"هلع الأجانب" يجتاح فرنسا: قانون جديد لمكافحة المؤثرين

"هلع الأجانب" يجتاح فرنسا: قانون جديد لمكافحة المؤثرين

29 مارس 2024
مارين لوبان في البرلمان الفرنسي، 12 مارس (توماس سامسون/فرانس برس)
+ الخط -
اظهر الملخص
- الجمعية الوطنية الفرنسية تعتمد مشروع قانون جديد لمكافحة التدخلات الأجنبية، مستهدفًا الأشخاص والكيانات المرتبطة بجماعات الضغط الأجنبية والأحزاب السياسية الأجنبية، وسط جدل واسع وانقسامات بين الأحزاب السياسية.
- يتضمن القانون إنشاء سجل وطني للمؤثرين، إمكانية تجميد الأصول المالية، وتوسيع نظام المراقبة الآلي لمواجهة التحديات المتزايدة للتدخلات الخارجية، خاصة في ظل التطورات الإلكترونية.
- يعكس القانون الحاجة الملحة لتحديث أدوات مكافحة التدخلات الخارجية في فرنسا، مع تأكيدات من لجنة الاستخبارات البرلمانية على خطر التدخل الأجنبي المنتشر، مما يثير مخاوف بشأن الحريات العامة ويسلط الضوء على التوترات السياسية.

على الرغم من أن فرنسا لم تُحدّث منذ العام 2015، القوانين المتعلقة بالتحدّيات التي تفترضها ما تسمّى "التدخلات الخارجية"، لاسيما مع تطور أدوات التدخل الإلكترونية وجماعات الضغط الأجنبية، إلا أن اعتماد الجمعية الوطنية الفرنسية (الغرفة السفلى من البرلمان الفرنسي أو مجلس النواب)، أول من أمس الأربعاء، مشروع قانون جديد لمكافحة التدخلات الخارجية، تبناه حزب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون "النهضة"، أثار جدلاً قوياً في قصر بوربون، مقر الجمعية الوطنية، في باريس، حيث تحول إلى مادة خلاف، بين "النهضة"، وخصومها من اليمين المتطرف واليسار الراديكالي على حدّ سواء.

ورغم مرور النصّ، وانتقاله إلى مجلس الشيوخ لدراسته، فإن هذا الجدل، يأتي في سياق حملة تخويف من روسيا غير مسبوقة يشنّها الإليزيه، الذي يصوّب خصوصاً على علاقة اليمين المتطرف الفرنسي بموسكو، وكذلك على أبواب انتخابات أوروبية الصيف المقبل، يجد حزب ماكرون نفسه فيها متراجعاً إلى الوراء خلف اليمين المتطرف واليسار الراديكالي الفرنسيين، واللذين تمثلهما مارين لوبان وجان لوك ميلانشون.

واعتمدت الجمعية الوطنية في فرنسا (البرلمان)، أول من أمس، مشروع قانون يهدف إلى مكافحة التدخلات الأجنبية، مع إنشاء سجل وطني للمؤثرين وإمكانية تجميد الأصول المالية وتوسيع لنظام مراقبة آلي يثير جدلاً. وأبرز المستهدفين بالنص كلّ من يمتون بصلة إلى جماعات الضغط الأجنبية، وكذلك الأحزاب السياسية الأجنبية، والمؤثرين الأجانب، وجامعي الهبات الخارجية.

ينصّ القانون على إنشاء سجل وطني للمؤثرين وإمكانية تجميد الأصول المالية وتوسيع لنظام مراقبة آلي يثير جدلاً

وبرّر مقرّر النص، النائب عن الغالبية الرئاسية، ساشا أوليه، وهو رئيس لجنة القوانين في الجمعية الوطنية، هذا المشروع، بالهجمات الإلكترونية الأخيرة ضد وزارات عدة تبنتها مجموعات مختلفة من القراصنة معروفة بأنها موالية لروسيا، أو رسم نجمة داوود زرقاء على مبان في المنطقة الباريسية نهاية أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وهي عملية قادها جهاز الأمن الفيدرالي الروسي بحسب معلومات استخبارية. ودعا أوليه إلى "التعامل بسرعة مع هذه التهديدات القوية جداً على فرنسا".

نقاشات حادة وأغلبية مؤيدة

وفي ختام نقاشات حادة بين المعسكر الرئاسي والمعارضة، وفي مقدمتها اليسار الراديكالي واليمين المتطرف، أقرّ النص الذي عاد وصوّت عليه حتى نواب اليمين المتطرف، فيما وحدهم نواب حزب "فرنسا غير الخاضعة" اليساري الراديكالي بزعامة ميلانشون، صوّتوا ضده، كما امتنع نواب الحزب الشيوعي الفرنسي عن التصويت. وانتقد نواب من اليمين واليمين المتطرف النص لافتقاره إلى الطموح، فيما عبّر اليسار عن مخاوفه من مخاطر انتهاك الحريات العامة.

وتنص المادة الرئيسية في النصّ على توسيع نظام المراقبة الآلي الذي أطلق عام 2015، ويهدف إلى تحديد بيانات الاتصال على الإنترنت، ويقتصر اليوم على مكافحة الإرهاب مع فعالية متفاوتة وفقاً لساشا أوليه. ويرى هذا النائب أن القانون الجديد على العكس، سيكون أكثر فعالية في كشف البروتوكولات المتبعة من عملاء التدخل، ذاكراً كمثال "عميل صيني يصل إلى فرنسا ويحجز في فنادق عدة ويلغي الحجز ثم يحجز مجدداً في فنادق أخرى ويلغي الحجز مجددا".

سكّان فرنسا تحت المراقبة

وينص المشروع على فترة اختبارية من أربع سنوات يمكن خلالها للأجهزة تطبيق آلية المراقبة لمكافحة التدخلات. لكن نواباً من اليسار يشعرون بالقلق من أن يصبح دائماً في المستقبل. وحول ذلك، حذّر نائب اليسار الراديكالي أنطوان ليومان من أن الحكومة "تضع أدوات مراقبة معممة للسكان".

ويفرض النص أيضاً على ممثلي مصالح أجنبية في فرنسا يقومون بنشاطات لحشد التأييد (لوبيات)، تدوين أسمائهم في سجل وطني عام، مع عقوبات جنائية للمخالفين. وشبّهت صحيفة "ليبراسيون" هذا السجّل بـ"سجلّ العملاء الأجانب" الأميركي (foreign agents registration act). وهذه المصالح أو الكيانات الأجنبية تشمل بحسب القانون القوى غير التابعة للاتحاد الأوروبي، والشركات التي نصفها أو أكثر مملوكة لأجانب أو ممولة من أجانب، والأحزاب السياسية الأجنبية.

لجنة الاستخبارات البرلمانية حذّرت في نوفمبر الماضي، من مواجهة خطر منتشر ودائم من التدخل الأجنبي

وينص المشروع أيضاً على إمكانية تجميد الأصول المالية للأشخاص والشركات والكيانات الضالعة في أنشطة تدخل محددة.

وباختصار، فإن النواب أجّلوا دخول القانون حيّز التنفيذ إلى بداية عام 2025، وذلك للسماح بإنشاء ما تسمى "السلطة العليا لشفافية الحياة العامة" بأن تبصر النور، وهي التي ستكون مهمتها إدارة آلية المراقبة. والمستهدفون بالمراقبة، بشكل عام، هم الأشخاص أو الكيانات المعنوية التي تحاول الضغط على العملية التشريعية أو تقوم بأعمال اتصالات أو تدير أصولاً لخدمة قوة خارجية، خارج الاتحاد الأوروبي، مع ملاحظة بعض الاستثناءات، مثل أطقم البعثات القنصلية والمحامين والجمعيات ذات الأهداف الثقافية.

ووفق القانون فقد أجبر معدّوه مراكز الأبحاث على الإعلان لهذه السلطة عن الهبات التي تصل إليهم أو الأموال من الخارج. وبما أن الخطر "دائم"، فإن الجمعية الوطنية طلبت الحصول على تقرير يقدّم للبرلمان كل عامين حول "خطر التدخلات الخارجية". وبحسب منتقدي مشروع القانون، فإن المشكلة تكمن في أن النصّ يهدف إلى جعل التقنيات التي تستخدم اليوم في البلاد لمكافحة الإرهاب، تمتد إلى وسائل مكافحة التدخلات الخارجية، وهي آلية ستمكّن من تحديد العملاء الخارجيين بحسب بيانات تواصلهم على الإنترنت، ويراها مقدّمو النص أكثر فعالية.

وكانت لجنة الاستخبارات البرلمانية في فرنسا، قد حذّرت في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، من أن البلاد "تواجه خطراً منتشراً ودائماً من التدخل الأجنبي". ودعت اللجنة إلى تشريع جديد، لافتة إلى أن الأدوات الحالية المتوفرة في يد أجهزة الاستخبارات لصدّ الخطر على المدى الطويل غير كافية.

وتحدثت اللجنة عن حملات تلاعب بالمعلومات على نطاق واسع، ما يرقى إلى "نوع جديد من التدخل الخارجي"، ومشدّدة على أن ذلك يحصل "على مستوى غير مسبوق". وبرأي النائب عن حزب "فرنسا غير الخاضعة"، باستيان لاشو، فإن هذه التقنية "تستهدف الحريات العامة"، متحدثاً عن "علب سوداء تحمل الكثير من المخاطر".