وجوه انفجار بيروت

11 اغسطس 2020
الصورة
تمثال المغترب اللبناني شاهداً على الانفجار (حسين بيضون)

لا تنتهي قصص انفجار مرفأ بيروت الموجعة. قصص تصفع وجوهنا في كل لحظة. تعصر قلوبنا. تنقلنا من حزنٍ إلى حزن. تسرق نومنا المحدود. تقطع أنفاسنا فنعود في كل مرة إلى التقاط الهاتف للاتصال مجدداً والسؤال عمن نحب والتأكد من أنهم بخير فعلاً. هذه القصص، لناجين ومفقودين وضحايا ومنكوبين، هي قصصنا. أو كان يمكن أن تكون كذلك لولا الحظ. لولا الصدفة.
كان يمكن لأي منا أن يكون الممرضة في غرفة العناية في مستشفى الروم. كان يمكن أن يكون العابر بسيارته قرب موقف شارل حلو. كان يمكن أن يكون العامل في أهراءات القمح في المرفأ. كان يمكن أن يكون موظفة المصرف في منطقة الجميزة. كان يمكن أن يكون الباحث عن مساحة ترفيه مسروقة بين أصدقائه في شارع مار مخايل. كان يمكن أن يكون الشخص الواقف في شمس شرفته في منطقة الكرنتينا الفقيرة. كان يمكن أن نكون أياً من هؤلاء عندما وقع الانفجار القاتل في قلب بيروت. الانفجار الذي سنحمل آثاره في قلوبنا وفوق جلدنا لفترة طويلة.
يدوّي صوت الانفجار المهول مرة فنرتعب، ثم مرةً ثانية فنتجمّد. تتحرّك ذاكرتنا المخدّرة. هل هو الموت الذي نجونا منه مراراً قد حسم أمره هذه المرة؟ هل أضاعنا أو نسينا فعاد هذه المرة ليتمّم مهمّته؟ هل هو النيزك الذي كنا نسخر من وجوده وننتظره في ذات الوقت كي يريحنا من مشاكلنا ومصائبنا التي ليس لها نهاية؟ هل فعلاً كل شيء قد انتهى؟
دعكم من الشعارات التافهة وبعث الروح في طائر يقوم كل مرة من تحت الركام. دعكم من الأغاني البليدة التي تمجّد وطنيات فقدنا طعمها منذ زمن طويل. ودعكم من فلاسفة شعارات رأوا أن "الوطن ليس فندقاً نغادره عندما تسوء الخدمة". لقد عشنا حياتنا كلها بين حروب وحرائق. كانت فترات الحياة العادية دوماً هي الاستثناء في يومياتنا وفترات الأزمات هي القاعدة. استلمنا مصائب لا تنتهي من الذين أتوا قبلنا، وها نحن نسلمها، للذين يأتون بعدنا. كالهائمين مشينا حياتنا في الدائرة نفسها بحثاً عن منفذ أو نجاة. لكننا كنا نمشي دائماً ونظل في مكاننا. كنا نعود في كل مرة إلى نقطتنا الأولى. 

الفساد يقتل؟ طبعاً. وقد ينفجر في وجوهنا فيخطف روح مدينة بكاملها. الفساد مثله كمثل الحروب. مثله كمثل الأوبئة والأمراض. مثله كمثل الكوارث الطبيعية. وقد تأتي نتائجه في وجوه كثيرة، ليس الانفجار الأخير إلا واحداً منها.
وغالباً لن يكون آخرها.