هجوم لبايدن على السيسي... وأخطار تهدد مصر

14 يوليو 2020
الصورة
وصف ترامب السيسي بديكتاتوره المفضل (نيكولاس كام/فرانس برس)

لا تفصل مصادر دبلوماسية في ديوان الخارجية المصرية بين التغريدة الأخيرة عبر "تويتر"، التي أطلقها مرشح الحزب الديمقراطي لانتخابات الرئاسة الأميركية المقررة في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، جو بايدن، ضد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وبين حراك سياسي أوسع تشهده أروقة السياسة الأميركية، وتحديداً في وزارتي الخارجية والدفاع وداخل الكونغرس، لتحجيم التنسيق بين إدارة الرئيس دونالد ترامب والقاهرة في العديد من الملفات السياسية والأمنية. ويأتي هذا التنسيق مقابل صمت الإدارة الأميركية المستمر على أوضاع الحقوق والحريات المتراجعة في مصر، بدعوى ضرورة التعاون مع السيسي وتأمين أوضاعه الداخلية والخارجية، على خلفية التوافق بينه وبين الرئيس الأميركي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والدور الذي يؤديه السيسي لتنفيذ أجندة قيادات الإمارات والسعودية المدعومة من ترامب أيضاً.
وسبق لبايدن أن انتقد وفاة المواطن الأميركي من أصول مصرية مصطفى قاسم في سجنه المصري، مطلع العام الحالي، وانتقد تخاذل الإدارة الأميركية في التعامل مع تلك القضية. لكن المرشح الديمقراطي شنّ في تغريدته الأخيرة هجوماً مزدوجاً على ترامب والسيسي: فمن جهة، حمّل الأول مسؤولية اعتقال الشاب الأميركي – المصري محمد عماشة لمدة 468 يوماً في السجون المصرية قبل الإفراج عنه بضغطٍ أميركي، ومن جهة ثانية هدّد بالتعامل بشكل مختلف مع السيسي حال فوزه بالرئاسة الأميركية. وكتب بايدن أنه "لا مزيد من الشيكات على بياض لديكتاتور ترامب المفضل"، في إشارة للوصف الذي أطلقه الرئيس الجمهوري على الرئيس المصري خلال مشاركتهما في اجتماع قمة السبع الكبار التي استضافتها فرنسا في سبتمبر/ أيلول الماضي.

تحيط ببايدن  شخصيات لها تحفظات عدة على القاهرة، تصل إلى ما يمس بمصالح مصر

وقالت المصادر المصرية، لـ"العربي الجديد"، إن التحرك الديمقراطي قائمٌ، منذ فوز ترامب، ضد النظام المصري في القضايا الأساسية من حقوق وحريات وتعاون عسكري، وكذلك مسألة المعونات الاجتماعية والعسكرية. وأوضحت أن الأمر كان يختلف بين عناصر تنتمي للفريق المحافظ من داخل هذا الحزب، والذي لا يجد مشاكل في التعاون مع السيسي في القضايا محل الاهتمام المشترك، وعلى رأسها تطبيع العلاقات العربية الإسرائيلية وتصفية القضية الفلسطينية، وبين عناصر تنتمي للتيار اليساري، وهو الفريق الأكثر شباباً وتمثيلاً للديمقراطيين في الكونغرس حالياً. وكان هذا التيار ممثلاً أيضاً على نحو مكثف في إدارات البيت الأبيض ووزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي وغيرها من المؤسسات في عهد الرئيس السابق باراك أوباما، والذي كان له موقف مبدئي ضد السيسي ونظام حكمه.

وأضافت المصادر أن السيسي، بأذرعه التي تتحرك في كواليس السياسة الأميركية، لم يستطع تحقيق أيّ اختراقٍ في صفوف الحزب الديمقراطي طوال السنوات الماضية. وجاء ذلك، بحسب المصادر، على الرغم من تعدد الدعوات التي وجهها السيسي إلى مجموعات نيابية، بعضها ينتمي للحزب، خلال زياراته المتكررة لواشنطن، وزيارة بعضهم للقاهرة، وكذلك اللقاءات التي يعقدها ممثلو النظام مع نواب ومسؤولين بمختلف المؤسسات الأميركية طوال الوقت.
وبرّرت المصادر هذا الفشل بعدم تمتع المفاوضين المصريين بالمساحات التي كانت متاحة لممثلي نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك طوال فترة حكمه التي مرّت بمراحل مختلفة ومتنوعة من العلاقات مع الإدارات الأميركية المتعاقبة. وشرحت أنه "في أسوأ الأوضاع، كما كان في عهد جورج بوش الابن، الذي شهد الترويج لأفكار لم يرحب بها مبارك يوماً، كان ممثلو النظام في الولايات المتحدة يتمتعون بالحرية في التواصل مع أطراف مختلفة، ويملكون إعطاء تعهدات وتسجيل ملاحظات والمطالبة بتغييرات". هذا بالإضافة إلى استخدام هؤلاء، مجموعة من الأدوات السياسية والدبلوماسية التي يمكن التعامل بها مع الولايات المتحدة، بما تحويه أجهزتها من تناقضات كبيرة وخلافات واسعة، على خلفيات حزبية وفكرية واجتماعية، تجعل من الضروري محاولة الدول المحتاجة للدعم الأميركي كمصر إقامة علاقات جيدة مع كل قوى التأثير المحتملة، بحسب المصادر.
ولفتت هذه المصادر إلى عدم تناسب هجوم بايدن الحاد على السيسي، والذي ستكون له بالتأكيد توابع كبيرة على العلاقات الثنائية في حال فوز المرشح الديمقراطي، مع الجهود الضخمة، صورياً، التي بذلت ودفعت من أجلها مئات الملايين من الدولارات لشركات علاقات عامة وصحف ومراكز بحثية وجماعات تأثير، لتحسين صورة السيسي في الولايات المتحدة. وبرأيها، فإن الهدف الأساسي من تلك الجهود، كان عدم الوصول إلى لحظة كهذه، قبل إقناع ترامب أو وزرائه بتطوير العلاقات مع مصر. ويأتي ذلك خصوصاً أن السيسي عانى سابقاً من قرار تعليق مساعدات لمصر بقيمة 95.7 مليون دولار، إلى جانب تأجيل صرف 195 مليون دولار أخرى في أغسطس/ آب 2017 بضغوط كبيرة من نواب الحزب الديمقراطي. هذا الأمر تغلب عليه الرئيس المصري في يوليو/ تموز 2018، ثم ثار جدل مشابه من قبل النواب الديمقراطيين أيضاً في سبتمبر/ أيلول 2019، وتم تعليق جزء من المعونة حتى أقرها ترامب.

يبرز التوسع في اقتصاد الجيش المصري على أجندة الديمقراطيين 

والمعونة الأميركية لمصر مبلغ ثابت سنوياً تتلقاه القاهرة في أعقاب توقيع اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية في العام 1978، وتحصل مصر بموجبها على مبلغ 2.1 مليار دولار، منها 815 مليون دولار معونة اقتصادية، و1.3 مليار دولار معونة عسكرية. لكن القيمة السياسية للمعونة أكبر بكثير من قيمتها المالية، فهي من ناحية تعبر عن اعتراف واشنطن بشرعية الرئيس المصري وبمساعدتها له وبدعمها لسياساته، ومن ناحية أخرى تحافظ ضمنياً على العلاقات العسكرية القائمة بين البلدين. وكانت مقترحات بعض نواب الحزبين الديمقراطي والجمهوري بين العامين 2013 و2014 لإعادة صياغة المساعدات والعلاقات بمصر بعد انقلاب 3 يوليو/ تموز، أحد أسباب اندفاع السيسي لتنويع مصادر استيراد الأسلحة، وإن حافظ أيضاً على ضرورة إخطار واشنطن بصفقاته والحفاظ على التنسيق الأمني والاستخباري معها.
ففي يونيو/ حزيران 2014، قدم مجلس الشيوخ الأميركي مقترحاً لخفض المعونة العسكرية الأميركية لمصر من 1.3 مليار دولار سنوياً إلى مليار دولار فقط، وكذلك خفض المعونة الاقتصادية من 250 مليون دولار إلى 150 مليون دولار، حيث تمّ تعليق جزء من المعونة العسكرية بعد الانقلاب لأسباب تعود إلى حقوق الإنسان.
واليوم، وبعد سبع سنوات، يقترب أشخاص من أنصار تلك الخطوة التي منعها ترامب، أكثر من أي وقت مضى من البيت الأبيض. فبايدن الذي عُرف بندرة تعليقاته على الشؤون الداخلية للدول العربية والشرق أوسطية بصفة عامة، ومصر بصفة خاصة، يبدو محاطاً بشخصيات لها تحفظات عديدة على القاهرة، ليس فقط على سياسات النظام المصري، وخصوصاً على صعيد الحقوق والحريات، بل تمتد إلى ما يمس مصالح القاهرة نفسها. أي أن فشل النظام في التعامل مع تلك الأخطار، وفي تحسين صورته نتيجة أدائه الماضي من سيئ إلى أسوأ، قد تكون له آثار بالغة الخطر على مصالح المواطنين.
فالنائبة المحتملة لبايدن، الدبلوماسية السابقة سوزان رايس، سبق وتولت منصبي مساعدة وزير الخارجية للشؤون الأفريقية، ثم مستشارة الأمن القومي، ولها على الدوام مواقف سلبية تجاه مصر، ممتدة منذ عملها في السلطة خلال عهد أوباما، وحتى توقيعها الشهر الماضي على خطاب يطالب واشنطن بالانحياز لإثيوبيا في قضية سدّ النهضة وعدم "محاباة" مصر. كما أن علاقات رايس الجيدة باللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة ومواقفها الإيجابية من إسرائيل، هي من أسلحتها التي تقربها من منصب نائب بايدن، في محاولة الحزب لزعزعة انحياز إسرائيل واللوبي الصهيوني لترامب حتى الآن. 
كما يتولى الشاب من أصول إثيوبية يوحنس أبراهام منصب سكرتير فريق الرئاسة الانتقالي لبايدن، وهو أيضاً ممن يوصفون بأبناء أوباما في الحزب الديمقراطي، حيث عمل في مؤسسته بشيكاغو. ويعتبر اختيار أبراهام من الفرص الجيدة التي بات يحظى بها أبناء الجالية الإثيوبية والجاليات الأفريقية عموماً في أروقة السياسة الأميركية، وهو مثال لظاهرة تفسر نجاح اللوبي الإثيوبي الأفريقي في عرقلة المساعي المصرية والتشويش على رؤية القاهرة لقضية سد النهضة.
وإلى جانب أوضاع الحقوق والحريات التي دائماً ما تكون محوراً للانتقادات الديمقراطية للأنظمة المصرية، تبرز أيضاً مسألة التوسع المضطرد في اقتصاد الجيش والتضييق على المستثمرين المحليين بمزيد من القيود الإجرائية، أو مزاحمتهم في مشروعاتهم، على أجندة الديمقراطيين تجاه مصر، ولها أثر مباشر على قضية المعونة.
فخلال زيارته الأخيرة لنيويورك لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة بالتزامن مع أكبر تظاهرات شعبية ضده في سبتمبر/ أيلول الماضي، واجه السيسي اتهامات وانتقادات يتم تصعيدها بواسطة نواب ديمقراطيين وبعض الجمهوريين بالكونغرس بشأن ضرورة مراجعة المعونة الأميركية السنوية للجيش المصري، بينما يستمر توسعه الاقتصادي، واتجاه السيسي المضطرد لشراء أسلحة من بعض منافسي الولايات المتحدة بهدف توثيق العلاقات وضمان الصمت على الانتهاكات المحلية.
وأوضحت المصادر الدبلوماسية المصرية أنه من المتوقع في الصيف الحالي، ومع اقتراب الموعد السنوي لصرف المساعدات، عقد جلسات استماع جديدة كتلك التي عقدت في صيف 2017 بشأن ملفي حقوق الإنسان والدور الاقتصادي للجيش، ونتج عنها تعليق جزء من المعونة. وذكرت المصادر أن النواب الديمقراطيين يطرحون دائماً تساؤلات عن مدى حاجة الجيش المصري لهذه المعونة ذات القيمة المالية التي تضاءلت بمرور الزمن، وبين كون الجيش المصري قادراً على تحقيق أرباح ضخمة من أنشطة تشهد تضييقاً مستمراً على المستثمرين الأجانب، ومنهم الأميركيون.
يذكر أن العلاقة الودية المتبادلة بين السيسي وترامب كانت دائماً مثار انتقادات وسخرية من أطراف ومراقبين بالدولتين، لكنها تحقق حتى الآن أهدافها لكليهما، طالما استمرا في السلطة. فقد وفّر السيسي ظهيراً سياسياً وأمنياً وإقليمياً لخطة ترامب الجديدة لتصفية القضية الفلسطينية، بتطوير علاقته بإسرائيل وبلعب دورٍ تقريبي بين الدول العربية ونتنياهو بصور شتى. وعلى الصعيد الحقوقي، عكف السيسي على الإفراج عن النشطاء الذين يهتم بهم ترامب ويمهد له المتاجرة بهم كانتصارات شخصية له على المستوى الداخلي. في المقابل، منح ترامب الرئيس المصري مساعدات كبيرة بتخفيف الضغط الأميركي المعتاد على مصر في الملف الإنساني، ومدّ يد العون له في قضية حيوية مثل سدّ النهضة التي تدعم واشنطن فيها حقّ مصر في الحصول على ضمانات بعدم الإضرار وفق اتفاق نهائي وملزم.