هذا الجنون السعودي الإماراتي في اليمن

30 أكتوبر 2017
الصورة
+ الخط -
لا يمكن التعويل على المسؤولية الأخلاقية والإنسانية لدى الدولة التي يحكمها منطق "ملوك الصحراء"، داخل حدودها أو خارجها، إذ تظل سياستها محكومة بعقليةٍ لا ترى أبعد من مصالحها، حتى لو أدى إلى هلاك جيرانه الأقرباء. باعتبارها دولة متدخلة في اليمن، أدارت العربية السعودية علاقتها التاريخية مع جيرانها اليمنيين، لا مع سلطاتهم السياسية، من منطلق الغلبة التي يفرضها البدوي الغني على فقراء الآخرين، إذ تتعاطى السياسة السعودية مع تداعيات حربها على اليمنيين بلا مبالاة، متعالية على أوجاعهم. إلا أن اللافت أن استعلاء السعودية في إعلانها، بين وقت وآخر، ضرورة استمرار الحرب في اليمن، لا يقف خلفه عدم احترامها خيارات السلام أو الحرب للسلطة الشرعية، ممثلة بالرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، وإنما ثقة بالمجتمع الدولي المتواطئ مع إدارتها في نكبة اليمنيين.
منذ التدخل العسكري السعودي في اليمن، في مارس/آذار 2015، ظل المجتمع الدولي يقارب معظم مقترحات حلول الأزمة اليمنية بين الفرقاء اليمنيين من منطلق الرؤية السعودية أولاً، متجاهلا أن السعودية والإمارات عملتا على عرقلة تمكين السلطة الشرعية في المناطق المحرّرة، لتضعا نفسيهما كأنهما سلطات بديلة للشرعية، ثم سعتا إلى التنصل من وكلائهما المحليين اليمنيين، بل والزجّ بهم في قوائم الإرهاب، كما فعلتا مع بعض القيادات السلفية أخيرا. لكن المجتمع الدولي لم يبالِ بحقيقة الدور المكشوف الذي لعبته السعودية والإمارات، اللتان تجاوزت مهمتهما الشكلية، قوتين إقليميتين حاميتين للسلطة الشرعية اليمنية، إلى متنفذين إقليميين، وطرفين من أطراف الحرب الدائرة في اليمن، مستقلين عن السلطة الشرعية ومقوّضين مشروعيتها، يسعيان بدأب إلى تحقيق أجنداتهما الخاصة في اليمن، على حساب دماء اليمنيين ومستقبل بلادهم.
التعامي حيال المشكلات التي أحدثتها حرب السعودية والإمارات في اليمن، والمصالح معهما، جعل المجتمع الدولي يعاني من ازدواجية الموقف السياسي والأخلاقي، إذ تعامل مع الملف 
اليمني كأنه مسألة سعودية في المقام الأول، وتُرجم هذا التوجه، في مخرجات مجلس حقوق الإنسان الشهر الماضي، خطا سياسيا توافقيا، لا يتصادم مع الرؤية السعودية، أكثر منه مراعاة لحقوق الضحايا اليمنيين. وبمقتضى ذلك، مدّد للجنة الوطنية اليمنية المدعومة من السعودية، مع إيفاد خبراء دوليين. في سياق آخر، ظل المجتمع الدولي يخاتل، في موقفه الأخلاقي، بين تحميل السعودية والإمارات تبعات حربهما في اليمن على الصعيد الإنساني وإعفائهما من هذه المسؤولية، فعلى الرغم من إدراج الأمم المتحدة التحالف العربي في القائمة السوداء لمنتهكي حقوق الأطفال في اليمن، إلى جانب مليشيات الحوثي وعلي عبدالله صالح، فإن الأمر برمته لا يتجاوز الضغط على السعودية، لابتزاز مزيد من الأموال، إلى حد توصيف المبادرة الجديدة للمبعوث الأممي إلى اليمن، إسماعيل ولد الشيخ، السعودية عرّابا للتسوية السياسية بين الفرقاء اليمنيين، لا باعتبارها طرفاً في حرب اليمن.
ثقة السعودية المفرطة في استمرار حربها في اليمن، مهما كانت كلفتها على اليمنيين، نجمت عن تفويضٍ غير معلن وغير مشروط من المجتمع الدولي، وهو ما جعل السعودية أكثر استرخاءً، من أي وقت سابق، في كشف أغراضها في اليمن، والتي تتجاوز حسم الحرب عسكرياً بسبب فشلها في تحقيق ذلك، وكذلك في القضاء على خصمها الحبيب، علي عبدالله صالح، إذ أوضحت لليمنيين، أكثر من غيرهم، أن حربها في اليمن لم تكن للقضاء على صالح، وإنما القضاء على اليمنيين، حيث فتحت مطار صنعاء لاستقدام بعثة طبية روسية لعلاج صالح، فيما تستمر، وبعنجهية، في إغلاق المطار أمام اليمنيين البسطاء.
إفرازات الحرب في اليمن، وطريقة إدارة السعودية هذه الحرب المعبر عنها بعلاقتها مع السلطة الشرعية وحلفائها المحليين المنضوين تحت مظلتها، تؤكد ذلك كله، على أن السعودية تهدف إلى إبقاء اليمن دولة بلا سلطة شرعية، منزوعة السيادة، ووكراً للجماعات الدينية المتطرّفة بكل أشكالها وأيدولوجياتها، وتمزيق اليمن الواحد إلى جيتوهات مغلقة، مناطقية وطائفية، ومنع قيام أي سلطة وطنية تسيطر على موارد اليمن، وتمثل خيارات اليمنيين في مستقبلهم، وأن يبقى اليمن، بشكله الحالي، أرضا بلا سلطة، بما يمكنها من السيطرة واستنزاف المقدرات الاقتصادية لليمن، ولا تهم، بعد ذلك، التبريرات اللزجة التي تقدمها السلطات السعودية في دوافع استمرار حربها في اليمن. ظهر ذلك جلياً في تصريح ولي العهد السعودي، الأمير 
محمد بن سلمان، أخيرا، أن الحرب في اليمن مستمرة حتى ضمان عدم قيام حزب الله على الحدود الجنوبية للمملكة، وهو تصريح يعكس العقلية السعودية الحاكمة في طريقة إدارتها مشكلاتها الإقليمية، بما فيها حربها في اليمن، حيث تتجاهل عقلية كهذه ليس فقط خساراتها الأخلاقية والشعبية في محيطها الإقليمي، وإنما نتائج سياساتها على المجتمعات الأخرى.
يتبنى ولي العهد السعودي خطاباً مختلفاً عن خطاباته السابقة فيما يخص الحرب في اليمن، إذ لم يتطرق إلى إيران مباشرة ودورها في دعم الحوثيين مبرّرا لاستمرار الحرب، فقد أدرك، متأخرا، ربما، أن فزاعة إيران غطاء لهذه الحرب لم تعد رواية مقنعة لأحد، بمن فيهم حلفاؤها اليمنيون، فلوّح هذه المرة بتشابه تجربة الحوثيين في اليمن مع حزب الله، وكيل إيران في لبنان، مؤكدا أن الوضع في اليمن أخطر من لبنان، وذلك لوقوع اليمن على منافذ التجارة الدولية. وتفتقر مقاربة ولي العهد السعودي هذه للمشهدين، اللبناني واليمني، على ابتسار حقيقي للحقائق السياسية والاجتماعية في اليمن، وهو ما ينم عن سطحية مضحكة، أولا لاختلاف التجربة الحوثية وتجربة حزب الله، فضلاً عن تجاوز جماعة الحوثي الدور السياسي لحزب الله في لبنان الذي اقتصر على التموضع قوة سياسية مسلحة معطلة، ودولة داخل الدولة اللبنانية، في حين اكتسحت جماعة الحوثي الدولة اليمنية، وأقامت سلطتها في المناطق التي أخضعتها بالقوة، كما أن جماعة الحوثي لا تتكئ عقائدياً على المرجعية الدينية التي يمثلها حزب الله، الذي هو أقرب إلى المرجعيات الدينية الشيعية الإيرانية، على أن المشكلة الحوثية أكبر من مشكلة حزب الله في السياق اللبناني، وتقتضي حلولاً سياسية أكثر منها عسكرية، إذ فشلت الحلول العسكرية السعودية في ترويض جماعة الحوثي، أو حتى القضاء على سلاحها الثقيل.
لا إعادة شرعية، ولا الحرب ضد صالح، ولا الخوف من جماعة مجنونة متغوّلة أسفل حدودها سيظل مبرّراً مقنعاً لاستمرار حرب الفاتحين والمحرّرين، وإنما تجذير الفوضى والاحتراب الأهلي في اليمن، واستنزاف مقوماته الإنسانية والاقتصادية والثقافية، وتشطيره، كان هو الهدف الحقيقي الذي استوجب التدخل العسكري لدول التحالف، والذي نجحت في تحقيقه بمساعدة الفرقاء اليمنيين وتواطؤ العالم، وما لم يصحُ ضمير الفرقاء اليمنيين والمجتمع الدولي، ستمضي السعودية والإمارات، وربما بوحشية وجنون أكبر، نحو إقامة ممالكها الإقليمية في جمهوريات الخراب العربي الكبير، وستعفي نفسها قريباً حتى من إعلان نوايا أخرى للطيبين.