسل والاستسلام إلى المآلات المروّعة التي كان على الثقافة ألّا تكتفي بمهمّة التنبّؤ والتحذير منها وحسب، بل أن تعمل على التصدي لها وتغذية تلك الحساسية التي تفعل فعل ضمير جمعي لا يُدجَّن في مقابلها.

في مقابل ذلك كلّه، لا يبدو الحدث الثقافي، في إطاره العملياتي، قادراً حقّاً على إدارة الدفّة بما يكفل أن تُحدث إزاحةً ملحوظةً إلى الأمام، فقد واصلت المؤسّسة إعادة إنتاج دور البوليس السرّي على النشر والإنتاج المعرفي، دافعةً ظهرها إلى قوانين جديدة تُغلّف القمع الفكري بالقانون والتشريع بما بات يُعرف بقانون الجرائم الإلكترونية.

وكذلك تحوّلت معارض الكتاب، سواءً تلك التي تُقام برعاية مؤسّسات الثقافة أو تلك التي تقوم عليها مكتبات تجارية، إلى بازارات سنوية بمن حضر، تغيب عنها الرغبة في إحداث الفرق والاختراق، سواء بتعميم المعرفة أو تيسير الحصول على الكتب.

وعلى صعيد الصحافة الورقية، فقد أضحت أقلّ التفاتاً للمنتَج الثقافي، مكتفيةً بمجموعة من الأعمدة الثقافية المتقشّفة، في ظلّ غياب للملاحق الثقافية الرصينة التي تصعَد بالكتابة وتمنح الضوء للأقلام الجديدة والمتميّزة.

وما زالت الحركة النقدية تُراوح مكانها الخجول، إذ لم يتعدّ جوهرُ فعلها، المنتج معرفياً، بعض جهود فردية مبعثرة هنا وهناك، تتّسم بالانتقائية، واعتياشها على أسماءٍ مكرّسة في عالم الكتابة والأدب. وإذا كان اللوم على ضحالة الإنتاج النقدي واقعاً فعلاً، فإن مبعثه أن الحركة كلّها لا تتناسب وكثافة ما يُنتَج على كل الأصعدة، بينما يقع اللوم الأكبر على غياب المؤسّسة تماماً عن تنظيم فعل نقدي وإنتاج مكتوب، مجلّات دورية ونشرات متخصّصة تُسهم فعلاً في إثراء حركة نقدية فلسطينية مكتملة الأركان.

المساهمون