نساء السودان... معركة من أجل حكم الولايات

25 يوليو 2020
الصورة
رفض لاضطهاد النساء (أشرف شاذلي/ فرانس برس)

خاضت المرأة السودانيّة والمنظّمات الحقوقية معركة قبل أيام للحصول على مناصب في حكم الولايات تضاف إلى المكاسب التي حققتها بعد ثورة اندلعت في 19 ديسمبر/ كانون الأول عام 2018 في بعض المدن السودانيّة، والتي لعبت فيها دوراً محورياً. بعد أن خاب أمل المجموعات النسوية الأسبوع الماضي بعدما أعلن الناطق الرسمي باسم الحكومة ووزير الإعلام فيصل محمد صالح، عن فشل المشاورات التي يجريها رئيس مجلس الوزراء عبد الله آدم حمدوك بشأن تعيين امرأة في منصب الوالي في أي من الولايات السودانية البالغ عددها 18 ولاية، نتيجة رفض المكوّنات الاجتماعية في كل الولايات فكرة تعيين والية عليهم. يضاف إلى ما سبق عدم ترشيح أي حزب من الأحزاب الحاكمة امرأة لهذا المنصب.
هذه التصريحات أثارت غضباً شديداً وسط الجمعيات المدافعة عن حقوق المرأة، وعدّتها انتقاصاً من حقهن وعدم مواكبة التطور محلياً وعالمياً في منح النساء حق المشاركة المتساوية في كل الوظائف، بما في ذلك تلك السياسية، لا سيما في ظل الاعتقاد السائد بمساهمة المرأة ومشاركتها في الثورة التي أطاحت الرئيس المعزول عمر البشير. 
كما أنّ التوجه الجديد بإبعاد المرأة عن حكم الولايات يتناقض مع توجه الحكومة الحالية التي بدأت في سبتمبر/ أيلول الماضي بمنح النساء فرصاً أكبر. إذ حصلت امرأتان، للمرة الأولى، على مقعدين في مجلس السيادة الانتقالي، كما عُيّنت وزيرة للخارجية (أسماء محمد عبد الله) وقاضي قضاة السودان (نعمات عبد الله محمد خير) ومديرة جامعة الخرطوم (فدوى عبد الرحمن)، وحصلت على أربعة مقاعد في التشكيلة الوزارية بنسبة تقترب من 25 في المائة من مجموع الوزراء.

إنجازات تشريعية
بعد الثورة، حققت المرأة السودانية إنجازات تشريعية أخرى، منها إلغاء قانون النظام العام والآداب العامة الذي كان يسمح بملاحقة الفتيات بسبب لباسهن، وإلغاء مادة في قانون الجوازات والهجرة والجنسية التي تشترط موافقة الزوج على اصطحاب الزوجة لأطفالها خارج السودان. كما ألغيت مادة في قانون الأحوال الشخصية تجرم ختان الإناث كلياً، إضافة إلى تحديد سن المسؤولية القانونية بـ 18 عاماً عوضاً عن الاعتماد على علامات البلوغ.

في هذا الإطار، ترى الباحثة الاجتماعية ثريا إبراهيم، أن حرمان المرأة السودانية من تولي منصب الوالي بداية، ومنحها مقعدين فقط بعد حملة ضغط، يمثل تراجعاً كبيراً بالمقارنة مع التطور والإنجازات التي حققتها المرأة، مشيرة إلى أن رفض المجتمعات فكرة وجود والية يعود للانتقاص من المرأة استناداً إلى مقولة قديمة: "المرأة لو فاس لن تكسر الراس"، مشيرة إلى أنها نظرة خاطئة، بعدما أثبتت المرأة جدارتها في الوظائف التي تبوأتها منذ القدم كطبيبة ومعلمة ومديرة شركة ووزيرة ورئيسة قضاء وغيرها.
وتوضح إبراهيم لـ "العربي الجديد" أن وظيفة الوالي إدارية وهي فرصة لإثبات المرأة جدارتها في حال حازت ثقة الدولة والمجتمع، مشددة على "ضرورة تصحيح تلك المفاهيم وعدم التعالي على المجتمع والاعتماد على التاريخ السوداني نفسه في الإقناع. تاريخياً، حكمت المرأة السودانية الكثير من الممالك، وقادت حركات النضال ضد الغزاة والمستعمرين، وتقدمت على الكثير من قريناتها في المجتمعات العربية والأفريقية".
تتابع: "كانت فاطمة أحمد إبراهيم أول برلمانية في المنطقة تُنتخب انتخاباً مباشراً. كما حصلت المرأة على حق التصويت والترشح في ستينيات القرن الماضي، قبل دول عدة. قبل كثير من الدول التي نراها متقدمة". 
وترى إبراهيم أنه استناداً إلى نضالات المرأة السودانية، فإنها حتماً ستصل إلى ما تريد سواء منصب الوالي أو أعلى منه.

عقليات قديمة
من جهتها، تستنكر القيادية في منظمة "لا لقهر النساء" تهاني عباس، التبريرات الحكومية الخاصة برفض المكونات الاجتماعية في الولايات لوجود والية. وتقول لـ "العربي الجديد" إن الحكومة أطلقت تلك المبررات من دون الاستناد إلى أي دراسة اجتماعية أو استطلاع الرأي العام، ما يشير إلى نظرة الحكومة للمرأة وأهمية مشاركتها في مؤسسات السلطة الانتقالية واعتماد الترهيب بما يتناقض مع الالتزام بالتغيير الذي يجب أن يُفرض وليس مسايرة التابوهات القديمة.
وتوضح عباس أن الجمعيات المدافعة عن حقوق المرأة أطلقت حملتها ضد التوجهات الحكومية والأحزاب الحاكمة، معتمدة على الوثيقة الدستورية التي تعطي المرأة نسبة لا تقل عن 40 في المائة في كل مؤسسة حكومية والمناصب العامة، مشيرة إلى أنها شاركت في ثلاثة اجتماعات مع حمدوك، وأعلن فيها التزامه وتعهداته بالمحافظة على تلك النسبة، خصوصاً في الحكم المحلي والولايات. "لكن يبدو أن هناك تنكراً مستمراً لتلك التعهدات". 
وتشير إلى أن المنظمات النسوية التي تمثل كل القطاعات، بما في ذلك نساء الأرياف والمناطق المهمشة، سلمت حمدوك شخصياً ترشيحهن مباشرة لمنصب الوالي، وقد توقعن تعيينهن أو رد الترشيح لعدم الكفاءة. ويمكن للمنظمات تقديم مرشحات جدد، مؤكدة أن خيبة الأمل الكبرى بالنسبة لهن حدثت بعد اكتشافهن أن قوى إعلان الحرية والتغيير (مكوّنات سياسيّة سودانية تتشكّل من تجمّع المهنيين، الجبهة الثورية وتحالف قوى الإجماع الوطني وكذا التجمع الاتحادي المُعارِض) لم تقدم مرشحة لمنصب الوالي، "وهذا يوضح استمرار العقليات القديمة في إدارة البلاد". 
وأشارت عباس إلى أن الحملة الحالية نجحت في إجراء تعديلات في قوائم ترشيحات الولاة وبروز أسماء نسائية في التعيينات. لكن لن تكتمل سعادتهن لأنهن يردن تحصيل حقوقهن من دون تذكير الجهات المسؤولة بها في كل مرة.

أجندة مشتركة
وحظيت الحملات النسوية بدعم كثير من الأحزاب، على غرار الحزب الاتحادي الموحد الذي دعا في بيان إلى ضرورة الالتزام التام بتعظيم دور النساء وتقلدّهن للمناصب القيادية في الدولة، وتخصيص نسبة لهن من مناصب الولاة. 
وأعاد الحزب التذكير بالدور التاريخي الذي ظلّت تلعبه المرأة السودانية خلال القرون الماضية والحاضرة، مؤكداً أن ذلك يجب أنّ يمنحها مكاناً لائقاً لتتبوأ مكانها الطبيعي والطليعي في إدارة الدولة السودانية.

ويشير الحزب إلى أنه فوجئ باستبعاد اختيار العنصر النسائي لبعض مناصب الولاة، وهو أمرٌ غريب بالنسبة للثورة المجيدة وقياداتها، مطالباً بحصول المرأة على نصف المقاعد في كل أجهزة السلطة الانتقالية. إلّا أنّ القيادية في "قوى إعلان الحرية والتغيير" تيسير النوراني، والتي رُشّحت في مرحلة من المراحل لمنصب والي الخرطوم، قالت إن الحملات جاءت متأخرة جداً ولم تحدّد مطالب أو آليات واضحة. كما أن الجمعيات النسويّة لم تتوحّد وتم تهميش الأحزاب السياسية للنساء.
وتوضح النوراني لـ "العربي الجديد" أن المطلوب هو وجود أجندة مشتركة بين النساء، والاستفادة من وجود تحالف نسوي داخل الأحزاب، مشيرة إلى أن استبعادها من قوائم الترشيح جاء نتيجة اتفاقية سياسية بين الأحزاب استناداً إلى معادلات محددة لم يكن للجندرة فيها أي دور. 
وتوضح أن مقترحاً طرح في الفترة السابقة لمنح النساء 50 في المائة من الولاة أو نائب الولاة، من دون أن تجد الدعم الكافي من النساء. في الوقت نفسه، حملت التحالف الحاكم المسؤولية لعدم اختيار امرأة ضمن قوائم الترشيحات. 
ومساء الأربعاء الماضي، أعلن رئيس الوزراء السوداني، أسماء ولاة الولايات ومن بين 18 ورد إسم كل من آمنة محمد المكي كوالية على نهر النيل، وآمال محمد عز الدين كوالية على الولاية الشمالية، ما عُد تطوراً نوعياً حتى وإن لم يكتمل بحصول النساء على 40 في المائة من المناصب كما تقول بذلك الوثيقة الدستورية.