الحداد لعدم نسيان الضحايا

10 اغسطس 2020
الصورة
أسماء ضحايا الانفجار في مرفأ بيروت (حسين بيضون)

 

يقول مارسيل بروست في روايته "بحثاً عن الزمن المفقود"، إنه "يمكننا فقط أن نشفى من الألم حتى نقاسيه إلى نهايته". منذ اللحظة التي بدأ فيها تعداد ضحايا انفجار مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس/ آب الجاري، الذي أودى بحياة أكثر من مائة وخمسين ضحية، غرقت بيروت ومعها لبنان في حالة من الحداد الجماعي. على الرغم من أنّ الموت واحد والسبب الذي أودى بحياة هؤلاء الضحايا واحد أيضاً، إلا أنّ الحداد الذي يختبره كل منهم يختلف من شخص إلى آخر. في الوقت الذي تجهش قيه إحدى الأمّهات بالبكاء على ابنها وتصرخ مرددة اسمه حتى يكاد يختفي صوتها، يظهر والد إحدى الضحايا بصورة هادئة جداً، فاقداً ملامحه وكأنه غير مدرك تماماً ما قد حلّ به. 
وتقول المعالجة النفسية أسامة يمّين، لـ"العربي الجديد"، إن مراحل الحداد خمس، تبدأ بالصدمة والإنكار، يليها الغضب، المقايضة، الاكتئاب والألم، وتنتهي بتقبّل الواقع. وتشير إلى أنّ "مرحلة الإنكار، أي رفض الاعتراف بخسارة شخص عزيز، لا يجب أن تتجاوز بضعة أيام يظهر خلالها الشخص المعني وكأنه مجرّد من العاطفة، لا يتفاعل مع الخسارة، لا يبكي أو يصرخ". تضيف أن الأشخاص الذين لم تتسنّ لهم رؤية الميت أو استلام جثمانه، خصوصاً في حالة الكوارث كالتي يشهدها لبنان اليوم من فقدان للجثامين أو لملمة الأشلاء، "معرّضون لأن تطول لديهم فترة إنكار الموت". 

من جهتها، تشدّد المعالجة النفسية الفرنسية فرنسواز إليان على أهميّة الطقوس التي ترافق الموت، كواجب العزاء ومراسم الدفن وما يرافقها، لأنها تساعد في الفصل بين عالم الأحياء وعالم الأموات، وتساعد من فقد عزيزاً على الوقوف وجهاً إلى وجه أمام حقيقة الموت. حينئذ فقط يمكن له أن يدخل مرحلة الحداد علّه يخرج منها سالماً. وبعد مضي حالة النكران والحداد، يفترض أن تتتالى المراحل الأخرى. إلا أن فترة الاكتئاب قد تطول أكثر مما ينبغي. في هذه الحالة، تصبح المتابعة النفسية لدى معالج أو طبيب نفسي أمراً ضرورياً. 

لذلك، ألّف المعالج النفسي الفرنسي المتخصص في مسألة الحداد، كريستوف فوريه، كتاباً وجهه إلى الذين فقدوا قريباً. يقول فوريه في كتابه إن الحداد مثل مداواة اليد المحروقة. في هذه الحالة، يمكن للمصاب أن يقوم بأمرين: الأول يقضي بنكران الألم من خلال لفّ اليد بضمّادة وأخذ بعض المسكنات ريثما يشفى الجرح تلقائياً. بعدها، تنمو الأنسجة بطريقة ما، ومن الممكن أن يلتهب الجرح وبالتالي لن تعود اليد إلى وظيفتها كما في السابق. 

مطالبة بالعدالة (حسين بيضون)
مطالبة بالعدالة (حسين بيضون)

السلوك الآخر هو التعامل الفعلي مع هذه الإصابة المفاجئة من خلال توفير وسائل للعلاج بأفضل السبل: الاستشارات الطبية، تقييم الإصابة والأضرار، تلقي العلاج المناسب والمتابعة المنتظمة. لا شك أن هذا السلوك مؤلم، لكن بفضل العناية المستمرة على مدى أشهر، يلتئم الجرح بشكل صحي. ربما تتشكل ندبة مكان الحرق تطبع اليد إلى الأبد وسيكون من المستحيل إخفاؤها ونسيانها، إلا أن اليد ستستعيد وظائفها بشكل شبه كامل. 
يتابع فوريه: "في حال خسارة شخص عزيز، إما أن تأمل بعودة الأمور إلى طبيعتها مع مرور الوقت، علماً أن هذا العامل لا يعد كافياً، وإما أن تقرر التعامل بفعالية مع ما يحدث الآن في حياتك. لن يؤدي التعامل بفعالية مع الخسارة إلى تخفيف الألم لأنه أمر لا مفر منه، للأسف، لكنك ستختار أن تفعل شيئاً حيال ذلك وألا تعيش على هامش ما يحدث معك. هذا ما يسمى بفعل الحداد، الذي يساعد على تحويل الألم إلى شيء ذي معنى وهدف".
وتشدّد إليان على الانخراط بفعل الحداد. وعلى الرغم من بديهية ما تقول، توضح أن الحداد مزعج والموت يقلب الحياة رأساً على عقب. لذلك، يعتقد المحزونون أنهم إذا عادوا إلى متابعة حياتهم بأسرع وقت يكونون بذلك ينهون حدادهم بشكل أسرع. إلا أن الحقيقة هي غير ذلك كلياً. فإذا لم يعبروا عن مشاعرهم ومعاناتهم كما يجب، عندها يستمر حدادهم وقتاً أطول بكثير. 

تعتبر إليان أن مفهوم "قبول" الخسارة ليس دقيقا، إذ إنّ أحدا لا يقبل فعلا خسارة من يحبّ، وتفضل اللجوء إلى مفهوم "التعايش" أو "التكيّف" مع الخسارة الذي تعتبره أكثر واقعية. لكن تجدر الإشارة إلى أنّ فقدان الولد يختلف عن فقدان الوالد أو الوالدة أو الأخت أو الأخ أو الشريك. يختم فوريه الفقرة المخصصة لخسارة الأهل للابن أو الابنة بالسؤال التالي: "هل يتعايش الأهل فعلاً مع وفاة ولدهم؟". تقول يمّين إن أقسى الخسارات هي خسارة الأم أو الأب لطفل. وغالباً ما تكون هذه الخسارة مدويّة ومدمّرة. وتشير إلى شعور بالذنب يرافق الآباء والأمهات، إذ يشعرون بأنهم أنجبوا طفلاً إلى هذا العالم ولم يكونا على قدر المسؤولية ولم يستطيعا حمايته. إلا أنها تحذر من إسراع الأهل بإنجاب طفل آخر وكأنهما يبحثان عن بديل للطفل الذي فقدوه، حتى أنهم يعمدون في بعض الأحيان إلى إطلاق اسم الطفل المتوفى عليه، وهو ما يخلق لدى المولود الجديد اختلالاً في الهويّة. 
في الختام، تقول إليان إن كلمة "الحداد مخيفة، لأنه يُعتقد خطأً أن المرء سينسى من يحب. هذا خطأ كبير لأن العكس تماماً هو الذي يحدث، إذ إن الانخراط في فعل الحداد لا يؤدي إلى النسيان، بل إلى ضمان عدم النسيان".