هشاشة فوق العادة

الصورة
قد لا يكون من المبالغة القول إن العمل الصحافي في بيئة كورونا في تغطية الأزمة الصحية والحراكات على أشكالها بات لا يقل خطرا عن تغطية النزاعات العنيفة، ولو أن تغطية الأخيرة كانت حكرا على هواة المخاطر من الصحافيين. أن تضع كمّامةً لقضاء حاجياتك فذلك أمر مزعج، أما أن يضع صحافي كمّامة ليغطي من الشارع تظاهرات حاشدة قد يتعرّض فيها لاعتداء من القوى الأمنية أو المتظاهرين إلى حد التوقيف، في حين يحارب القلق من الإصابة بالفيروس، فذلك أمر آخر. القضية ليست مجرّد العمل ساعات طويلة في الحر الشديد، في حين تختنق خلف كمّامة، محاولا أن تقوم بالواجب. ويتذكر بعضنا مشهد الشابة مراسلة إحدى المحطات اللبنانية التي ارتمت أرضا فاقدة للوعي، طالبة عدم الاقتراب منها، ظنا أنها مصابة بأعراض كورونا.
فاقمت أزمة كورونا الهشاشة غير المحتملة لمهنة الصحافة التي باتت أشبه بفعل مغامرة. الصحافي(ة) الذي يخرج إلى ساحة الخبر يوميا قد يأتي خطر كورونا في أسفل قائمة همومه. معظم هؤلاء يعملون في ظروف هشّة بنصف راتب، أو من دون أي راتب، في بطالة مقنّعة. يتعرّض معظم هؤلاء للضغوط التقليدية للعمل الصحافي، في ظل تنامٍ مريع لقمع الأصوات الناقدة لسياسات الحكومات في التعاطي مع الأزمة، أو الأرقام المحجمة لعدد الإصابات، إلى جانب أشكال القمع اليومية الخارجة عن نطاق الجائحة. تأتي هذه التحديات مضاعفة للصحافيين العاملين بشكل مستقل، حيث لا حماية من مؤسسات ولا من يحمون. في بيروت التي تستذكر هذا الشهر (يونيو/ حزيران) مقتل الصحافي الناقد سمير قصير قبل 15 عاما، تتوالى عمليات المضايقات القضائية والتحرّشات لعمل صحافي أو تعليق فيسبوكي. تعرّض الناشط بشير أبو زيد من صحيفة 17 تشرين، الناطقة بلسان الحراك اللبناني، لاعتداء من مناصرين لحركة أمل بسبب محتوى منشور فيسبوكي. الصحافية ديما صادق تتعرّض للملاحقة القضائية لانتقادها سياسيات حاكم مصرف لبنان في وسائل التواصل. في مصر، يتم توقيف رئيسة تحرير موقع "مدى مصر"، لينا عطا الله، لمحاورتها في محيط سجن طرة والدة الناشط علاء عبد الفتاح، المعتقل هناك في 
ظروف غير إنسانية يرفض النظام الاعتراف ببشاعتها. وفي مصر، بلغ عدد الصحافيين والعاملين الإعلاميين المحتجزين اعتباطيا 39 شخصا، آخر من عرف منهم الصحافيان المستقلان شيماء سامي وسامح حنين. تسجيلات تأخذ بالقوة صحافيين وناشطين معتقلين يعترفون فيها بـ"التآمر" على الأمن القومي، عبر إنتاج تقارير إعلامية لحساب قناة الجزيرة، للإلهاء عن فشل نظام عبد الفتاح السيسي في التعاطي مع الجائحة، والإيهام بأن الأعداد محدودة إلى جانب إسكات المراسلين الأجانب بالطرد أو التهديد بالملاحقة. في المغرب، عادت التهم الأخلاقية لتشهر سيف الإسكات فوق رأس الصحافة الناقدة. سليمان الريسوني ثالث صحافي يتعرّض لتهمة أخلاقية، بعد رئيس التحرير توفيق بو عشرين، والصحافية قريبته هاجر الريسوني في صحيفة أخبار اليوم رأس حربة المعارضة في المملكة. سليمان الذي بات الرجل الأول في الصحيفة الناقدة الأبرز في البلاد، والتي تعاني أزمة اقتصادية خانقة، متهم بمحاولة الاعتداء على شاب مثلي الجنس. هل أصابت السلطة هدفين في آن في اعتمادها مقاربة تشهيرية للقضية مخالفة للإجراء القانوني الذي يضمن حقوق الجهتين، فأسكتت الصحافي الناقد المزعج، وزادت من هشاشة وضع الشاب الذي لا يعترف القانون المغربي بحقه في الاختلاف، ويصنفه في خانة "الشذوذ" الجنسي، ويفرض عليه عقوبات بالسجن؟
زادت أزمة كورونا هشاشة العمل الصحافي في شقيه، المستقل والموالي. في حين ارتفعت وتيرة القمع للعمل الصحافي الناقد أو الاستقصائي. لا نعرف سوى القليل عن حالة المراسلين الصحية، وما إذا كانت مؤسسات العمل تؤمّن الحماية اللازمة لهم، بما في ذلك الإجازة المدفوعة لمن يصاب بالفيروس. لا معلومات عن الصحافيين المستقلين غير المنتمين لمؤسسات، أو الضحايا من بين أعضاء الجسم الصحافي. في بيرو، على سبيل المثال، قضى عشرون صحافيا وعاملا في التغطية الإعلامية للوباء لعدم توفير معدّات الحماية لهم في أثناء القيام بمهامهم.
ليس هنالك ما يفاجئ في تردّي حال المهنة في العالم العربي، حيث ممارستها باتت ضربا من المجازفة إن لم يكن الصحافي بوقا، إلا أن تحوّل الولايات المتحدة إلى إحدى أبرز ساحات قمع العمل الصحافي رفع مستوى هشاشة المهنة إلى ما فوق العادة. صادم فيديو اعتقال صحافي محطة "سي أن أن" وهو يستسلم للشرطة، على الرغم من إعلانه هويته المهنية وانسحابه من المكان كما طلب منه. عشرات أشرطة الفيديو على "تويتر" نشرها صحافيون لتوثيق الاعتداءات عليهم على يد رجال الأمن. وفي حالات قليلة، مجموعات من المتظاهرين بينهم من كسر أنفه، ومن اختنق بالغاز المسيل للدموع، ومن أوقف اعتباطيا، على الرغم من شارة الصحافة. نشر موقع "بيلينغكات" الاستقصائي توثيقا لـ 113 حادث اعتداء سجل ضد صحافي حتى تاريخ الثاني من يونيو/ حزيران الحالي، غالبيتها في محيط البيت الأبيض، عندما توجه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إلى كنيسة مجاورة لالتقاط صورة أمام كنيسة حاملا الإنجيل.
السيسي الأميركي، كما أطلقت عليه اللقب صحيفة نيويورك تايمز بشأن التظاهرات السلمية التي
 اندلعت بعد مقتل الشاب الأسود، جورج فلويد، على يد شرطي أبيض إلى ساحة من ساحات الحراك الشعبي في لبنان أو العراق أو السودان، وقبلها موجات الربيع الأولى. من التبسيط التشبيه بين الأنظمة العربية التي واجهها المتظاهرون العرب باللحم الحي في وجه الرصاص الحي وبين النظام الأميركي الذي يطرح اليوم أسئلة ضرورية عن ديموقراطيته. سوف يقول أباطرة القمع في عالمنا: إذا كانت أميركا تقمع الحريات العامة وحرية الصحافة، لم تنتقدنا الهيئات الحقوقية العالمية وبضعة أصوات في الداخل، ما زلنا نسمح لها بالتنفس... غريب أمر هؤلاء هواة العمل الصحافي (الحقيقي) في العالم العربي وأنحاء أخرى من العالم. هل هو شغف أم عملية انتحار؟
تعليق: