كرنتينا لبنان... نكبة مستمرة منذ الحرب الأهلية

08 اغسطس 2020
الصورة
هل هناك ما يمكن إصلاحه؟ (حسين بيضون)
+ الخط -

على بُعد أمتار من مرفأ بيروت، تقع منطقة المدوّر التي يُعرف جزء منها شعبيّاً باسم "الكرنتينا" أو المسلخ. عانت هذه المنطقة على مرّ السنوات من حقباتٍ متتالية من المآسي والإهمال، وجاء الانفجار الأخير في مرفأ بيروت ليزيد من مأساة الناس.
و"الكرنتينا" هي تعريب للكلمة الأجنبية التي تعني "المحجر الصحي". قبل عشرات السنوات، كان "محجر الكرنتينا" ملاصقاً لمرفأ بيروت، وكانت الغاية منه استقبال ركّاب السفن و"البوابير" الملوّحة بشارة صفراء تشير إلى احتمال وجود مصابين بوباء فتّاك.
ومنذ انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية، ما زال أهالي المنطقة يعانون تداعياتها بعد كل ما خلّفته من تهجير وتدمير لغالبية مبانيها، في ظلّ عدم اكتمال ملف العودة إلى جزء كبير من عقاراتها، ناهيك عن تمركز الشركة المكلّفة جمع نفايات العاصمة وسط الكرنتينا، وما يرافقها من تلوّث، والحديث عن حجر المصابين بفيروس كورونا فيها، الأمر الذي رفضه الأهالي. 

محرومة ومنكوبة 
وفي جولةٍ ميدانية لـ "العربي الجديد" في المنطقة، يتحدث محمد الخطيب وزوجته فاطمة بحسرة عن لحظات الانفجار. يقول: "منطقتنا فقيرة وشعبية. لا خدمات ولا إنماء، روائح النفايات ترافقنا يوميّاً، فكيف لنا أن نتحمّل بعد انفجاراً كهذا؟". 
توضح فاطمة، وهي أم لأربعة شبان وثلاث فتيات: "السياسيون لا يمنحوننا فرصة لنرتاح ولو قليلاً، إلا أنّ الرب أعطانا فرصة ثانية للحياة. كنت أعلّق الملابس على الشرفة عندما وقع الانفجار". تضيف: "علا الصراخ والبكاء في الحي بأكمله، وتفرق الأولاد الذين كانوا يلعبون في الشارع، وقد تعرض بعضهم لتشوهات. أمّا منزلنا، فقد دمّر وتصدّعت جدرانه وأسقفه وبتنا من دون باب للمدخل، كما أن المبنى الذي نقطن فيه تضرّر بشكل كبير ولم نعد قادرين على تحمّل أي ضربة إضافية. حتّى الملجأ الذي يعود لأيام أجدادنا تدمّر وانهارت أرضيّته".
فاطمة التي كانت تحبس دموعها قبل أن تنفجر بالبكاء، تتذكّر المبنى الذي وُلدت فيه في المنطقة ذاتها والذي تدمّر أيضاً خلال الحرب الأهلية (1975- 1990)، وتقول: "لم تغمض عيني طيلة ليلة الانفجار. عدتُ بالذاكرة إلى الحرب والاجتياح الإسرائيلي (1982) ومجمل مآسينا، التي جعلتني أعاني من مرض في القلب والضغط، ما يجبرني على تناول أربعة أدوية صباحاً ومساءً".

تداعيات الانفجار في مرفأ بيروت (حسين بيضون)

 

من جهته، يشير محمد إلى أنّه كان جالساً أمام محله المجاور لمنزله، قبل أن يقذفه عصف الانفجار، ويتضرّر محل السمانة بالكامل، وكذلك صالون الحلاقة الرجالي الذي يملكه ابنه. يقول: "إنّه مشهد حرب بامتياز، الزجاج والحديد والدمار في كل مكان، حتّى إنّ جزءاً من الحديد تطاير من المرفأ وصولاً إلى ملعب الكرنتينا".
يتابع: "منطقتنا منطقة أساسية وحيوية، تضمّ مطاحن ومعامل ومصانع ومستشفى حكوميا ومركزا لتوزيع أدوية الأمراض المزمنة والمستعصية، وشركات ومعارض سيارات، وملاعب رياضية ومعارض صور فوتوغرافية وشركات إعلانات، ناهيك عن معمل الألماس والذهب الذي أقفل أبوابه مع بداية أزمة الدولار. وعلى الرغم من كل ذلك، فإنّ الكرنتينا منطقة محرومة قبل أن تصير اليوم منطقة منكوبة".

استقيلوا
في هذا السياق، يختزل طوني المشهد قائلاً: "بيوتنا باتت أكواماً من الزجاج والردم. ماذا يُقال أكثر بعد؟ خسرنا في الحي شهيداً وأصيب ثلاثة أشخاص إصابات خطيرة. لم يترك العهد القوي (عهد الرئيس ميشال عون) مصيبة إلا وحلّت فوق رؤوسنا، لقد أحرقنا عام 1989 وما زال حتى اليوم". يضيف لـ "العربي الجديد": "نحن اليوم مشرّدون. والدتي المسنة هُجّرت إلى خارج العاصمة، وأنا أتناوب مع شباب المنطقة على الحراسة الليلية تفادياً للسرقات"، لافتاً إلى أنّ "الدولة غائبة كليّاً عن المنطقة. فمن بادر إلى تقديم الدعم والمساندة هم جمعيات خيرية ومتطوّعون من مختلف المناطق".
أمّا الشاب حاتم زهران، الذي تضرّر مبنى جدّه ووالده وعمّه بشكلٍ بالغٍ، علماً أن المبنى يعود لحقبة السبعينيات، فيقول لـ"العربي الجديد": "أُصيب أخي وتضرّرت خمس سيارات تملكها عائلتنا"، قبل أن تقاطعه والدته بترداد سؤالها "شفتولي وائل (هل رأيتم وائل)؟"، مشيرةً إلى أنّه السؤال الوحيد الذي راودها لحظة الانفجار. فوائل، ابن الـ21 عاماً، كان على دراجته النارية قرب تمثال المغتربين حيث أصيب في عينيه وأنفه وخضع لعملية جراحية.

تداعيات الانفجار في مرفأ بيروت (حسين بيضون)

 

الوالدة المجروحة تتذكّر كيف خسرت ابنها الثاني منذ نحو أربع سنوات وهو بعمر 23 عاماً، وذلك بسبب حادث سيرٍ ناجمٍ عن إهمال الطرقات. وتقول: "ارحموا الشعب أيها المسؤولون، اتركوا كراسيكم واستقيلوا، فنحن نرى الموت بأعيننا بشكل دائم. تربّينا على الحرب الأهلية. تدمّرت أحلامنا وعجزنا عن متابعة تحصيلنا العلمي، فما كان منا إلا المكافحة من أجل تعليم أبنائنا، لا لنخسرهم بلحظة من الزمن".
كارلا شوفاني، وهي والدة توأم بعمر السنة وشهرين، والتي أصيبت معهما بجروحٍ في اليدين والقدمين والرقبة، وتناثرت دماؤهم في أرجاء المنزل، تختصر آلامها بالقول: "الوضع مبكٍ. نجونا، أنا وطفلاي الصغيران، بصعوبة وسط كل هذا الدمار الشامل. لم يبق لنا منزل يؤوينا أو سيارة"، محمّلةً مسؤولية الانفجار "للمسؤولين القبضايات الشرفاء الذين يحبّون بلدهم وأبناء وطنهم".

يتذكروننا في الانتخابات
في مختلف أرجاء منطقة المدوّر، تنشط عمليات إزالة الركام والدمار من قبل الأهالي والمتطوّعين، إضافة إلى توزيع المساعدات الطبية والغذائية. والجدير ذكره، أنّ منطقة الكرنتينا - المدوّر التي تضمّ ثكنة للجيش اللبناني ومقرّاً لفوج إطفاء بيروت، ما زالت آثار الرصاص أيام الحرب الأهلية بادية على بعض مبانيها وجدرانها. وقد شكّلت عبر التاريخ ملجأً للعديد من اللاجئين والمهجّرين، حيث أُقيمت على أرضها مخيمات للأرمن مطلع القرن الماضي وللفلسطينيين الذين لجأوا إلى لبنان بعد نكبة العام 1948، وللسوريين الذين كانوا يعملون في لبنان وغادروه خلال الحرب. 

يوضح أحد المتطوّعين أنّ "منطقة الكرنتينا والمدوّر بشكل عام تضمّ سكاناً من مختلف الطوائف والمذاهب، غير أنّ معظمهم يعيش في الإيجار ويتقاضون دخلاً محدوداً، ولا يزورهم السياسيّون إلا وقت الانتخابات النيابية والبلدية".

المصيبة تبدأ عندنا
يأسف المختار السابق لمنطقة المدوّر، جان صليبا، والذي كان يزيل وأبناء منطقته ركام الانفجار، لـ"غياب الاهتمام الرسمي بالمنطقة، سواء من قبل النواب أو بلدية بيروت، باستثناء القليل منهم". يقول لـ"العربي الجديد": "لم يبق منزل على حاله، فلا إمكانية للسكن في هذه الأبنية، إنّه حقاً لمشهد مريع ذكّرني بحرب المائة يوم (إحدى المراحل خلال الحرب الأهلية) مضروب بـ 10 أضعاف وقد حدث في فترة لا تتعدّى خمس ثوانٍ. المصيبة تبدأ دائماً من منطقتنا المنكوبة أصلاً، حيث إنّ الكرنتينا تضمّ منازل قائمة على "التلزيق" بمعنى أساساتٍ هشّة، وهنا في حي السيدة الأضرار جسيمة، خصوصاً أنّ الحي يقع مقابل البحر والمرفأ، فالضرر طاول المباني السكنية والمحال التجارية والمؤسّسات والشركات والمعامل وخطوط المياه والكهرباء، ناهيك عن المستشفى الحكومي ومركز توزيع الأدوية و300 شركة بحرية للاستيراد والتصدير وتخليص البضائع".
وإذ يشيد صليبا بـ "المبادرات الفردية وتطوّع الجمعيات الأهلية لمساعدة أبناء المنطقة"، يدعو الهيئة العليا للإغاثة إلى مسح الأضرار بدلاً من الطلب من المتضرّرين تقديم طلبات. ويقول: "لا نريد أيّ دعم خارجي يصل إلى جيوب المسؤولين".

تداعيات الانفجار في مرفأ بيروت (حسين بيضون)

 

بدوره، يقول المختار الحالي للمنطقة أحمد دعيبس، لـ "العربي الجديد": "تضرّر 62 مبنى في حي المدوّر- شارع الراهبات وأصيب نحو 50 شخصاً، عدا الإصابات والمباني المتضرّرة العديدة في الأحياء الأخرى للمنطقة. الوضع كارثي، فالحرب الأهلية نفسها لم تشهد هذا الحجم من الخسائر. نصف أبناء المنطقة ناموا في العراء". ويعترف بأنّ "الجهد الذي تبذله الجمعيات الخيرية والأهلية يفوق عمل بلدية بيروت الذي يقتصر حالياً على تنظيف الشوارع".

مائة سنة إلى الوراء
"قتلوا الطفولة"، بهاتين الكلمتين تعبّر مسؤولة قسم الأطفال في مستشفى بيروت الحكومي – الكرنتينا، ماري خليفة، عن الأضرار الجسيمة التي لحقت بالمستشفى بكامل أقسامه، من قسم الأطفال وقسم عناية الأطفال الجرحى وحديثي الولادة، مروراً بقسم الطوارئ وغرفتَي العمليات والإدارة والمحاسبة والمعلوماتية والصيدلية، وصولاً إلى العيادات الخارجية التي كان يقصدها العمّال الأجانب والعاملات الأجنبيات لإجراء الفحوصات الخاصة بالاستحصال على الإقامة، إضافة إلى موظّفي المطاعم والمقاهي بهدف إجراء فحوصات السلامة العامة من أجل سلامة الغذاء". 
تجولت "العربي الجديد" مع خليفة بدءا من قسم ألعاب الأطفال حيث تطايرت الدمى والألعاب وكل وسائل التسلية والترفيه، محوّلةً القسم إلى "مسرح جريمة". تقول: "هنا كان يقضي الأطفال المرضى أوقاتهم، سواء الذين يعانون أمراضا مزمنة أو الذين خضعوا لعمليات جراحية في المستشفى، عدا عن الأضرار الجسيمة في قسم العناية وحواضن الأطفال".

تتحدّث بمرارةٍ عن القسم المستحدث للأطفال المصابين بفيروس كورونا، بعدما كان قسماً للجراحة، والذي كان سيستقبل 3 أطفال في العناية المركّزة ونحو 15 طفلاً من الحالات المستقرة. تقول: "أنهينا يوم الثلاثاء الماضي، قبل وقوع الانفجار بقليل كامل التجهيزات اللازمة للقسم المذكور من معدّات طبية وإجراءات وقائية وأسرّة وغرف عزل، وكان من المفترض أن يفتتحه وزير الصحة حمد حسن، إلا أنّ الكارثة حلّت وأطاحت بالقسم ومرفقاته". تضيف: "كل مرة يعودون بنا مائة سنة إلى الوراء، وكل مرة تتطاير أحلامنا وآمالنا. دمّر المستشفى وأصيبت 3 ممرّضات لدى محاولتهنّ إنقاذ الأطفال المرضى".

المساهمون