هل يترك السودان مصر تغرق في سد النهضة؟

08 يناير 2016
الصورة
يلاحظ المتابع للمفاوضات بين مصر والسودان وإثيوبيا بشأن سد النهضة الذي تبنيه الأخيرة على مياه نهر النيل، وترفضه القاهرة، أصواتاً مصرية تحذر من أضرار السد، وكتابات وبرامج لإعلاميين وكتاب وخبراء تدعو إلى ضرورة التدخل لحماية أراضي مصر والوقوف أمام آثار السد الكارثية. وفي الأثناء، يتناسى كثيرون الشريك الثالث في القضية، وهم الأشقاء السودانيون وموقفهم من السد، وأهمية دورهم في الوقوف ضد الجموح الإثيوبي. وكانت المفاوضات قد شهدت توسط الطرف السوداني، وتدخله الدائم للوساطة بين مصر وإثيوبيا في محاولاتٍ لتقريب وجهات النظر، من أجل إنجاح المفاوضات الثلاثية، والوصول إلى حلول ترضي الأطراف الثلاثة. والسؤال: ما حقيقة الموقف السوداني من السد وبنائه؟
للإجابة، يحسن إيضاح حقيقة تاريخية مهمة، ظلت راسخة في أذهان الأشقاء في السودان، ولنقل بعضهم، وهي أن كثيرين منهم غير قادرين على أن يمرّروا فكرة إنشاء مصر السد العالي وبحيرة ناصر، ويقولون إنه كان على المصريين أن يشيدوهما داخل أراضيهم بالكامل، إذ تمتد البحيرة داخل الأراضي السودانية، بل إن بعضهم زاد في حنقه على السد العالي الذي يرون أنهم لم يجنوا منه شيئاً، وذهبوا إلى أنه تسبب في أضرار كثيرة، أقلها التكهن بتكوين دلتا جديدة في النوبة السودانية.
وبعيداً عن حصة السودان من مياه النيل التي لم تأخذها منذ 1959، نظراً لعدم استخدامها وحاجة السودان لها، وقد طالب بعضهم بها بأثر رجعي، هناك اتجاه سوداني بأن يغرّد السودان في ملف سد النهضة بما يخدم مصالحه الاستراتيجية فقط، وأن يقتصر دوره في تهدئة الأوضاع بين مصر وإثيوبيا لتمرير السد، وهو ما لم ينكره أبناء جنوب الوادي؛ وقد أعلنوها مرات أن مصر تتخوف أكثر من اللازم، بل أكد الخبراء الفنيون في الوفد السوداني التفاوضي أن المخاوف المصرية غير مبرّرة، باعتبار أن السد الإثيوبي هو لتوليد الكهرباء، والمياه ستمر عبر بواباته لتعود إلى جريانها في النيل الأزرق، وهذا ما قاله المهندس عضو اللجنة الفنية السودانية المفاوضة، المهندس قاسم السيد. ويظهر جلياً أن السودان أخذ قراره مبكراً أن السد الإثيوبي الذي يبعد 25 كيلو عن الحدود السودانية هو بمثابة السد العالي للسودان، حيث سيضمن حال اكتمال بنائه فوائد جمة للسودان، منها: وقاية السودان من الفيضانات التي كانت تغرق المدن السودانية وقت الفيضان. تنظيم المياه في مجرى النهر في أثناء مرورها بالسودان، لتصبح متوفرة بانتظام طوال العام، بما يسمح بوجود دورة زراعية ثنائية، وربما ثلاثية، وتحقيق حلم السودان في زراعة أراضيه، وجذب مزيد من الاستثمارات الزراعية لأراضي السودان الصالحة فعلاً للزراعة. استخدام الكهرباء المولدة من سد النهضة في التنمية الزراعية والصناعية، وهو ما تحتاجه السودان بشدة، خصوصاً أن إثيوبيا اتفقت فعلياً على إمداد السودان بالكهرباء بأسعار التكلفة، حسب خبراء سودانيين. إنشاء السد سيمنع وصول الطمي إلى السدود السودانية على النيل، وبالتالي رفع فترة بقاء هذه السدود وعمرها عشرات السنوات.
وربما هناك حديث عن أضرار بيئية بسب إنشاء السد، لكن بعضهم اعتبروها أقل بكثير من الفوائد، متغاضين عن القول بهذه التغيرات البيئية الكبيرة بعد بناء السد، وربما أنهم سلموا بأنه مع اختفاء (الطمي) فالبديل هو الأسمدة الصناعية.
ومع تماهي النظرة السودانية مع وجهة النظر الإثيوبية في الاستفادة من سد النهضة تحديداً، وتمريره من أجل المصلحة السودانية، والتقليل من مخاوف المصريين، حسب ما قاله زعيم حزب الأمة السوداني، الصادق المهدي، الذي استغرب كثيرون (وصاحب هذه السطور منهم) تدخله، فهو ليس خبيراً فنياً بالمياه، وقد ذهب أبعد من ذلك، ليؤكد أن فوائد جمة ستكون للسد على مصر والسودان!
إلا أن الحق لا بد أن يقال، وهو أن المفاوض السوداني كان حريصاً على شقيقه المصري، ولم
يتخل عنه ويتركه للإثيوبي الذي عزم أمره في المضي في مشروعه، من دون أية اعتبارات لحقوق تاريخية مصرية في مياه النيل، أو حق الإخطار المسبق، وكانت للمخاوف السودانية حدود معينة، تعلقت بسلامة الإنشاءات، وسلامة جسم السد وصموده أمام الزلازل والظروف التي ربما أثارها خبراء من انهيار السد، ما سيغرق الخرطوم ويقضي على مناطق واسعة في السودان حال انهياره. والثابت أن المفاوض السوداني كان بارعاً في هذه المفاوضات التي لم يتغير في أثنائها وزراء الري والسدود السودانيون، بالقدر الذي رأيناه في الحكومات المصرية المتعاقبة، فرأينا خمسة وزراء ري مصريين اختلفوا في منهجهم وطريقتهم في التعامل مع الملف، على الرغم من أن الملف فعلياً كانت تديره جهات سيادية توجه الخارجية والري في مصر في أثناء المفاوضات.
وقد انسحب الخبير القانوني السوداني، الدكتور أحمد المفتي، من المفاوضات، ورفضها قائلاً إن هناك أضراراً على دولتي المصب، مصر والسودان، وقال إن التحرك السوداني المصري لا بد أن يسير من خلال محورين: التسليم بأهمية استفادة إثيوبيا من الموارد المائية لنهر النيل، بشرط عدم تسبب هذه الاستفادة بأية أضرار لدولتي المصب، وأن تكون هناك ضمانات لتحقيق الأمن المائي للدول الثلاث، ومعهم جنوب السودان. ضم جنوب السودان للاتفاقات من خلال أطر قانونية، تضمن تحقيق المصالح المشتركة. ودعا إلى ضرورة التنسيق السوداني مع مصر من أجل المصالح الاستراتيجية وتوحيد المواقف، باعتبارهما دولتي المصب وصاحبتي الأضرار الكبرى الناجمة عن أية إنشاءات على النيل.
العاجل اليوم، وبدون أية رتوش تجميلية، أن الضرر الكبير لسد النهضة أصبح أمراً مصرياً، وباتت مصر تسبح وحيدة ضد تيار إثيوبي، وسط النيل الأزرق وعبر الأراضي السودانية، وتأكد لمن يتابع المفاوضات وتصريحات المسؤولين في جنوب الوادي هذا الأمر مرات في الماراثون التفاوضي.
وهكذا، تتأكد الحقيقة المرّة التي يجب أن تعترف بها دولتا المصب، مصر والسودان، وهي أن إثيوبيا قادت هذه المفاوضات بالشكل الذي يحقق مصالحها، وبطريقة كشفت عجز المفاوض المصري الذي لم يستطع فعل شيء سوى الغضب، وترك المفاوضات فترات، ثم ما يلبث أن يعود بوساطة سودانية، بعد أن يكون السد قد اكتمل جزء منه، ليغضب المفاوض المصري مرة أخرى، ثم ما يلبث أن يعود، بعد أن يكون البناء قد ارتفع بقدرٍ، تقل فيه الفرص التفاوضية وهكذا دواليك، حتى أصبح الأمر وكأنك تقول لمن حولك "شاهدت هذا الفيلم قبل ذلك".
فهل تشهد الأيام المقبلة موقفاً سودانياً مصرياً واحداً، يرضخ للضغوط الشعبية، ويحسم الأمر في مواجهة الإصرار الإثيوبي على إطالة أمد المفاوضات، لتمرير السد الذي يسير وفق معدلات إنشائية جيدة، أم سوف تفرض المصالح موقفاً مصرياً منفرداً، يرفض السد بحجمه الحالي، ويجبر إثيوبيا على الاكتفاء بـ14 مليار متر مكعب، بدون الصدام مع الشريك والشقيق السوداني؟