وعود الحوسبة والتشبيك

وعود الحوسبة والتشبيك

27 نوفمبر 2015

تطبيقات الحاسوب أصبحت عنصرا أساسيا في الطب (Getty)

+ الخط -
تتشكل تقنيات المعرفة حول تزويد الحاسوب بالمهارات الإنسانية، وبذلك، فإن التقدم التقني، متبوعاً بالاقتصاد والاجتماع والسياسة والثقافة، يمكن فهمه وتقدير مساراته ومستقبلاته، اعتماداً على التقدّم العلمي في معرفة الإنسان، ثم حوسبة هذه المعرفة، .. وكل ما لدينا اليوم من تقدم يقوم على الحوسبة القائمة، أو التي أُنجزت، وما لدينا من وعود وتوقعات للمستقبل، تقوم على وعود الحوسبة، .. هكذا تطورت الأعمال والمؤسسات، بناء على برامج المحاسبة والتصميم والتحكم والمحاكاة... ماذا يمكن أن يحدث، إذا أمكن حوسبة مهارات الإنسان في الإدراك والتداعيات، على سبيل المثال؟
في الحوسبة "الإدراكية"، إن صحت العبارة، يمكن بناء متوالية غير منتهية من التوقعات، عندما يتقدم الحاسوب، نحو مزيد من الأعمال، فيحل محل الإنسان في التفكير وتنظيم الأفكار، فهذا الجهاز/ الكائن، القادر على تخزين واسترجاع قدر هائل وغير محدود من المعلومات، سوف يكون في مقدوره معالجتها معالجة متقدمة، وإنتاج معرفة إضافية، .. سوف يكون منتجاً للمعرفة، وليس مجرد قاعدة معلومات.
بدأت شركات بالفعل تستثمر في هذا المجال، وخصصت "آي بي إم" في عام 2014 بليون دولار للبحث والتطوير في التقنية الإدراكية للحاسوب، وبدأت عمليات التقييم الآلي للبيانات المتاحة في قواعد البيانات، وتفسيرها وتقديم استنتاجات منطقية واقتراحات ذكية حولها.. ثم يعلم الحاسوب نفسه، وفقاً لهذه المعالجات والتقنيات، ويكتسب مزيداً من المهارات والقدرات المعرفية الجديدة، ويمكن، أيضاً، أن يعلم المستخدم (البشري)، ويعدل في سلوكه ومهاراته. وفي هذا التفاعل، أو العلاقة الجديدة بين الحاسوب والإنسان، يمكن تصور تداعيات بلا حدود.
وبالطبع، بدأت تطبيقات في هذا المجال منذ زمن، في اتخاذ القرارات والبيع والشراء والمقايضة وفي مراقبة السلوك والقرار الإنساني نفسه، بل والسلطة عليه، .. كأن تمتنع السيارة عن الاستجابة للسائق في حال مؤشرات مرضية أو كحولية، وإبلاغ البوليس والإسعاف.
في اتجاه العلاج النفسي إلى تغيير السلوك، يمكن للحاسوب أن يكون فاعلاً في تنظيم المحفزات
العصبية والكيميائية ومعالجتها في اتجاه السلوك المرغوب أو المطلوب. وحتى في العلاج النفسي التقليدي، يمكن للحاسوب أن يستمع إلى المستخدم/ المريض ويقدم تحليلاً وتفسيراً معمقاً واستشارات واقتراحات طبية ذكية، لا تقل إن لم تتفوق على ما يمكن أن يقدمه الطبيب.
وتوجد اليوم بالفعل منصات على الإنترنت، تقدم خدمات علاجية نفسية، أو لقاءات ومشورات دينية (الاعتراف والنصيحة)، ويقدم البرنامج تحليلاً للشخصية من شبكة واسعة من المدخلات والبيانات المتاحة، أو التي يحصل عليها، ثم استخدامها في العلاج، ويمكن، أيضاً، أن يقدم الحاسوب إنذارات مبكرة حول الاكتئاب والانتحار واحتمالات الجريمة، أو التعرض لنوبات وإصابات صحية خطيرة.
وتقدم، اليوم، شركات في تكنولوجيا الحوسبة الإدراكية خدمات لمنع تسرب المعلومات، أو مراقبتها، من خلال تنظيم قواعد الاتصالات وضبطها، ويمكن أن تقدم معلومات وإنذارات ذكية، بتحليل البيانات في عمليات استخدام الحاسوب والشبكة والبريد الإلكتروني والاتصالات الهاتفية، وملاحظة الاستخدامات المختلفة والشاذة.
وهناك تطبيقات بدأت منذ فترة طويلة (نسبياً) في مساعدة المرضى، وربطهم بالأطباء، على مدى الزمان والمكان الذي ينشط ويعيش فيه الأطباء والمرضى، ويمكن إجراء التدخلات الضرورية للمساعدة والإسعاف، وتلقي المشورة والتعليمات الطبية، .. تقوم بذلك، اليوم، أجهزة صغيرة مرافقة للإنسان في جسمه أو ملابسه.
وفي نمو المعلومات والمعارف الطبية وتراكمها، فإن الحواسيب بما تزوّدت به من قدرات معرفية وتعلمية وتعليمية، فإنها تكون قادرة على أداء أعمال واستشارات وتدخلات طبية وعلاجية، لكن الأنظمة الحاسوبية الإدراكية يمكن أن تتقدم في اتجاه تصميم أجهزة الرعاية الصحية وتصنيعها، بل وأن تبتكر في ذلك.
ويمكن أن نواصل، لو تسمح المساحة المتاحة، في هذا التخيل الواقعي والمنطقي لوعود الحاسوب في التجارة والطاقة والنقل والإعلام والترجمة والتعليم والبناء والصيانة والتسويق، والمشاركة الواسعة على مستوى العالم، في التأثير والتجارة والعمل.
ثم، وفي اتجاه آخر من التفكير، نتساءل عن مصير الأعمال والمهن والمؤسسات والأدوات في ظل القدرات الجديدة للحاسوب، ويمكن، ببساطة، أن نضع أربع قوائم: المنقرضة والمتغيرة والصاعدة التي تزيد أهميتها، وأخرى جديدة ليست موجودة اليوم، أو هي في بداياتها، وكما اختفت مهن في المرحلة الصناعية، مثل الكتاتيب وصانع الطرابيش ومبيض النحاس وقارئ الرسائل وكاتبها، ستختفي أو تتغير مهن وأعمال ومؤسسات قائمة، ما مصير مؤسسات البريد على سبيل المثال؟
في صعود الفردية والفرص والإمكانات التي أتيحت للفرد، يمكن التوقع صعود وزيادة أهمية الأعمال التي يمكن أن يؤديها الإنسان بنفسه، ولنفسه، في الزراعة والصيانة والبناء والغذاء واللباس والدواء، ويمكن توقع تحولات جوهرية في أعمال ومهن ومؤسسات، إن لم تنحسر، أو لم تكن، في تغيرها، وكأنها اختفت، مثل الصحافة والتعليم والطب والصيدلة والصيانة والمحاماة، وكذا المدارس والمستشفيات والمجمعات التجارية والمباني والشوارع والبيوت، .. لن يكون عالمنا، بعد سنوات قليلة، كما نراه ونعرفه الآن.
وبطبيعة الحال، يمكن التقدير أنه سوف تقود المؤسسات والمجتمعات والأسواق الأعمال والعقول الإبداعية والمهارات والمواهب المتقدمة. وسوف تقوم الموارد والفرص على الخيال والإبداع. وفي ذلك، سوف تصعد تخصصات وحقول، مثل الشعر والفلسفة والموسيقى والفنون والعمارة والتصميم والاستشارات.