ولماذا يجب على المسيحي أن يحب شهر رمضان أصلاً؟

30 مايو 2019
+ الخط -

كان شارل محظوظاً بمهارة والدته في صنع السندويتشات، وحين حاول بعد مرور كل تلك السنين على طفولته، أن يتجرد من تحيزاته كطفل تجاهها، منحها تقديراً فوق المتوسط العام، بفضل اهتمامها الفائق بتفاصيل بسيطة تغيب عن كثير من الأمهات.

كسائر الأمهات المخلصات في صنع سندويتشات أبنائهن، قد تضع أمه الخيار والفلفل بألوانه مع سندويتشات الجبن واللانشون وما أشبههما، لكنها لا يمكن أن تخطئ مثلهن، فتضع الطماطم في سندويتشات شارل، مع أنها تدرك أهميتها الغذائية، لأن الطماطم كانت ترطب الخبز الفاخر الذي تختاره أمه بعناية، فتجعل السندويتش مهترئاً حين يحين موعد التهامه في الفسحة، وهو خطأ كان يضطر زملاءه إلى لعق سندويتشاتهم المهترئة من قاع كيس السندويتشات، ليأتي تماسك السندويتش وغياب الطماطم عنه دليلاً على قدر الذكاء الذي حظيت به أم شارل، تماماً كما يأتي محتوى اللحوم وكميتها في السندوتشات معبراً عن الحالة الاقتصادية، وتنوع أنواع الجبن دليلاً على مقدار الثقافة، والشكل العام للسندويتش والإضافات الموجودة به دليلاً على مقدار الرفاهية التي يحظى بها الطفل، فيصبح السندوتش في نهاية المطاف بياناً تصدره العائلة للمجتمع عن صورتها.

بهذه اللقطة الطريفة يفتتح الكاتب شارل عقل أحد فصول كتابه البديع (غذاء القبطي) الصادر عن دار الكتب خان، متخذاً من ذكريات سندويتشات طفولته مدخلاً للحديث عن "علاقة الأقباط بشهر رمضان"، الذي تتغير فيه حالة سندوتش الطفل القبطي بشكل أكثر وضوحاً، عن تغيرها خلال صيام الأقباط الذي يختلف عن صيام المسلمين في طقوسه وفترته الأطول وفي تعامل المجتمع المحيط مع الطفل ومع السندوتش أيضاً. خلال صيام الأقباط يزداد عدد المحظورات التي يُمنع الطفل منها في سندويتش المدرسة، لتصبح اختيارات حشو سندويتشه محدودة في قائمة قصيرة من الأكلات النباتية التي أصبحت تقترن بلقب "الصيامي"، فتصبح في مرحلة أدنى من سندويتشات زملائه المسلمين التي "يبظّ" منها البيض بالبسطرمة واللانشون وغيرها من الأكلات الشهية التي قد تنشئ لدى الطفل موقفا طفولياً سلبياً من الصيام، ربما يؤدي به أحياناً إلى الامتناع عن الصيام أو ازدرائه، حتى وإن كان ذلك بينه وبين نفسه، ولذلك كانت أم شارل تحرص على أن تتجلى مقدرتها في تحضير السندوتشات خلال فترة الصيام بالذات، لكي لا يشعر أبناءها بذلك "الاختلال الغذائي"، فتضع على سندويتشات الفول إضافات مبدعة لا تضعها في سائر الأيام، وتتجلى في صنع الفلافل والباذنجان بأصنافه، وتحرص على إضافة المكسرات إلى سندوتشات الحلاوة لتفقدها مللها المعتاد، وتزيد من تنوع قطع الخضروات التي تضيفها إلى السندوتشات الحادقة، وتضيف قطع الفاكهة إلى سندوتشات المربى، بل وتصنع صنفاً تتفرد به عن غيرها، هو سندويتش الخرشوف المقلي بالمايونيز الصيامي، الذي يتوج ابنها ملكاً على عرش السندوتشات وسط زملائه المسلمين، حتى وإن حُشيت سندويتشاتهم بأحب الممنوعات إلى قلبه.


قبل أن يلمس الطفل القبطي خصوصية شهر رمضان لدى زملائه المسلمين، سيدرك أن "صيامه القبطي" مختلف كثيراً عن صيامهم، لأنه لا يؤثر على أحد ممن حوله، لسبب له علاقة بحجم التواجد القبطي في الفصل، في فصل شارل مثلاً كان يوجد طالبان مسيحيان فقط وسط 40 طالب مسلم، ولأن الصائم المسيحي لا يمتنع عن الطعام بالكامل مثل الصائم المسلم، فإن مظاهر صيامه لا تتضح بشكل ملفت للانتباه، وتظل معاناته مقتصرة على مقاومة إغراء الروائح التي تنبعث من سندوتشات زملائه الشهية، وخصوصاً إذا كانت تحتوي على البيض بالبسطرمة، الذي يبدو أن معاناة شارل كطفل معه كانت كبيرة خلال فترة الصيام، ولذلك يكن له مودة خاصة، تجعله يتحدث عن فداحة رائحته "التي تدركها الأنف البشرية عن بعد كبير، حتى تكاد الأذن الخبيرة أن تحدد درجة تحمير البسطرمة من صوت قرمشتها، ولا يدرك إذاً المواطن المسلم ما تفعله الصور والخيالات بتأثير مثل هذا على المسيحي الصائم".

حين يأتي الوقت الذي يصبح لدى الطالب المسيحي، زملاء مسلمون دخلوا في سن الصيام، سيدرك كيف تتحول سندوتشاته من شأن معتاد، إلى مسألة حساسة تجلب له ردود أفعال مستهجنة أو مستنكرة بل وغاضبة أحياناً، ومع أنه يمكن له بدعم من أهله ومن أغلب مدرسيه أن يصمد في وجه ذلك الاستهجان والغضب، إلا أنه في الغالب سيفعل مثل شارل، ويؤثر السلامة، ويذهب لأكل سندوتشاته "على استحياء في أركان مظلمة"، لكن شارل وزملاءه القليلين، حين شعروا أن ذلك سينفر زملاءهم المسلمين منهم، جعلهم يختارون الالتزام بصيام رمضان مع زملائهم "رغم استهجان الأهل في البداية ولكنهم رضخوا لمطالبنا بعد إلحاح، فبالرغم من أنهم كانوا يلتزمون بالتقليد ذاته في أماكن عملهم لكنهم كانوا يريدون من أبنائهم إعلاء راية المسيحية الثورية التي لم يجرؤوا هم على رفعها، تحججاً بصغر سننا، وأننا لن نتحمل الجوع لساعات اليوم الطويلة، وأن لدينا مبرراً بيولوجياً وأفضلية تضعنا قدماً في هذه المقارنة الندية، فنحن نصوم صيامهم وهم لا يصومون صيامنا، طالما كانت نحن وهم".
يعترف شارل عقل بأنه لم يكن يلتزم بذلك الصيام الاضطراري دائماً، فقد كان حبه للأكل يجعله يفضل أكل سندوتشاته خلسة وعلى عجل بين الحصص وأثنائها، مضحياً بمتعة أكلها المتمهل العلني في الفسحة، لكن الأقدار والنجوم لعبت معه لعبة حتمية لم يكن مستعداً لها، حين تطابقت مواعيد صيامه القبطي مع مواعيد صيام زملائه المسلمين، وهو أمر لم يكن غريباً لأن المسيحيين يصومون عدداً كبيراً من أيام السنة، ليجد نفسه هو وزملاءه المسيحيين مجبرين على أن "يصوموا صيامهم وصيام رمضان في نفس الوقت، يمتنعون عن الطعام صباحا لساعات طويلة تربطهم بالروتين المدرسي اليومي ثم يرجعون ليأكلوا "خراء صيامي"، في الوقت الذي يأكل فيه نظراؤهم من العائلات المسلمة ما لذ وطاب من المحمر والمشمر... ماذا نفعل، وبأي جحيم وضعنا أنفسنا، أين هي الجنة الموعودون بها، أي عذاب أن تمضي ساعات اليوم الطويلة بدون طعام لتعود إلى طبق سبانخ بالرز بدون لحم، وحتى مع الأصناف المبتكرة الجديدة التي لا تتوانى الأمهات في صنعها للأسرة المسيحية الصائمة، ولكن هناك مسألة غير عادلة ولا بد أن تحسم، ولكن المسألة لا يبدو لها أي مخرج. عوّدنا أنفسنا على صيام رمضان، وما كان قد كان، وهذا أمر لا يمكن تغييره، فماذا نفعل إذن؟ نكفر؟ نبطّل صيام؟ هو اقتراح معقول بالطبع ولكن ما إذا كنت حينها لا تزال متمسكا بفكرة ارتباط الملكوت السمائي بالنظام الغذائي، فسوف تظل حينها تمضي أياماً من الجحيم بعقد نفسية من الشعور بالدونية والاضطهاد والتقيد أو التخلي عن هويتك القبطية، والآباء قد تشوهوا بالفعل نتيجة لتلك العقد، ولكن هل ينبغي للصغار أن يحملوا الصليب ذاته؟".

لم يكن غريباً في ظل تراكم مشاعر كهذه، ألا ينسى شارل الذي ودّع الطفولة منذ زمن، تجربة استمتاعه خلال يوم من أيام رمضان، بالجلوس في قلب حوش المدرسة، لأكل أجمل وألذ "سندوتش فراخ على طريقة الكوردون بلو"، لم يفعل شارل ذلك تحدياً لمشاعر أحد من زملائه، أو رغبة في إعلان هويته القبطية بشكل مبكر، بل لأنه كان على وشك أن يبدأ الصيام المسيحي الكبير الذي سيستمر لمدة 55 يوماً، ولذلك قرر أن يتجاهل مشاعر زملائه المسلمين الصائمين، ويتصرف بشكل مخالف لما تعود عليه خلال فسحة (يوم الرفاع)، وهو آخر أيام الإفطار التي تأتي بعدها فترة طويلة من الصيام القبطي، والذي اعتادت فيه الأسر المسيحية على أكل ما يحلو لها قبل أيام التقشف والحرمان. لم تقصر أم شارل في جعل تجربة ابنها خاصة في ذلك اليوم، حيث تفوقت على نفسها في إعداد سندوتش (الكوردون بلو) بشكل يسرد شارل تفاصيله فيجعلك تزداد محبة لها وحسداً له، خاصة إذا كانت والدتك من أنصار مدرسة "اضرب واقلب" في صنع السندوتشات، لأنها ترى أنها في الآخر أكلة لا "ترم العضم"، وليست أكثر من حشو جوف لا يستحق إضاعة الوقت، وهو ما لا تراه والدة شارل التي صنعت لابنها سندويتشاً متقن الصنع، جلس شارل ليأكله مستمتعاً ببطء وتلذذ، غير عابئ بنظرات الحقد المصوبة نحوه، ولا بما ظل يشعر به من دونية وعدم مساواة وعقد نفسية متنوعة، مقرراً أن يؤجل التفكير في كل ذلك، لحين انتهائه من التهام "أفضل سندويتش دجاج في العالم".

ربما، لن يحب كثير من المصريين المسلمين مثل هذه الشكاوى المسيحية التي لم يجدوا عليها آباءهم في زمن العناق الأبدي "المفترض" بين الهلال والصليب، لن يفهم هؤلاء أصلاً لماذا يشتكي شارل من عدم قدرته على أكل السندويتش في حوش المدرسة دون مشاكل، فهؤلاء يفضلون أكثر نموذج "المسيحي اللي مستني شهر رمضان"، وبالتأكيد لن يتعاملوا مع شكوى شارل إن قرأوها في "بوست" أو تغريدة، بنفس الحفاوة التي يتعاملون بها مع بوست يحكي عن المسيحيين الذين يقيمون مائدة للرحمن كل رمضان، أو تغريدة تشيد بالمسيحيين الذين يدخلون إلى الحمام ليشربوا كوب ماء احتراماً لمشاعر زملائهم المسلمين.

وإذا كنت تجد في كلامي هذا مبالغة لأنك تعيش في وسط من الأسوياء الذين يدركون أن تمسكهم بدينهم لا يعني تطليعهم لأديان الآخرين، فلماذا لا تجرب بنفسك وتنشر مقتطفاً من كلام شارل على أي صفحة عامة من صفحات الفيس بوك، وتسأل بعدها: لماذا لا يمتنع المسلمون في المدارس والمصالح الحكومية ومقار العمل طوعاً عن أكل أي سندويتشات لا تناسب صيام الأقباط خلال أيام صيامهم الطويلة، احتراماً لمعتقداتهم وحرصاً على مشاعرهم، خاصة أن ذلك لن يكلف إخوتهم المسلمين الكثير من الجهد والعناء، بل سيكون رسالة رمزية تثبت إيمانهم الفعلي بالمودة والإخاء، وأعتقد أنك ستشاهد بنفسك كيف سيتعامل الكثيرون مع هذه الأفكار بعدوانية لا تناسب افتراضيتها، عدوانية ربما جعلتك تفهم لماذا يبرطم الكثيرون حين يهنئ مسلم أصدقاءه المسيحيين بعيد القيامة، ولماذا ينتفض الكثيرون غضباً حين يتحول مبنى في قرية إلى كنيسة؟ ولماذا يتسامح الكثيرون من المسلمين مع الظلم والفساد والقمع، أكثر من تسامحهم مع رفع صليب على منزل؟ ولعل تأمل ذلك يقودك إلى أن تفهم ـ ولا أقول تتفهم ـ لماذا يتسامح الكثيرون من المسيحيين بدورهم مع الظلم والفساد والقمع، على أمل أن يحميهم من حماقة الغاضبين من رفع صليب على منزل.


في العادة، حين تعلو ـ ولو إلى حد ما ـ أصوات أناس مثل شارل، ممن لا يعجبهم العجب ولا صيام القبطي في رمضان رغماً عنه، والذين لا يجدون أن على المواطن المسيحي أصلاً أن يتملق أحد بإعلان محبته لشهر رمضان، أو أن يغير نظام حياته فيه من أجل جيرانه وزملائه، تنفتح شهية الكثيرين من المسلمين والمسيحيين للحديث عن التسامح الذي كان ولا يزال من أهم فضائل المصريين، لكن شارل عقل على عكس هؤلاء، لا يرى في كتابه أن ذلك "التسامح" الذي تلوكه الألسنة فضيلة، بل يراه "كلمة مفخخة بالعداوة والعنف والطائفية، تتضمن في مدلولها فكرة العفو وفكرة التحمل ومنها إلى منح ووهب الحرية، فهي تعني أنه يوجد طرف أفضل من الآخر، طرف صحيح والآخر مخطئ، ولكن الطرف الأكبر سوف يتغاضى عن ذلك متسامحا ويعفو عن الطرف الأصغر"، مع أنه كان ينبغي أن يتحلى الجميع بفضيلة أعظم شأناً هي "فضيلة التجاهل أو عدم الاكتراث"، لأن الخلاف ليس جرماً يستحق العفو والتسامح، بل هو شأن خاص لا يستحق الاكتراث، خصوصاً إذا لم يقم أحد بالسعي لتغيير اعتقاد الآخر بالقوة، حتى لو كان يراه معتقدا أحمق، ولن يجبره على تناول ما لا يرغب فيه عنوة، "ولن يضعه له في الكتب المدرسية ولن يبثه له في التلفزيون القومي وفي الفضاءات العامة وفي مكبر صوت في بلكونة الآخر"، ولذلك يرى شارل عقل أن ما يحدث في مصر من نزاع وخلاف، لم يكن ما بين المسيحيين والمسلمين، وإلا لكان الاختلاف أكثر بساطة وأسرع لحسمه، ولكن ما يحدث من نزاع وخلاف "هو ما بين المتسامحين واهبي حرية الاعتقاد المؤقت، وغير المكترثين، بين المسلمين المتشددين والمسيحيين المتأسلمين على ناحية واحدة، وفي المقابل من يحاول النظر للمسألة بشكل علمي أو دبلوماسي بدون الاكتراث للتفاصيل الدينية"، ليبقى قناع التسامح مغطياً على "عقد النقص والتطرف الديني المتأصلة داخل كل مصري"، وهو قناع سرعان ما ينهار "فور إيجاد ثغرة للكراهية والشعور بالفوقية الدينية".

لا يقدم شارل عقل في كتابة فرصة سائغة لمن يرغب في اتهامه بالتعصب المسيحي، لأنه يحافظ في كافة مواضع كتابه على الرؤية النقدية الراغبة في الفهم والتأمل، والتي تفضل السخرية والحديث اللطيف عن وصفات الطعام، على الجهامة والتقعر والانحياز الطائفي، ولذلك لا يجد مشكلة في تقديم نقد شجاع للكثير من الممارسات التي تسود المجتمع المسيحي بشكل عام، والتي عاشتها أسرته بشكل خاص، متأملاً علاقة تلك الممارسات بالأسلوب الخطابي الخاص الذي طوره الأقباط على مدى التاريخ، بعد أن وجدوا أنفسهم طيلة الوقت مطالبين بمسئولية تفسير معتقداتهم وتبرير المختلف منها عن السائد "في مجتمع إسلامي"، ليكون أسلوبهم ذلك "غير حاسم في أي موقف على الإطلاق، مصحوباً بأداء من الإنكار والمكابرة، وتخصصوا في ردود مموهة لا يمكن الخروج منها بأي استنتاج، ولغة لا تستطيع من خلالها فهم موقف الأقباط أو الكنيسة في أي موضوع خلافي"، ليكتفي الأقباط بالاعتقاد السائد لديهم ولدى كثير من المسلمين أنهم أصبحوا "ملح الطعام في المجتمع المصري"، فهم يمنعون المجتمع من انزلاقه إلى أسلمة متطرفة أفغانية الطابع، "وبفضلهم تحافظ الدولة على قدر من التفرنج يجذب السائح والمستثمر الأجنبي، حيث أصبحوا حجة للإبقاء على تصنيع الخمور وبيعها وفتح البارات، بحجة أن مستخدميها الوحيدين هم المسيحيون في كذبة لا يصدقها أحد، ولكن من مصلحة الجميع الإبقاء على رواجها".

بالتأكيد لم يكن شارل عقل سيتمكن من ممارسة قدرته على النقد والتأمل والسخرية بل وحتى بالاستمتاع بالكتابة عن الطعام والشراب، لو لم يكن قد أعلن بغضه لفكرة الانتماء، خصوصاً حين يتم استخدامها "في سياق قومي بشوفينية غامضة"، فتبدو وكأنها تصرف واعٍ واختياري للإنسان الذي يجد نفسه منتسباً إلى كيان ما، مع أن انتسابه هذا لا ينطبق عليه وصف الانتماء، بقدر ما ينطبق عليه وصف التورط، "فليس ما ينسبك إلى أي مجتمع أو طبقة أو فئة أو سلالة أو بقعة جغرافية أو لغة أو دين أي ترتيب ذهني أو أساس اختياري بل ورطة"، وهو موقف يجمع شارل بغيره من غير المكترثين الذين لا تضرهم معتقدات الآخرين، طالما لم يقوموا بفرضها عليهم.

بالتأكيد سيجر موقف كهذا على هؤلاء اللا مكترثين أياً كانت ديانتهم أو معتقداتهم، غضب الكثيرين من "المتسامحين" الذين سيرون في مثل هذه الأفكار تهديداً لمناخ "التسامح والسلم الاجتماعي والوحدة الوطنية"، ذلك المناخ الكريه الذي يجعل المنتمي إلى الأقلية العددية يرضى بالقليل لكي لا يزول، ويحتمي بالمستبد وإن وافق على زوال القليل الذي يمتلكه، وهو نفس المناخ الذي يجعل المنتمي إلى الأغلبية يفرض قانونه على الأقلية طالباً منها أن تحترم مشاعره ومفترضاً فيها أن تلزم حدودها، وهو ما لا يتذكره حين يهاجر أو يسافر إلى مكان آخر يكون فيه جزءاً من أقلية يهددها توحش الأغلبية، ليتذكر حينها فقط أهمية احترام الأقليات وضمان حرياتها وعدم مسخ هويتها، ويتخذ من اضطهاد الأغلبية المسيحية له خارج بلاده، مبرراً لقمعها وتهميشها داخل بلاده.

وفي حين تتواصل بغبغة الكثيرين هنا وهناك، بكلام ساكت عن المواطنة وعناق الهلال مع الصليب، يبرع الاستبداد في توظيف الطائفية لخدمة نفوذه الخارجي، وتستغل الطائفية قبضة الاستبداد في تبرير ممارساتها الطائفية والتمويل والتجييش، في الوقت الذي يفضل فيه المواطن المسيحي العادي الاختيار الطائفي في تعليم أبنائه وعلاج أسرته، لأنه يراه أكثر أمناً وراحة له من المشاكل، ففي ظله على الأقل لن يربكه التعرف على من يختلف عنه في طقوس العبادة ومعالم العقيدة، لتزداد مع مرور الوقت صعوبة أن يتجاور طلبة من أديان مختلفة داخل فصل واحد، وتجد أيام الفصل الواحد مختلف الأديان من يترحم عليها ويحن عليها، حتى وإن حدثت في ظلها مهازل من نوعية أن تصبح تجربة أكل "سندوتش" كوردون بلو حدثاً فارقاً في حياة طفل، لا ينساه مدى الحياة.

---------------------------

* يعود الكاتب بلال فضل إلى قرائه مع سلسلة جديدة من التدوينات يوم الأربعاء 5 يونيو الجاري