ناظم حكمت مراهقاً عثمانيّاً

04 اغسطس 2020
الصورة
جزء من قصيدة حكمت بالأبجدية العثمانية
+ الخط -

على كثرة ما نُشر للشاعر التركي ناظم حكمت (1902- 1963) من أعمال - بدءاً من طبع أعماله الكاملة للمرة الأولى في صوفيا عاصمة بلغاريا عام 1972 في ستة مجلدات، مروراً بنشرها في تركيا بعد ذلك في أواخر سبعينيات القرن الماضي، وأخيراً صدورها في 29 مجلداً عن دار نشر "آدام" التي يمتلكها محمد فؤاد، ابن الشاعر التركي نفسه، بعد أن أضاف إليها الرسائل واليوميات - إلّا أن اسم حكمت يعود من جديد، من وقت إلى آخر، مع ظهور أعمال جديدة له لم تُنشر من قبل.

الصورة
قصيدة حكمت بالأبجدية العثمانية

فلم يمرّ عامان على إصدار "مجموعة بيرايا" (اسم زوجته) عن دار "يابي كريدي" التركية، التي ضمّت دفاتر حكمت في سجون إسطنبول وبورصة وأنقرة وشانكري ما بين عامي 1937 و1942، حتى نشرت مجلة "كتابلِيك"، إحدى أبرز المجلات الأدبية التركية، في عددها الأخير خمس قصائد لحكمت، عُثر عليها في أرشيف "وقف أبحاث التاريخ الاجتماعي التركي". وبحسب تقديم المجلة، فإنه باستثناء قصيدة "حياتُنا في كلمات" التي نُشرت لاحقاً كمقطع أخير في قصيدة بعنوان "حياتُنا والعمل"، فإن بقية القصائد تُنشر للمرة الأولى.

أهم ما يميّز هذه القصائد أنها أولاً كُتبت بالأبجدية العثمانية، وفقاً لـ"كتابليك"، على عكس جميع أشعاره التي نُشرت بعد ذلك بالحروف اللاتينية. وثانياً لأنها تعبّر عن فترة مراهقة حكمت الشعرية، التي لم يصلنا عنها كثير من النصوص. وأخيراً، لأن هذه القصائد قد كُتبت في النصف الأول من عشرينيات القرن الماضي، وهي فترة مهمة في تاريخ الشاعر، حيث عُرف عن حكمت أنه سافر عام 1921 إلى الأناضول للالتحاق بصفوف المقاومة الوطنية في أثناء حرب الاستقلال.

ناظم  حكمت

بعد ذلك عمل حكمت معلماً للتركية في إحدى المدارس لفترة قصيرة، ثم بدأت علاقته بالحزب الشيوعي التركي، من خلال عمله صحافياً في جريدة الحزب. وقد تبنّى حكمت الأفكار اليسارية منذ ذلك الوقت في تركيا، ثم سافر إلى موسكو لتعلّم السياسة والاقتصاد، وتعرف هناك بالأدبيات اليسارية بشكل أوسع في روسيا الجديدة بعد الثورة. وقد أثرت هذه المرحلة بحياة حكمت وأشعاره أيضاً، حيث بدأ بكتابة الشعر الحر هناك للمرة الأولى، متأثراً بفلاديمير ماياكوفسكي. وأخيراً عاد إلى تركيا في أواخر عام 1924. 

تتوقع المجلة في تقديمها للقصائد أن يُعثَر مستقبلاً على قصائد جديدة لحكمت، كتبها خلال تلك المرحلة، بالأبجدية العثمانية، التي كان يوقّعها بـ"ن. ح"، وأحياناً بأحمد، وقد يكون الأخير اسمه المستعار في العمل السياسي.


الأول من أيّار في إسطنبول

ذَبُلت الشمسُ المنتفخةُ كالحُويْصِلة الصفراء
من لهبِ أعلامنا الحمراء بلون الدم.
الأغاني الشعبية تملأ رِئتنا مثل النار!
سلكنا الطريق يدًا بيدٍ
وها قد وصلت الطبقةُ العاملةُ من "يديكولا" حتى "سيركجي"،
ولوّنت "كارا جمرك" باللون الأحمر.
حَمَلَ حيّ "قاسم باشا" الترسانة على ظهره
ومررنا من فوق الجسر
إننا قادمون
فافتح لنا الطريقَ أيها الشارع الكبير!
لقد هزمنا البرلمانيين أصحاب الكروش في "توكاتليان"
بِكُعوبِ أحذيتنا التي تقتلع الأرصفة!
قفزنا نحو "عثمان بك"،
ووسّخنا معاطف "شيشلي" القطيفة!
ولن نسمح لأحد أن يعكّر صفو مزاجنا اليوم!
اليوم هو الأول من أيار
وكأنّ إسطنبول لنا وحدنا في هذا اليوم!


                                         ***

أيها الهيكل العظمي المُتَحجِّر لمحمود شوكت  
الطبقة التي نصبت لك تمثالًا فوق تبّة الحرية الأبدية 
لم تُعطنا حتى الفتات من الحرية
اغرب عن وجوهنا!
أيها البرج الذي يصرخ بالحرائق
لا تنظر إلينا من الأعلى
حتماً سنجعلك بوقًا لنا ذات يومٍ
وسيَصرخ فمُ إسطنبول بثورتنا الحمراء!


■ ■ ■


اعتراف

في داخلي وحشٌ مسعور
يتدفق من عينيه لهبٌ وسُخامٌ ودخان…
كن برقًا وصاعقة تَشُقّ مئة مليار كيلومتر من الأرض إلى الأمام…
أنا!
لماذا؟!
ساقاي مثل برج إيفل
سأسندهما إلى قبة كنيسة سانت بول.
أريد أن أُمسك قارة أفريقيا
بذراعيّ اللذين يشبهان غابات الأمازون
وأَهْرُسُها كبيضةٍ فاسدة.
وأن أمسك النجوم من فوق جبال الهمالايا،
وأملأ بها فمي حفنةً حفنةً
وبعد أن أملأ بطني الجائع
أريد أن آتي أمامكِ بهيبةِ قارة آسيا العملاقة…
مجنونة… مجنونة وعقلكِ مختلٌ
وعقلي مختلٌ أيضاً، 
وتلفّ حوله النيران الحمراء التي في خدّيكِ.
هذا الإكسير الأحمر الذي يمطر من شفتيكِ 
يُشرب في جرعة واحدة  
أريد أن أمسح غشاوة عينيّ بلعابكِ،
وأنتِ بين ذراعي
أيتها المرأة التي سرقتُ منها قُبْلَتَها.


■ ■ ■


حياتنا  في كلمات
    
في الثامنة صباحاً نُضرب عن العمل
وفي العاشرة يهرب صاحبُ العمل
في الخامسة مساءً نُطلق الرَّصاص من الحواجز على رجال الشرطة
وفي التاسعة نقرأ "رأس المال" في التخشيبة!


■ ■ ■


في نافذة الليل

تهزّ إسطنبول ساقيها من نافذة الليل.
الحياة توقفت!
والساعة الثانية عشرة تمامًا.
العيونُ الغاضبةُ كسرت الضوء في زجاج المقهى..
كان يقول:
هيّا أيها الرفيق
انطلق ولا تتوقف.
ألْقِ كلّ شيء
سواءً كان الطربوش أو قبعة الفرو.
وكان يقول أيضاً:
هيا لنذهبَ إلى السفينة أيها الرفيق
اقطع صوتك 
فَخَلْفَ السفينة شرطيٌّ أحمق ودنيء.
"...صفير...."!
صفّرْ!
"تعال إلى الأمام، إلى المرفأ".
لقد تسلّقنا من الحبل المتدلي
وهربنا من الشرطي
ومن كلب الفاشية صاحب القبعة الفرو.

آه يا تركيا الحمقاء
أيتها الدمية
المتشردة
المدموغة بالبرجوازية…
اُرْكُضي أيتها الطبقة العاملة!
أحنُّ كثيرًا إلى أيام الاشتراكية وليالي الحرية
في جمهورية روسيا الاشتراكية.


■ ■ ■


بيان

كفى!
لن تدعم البروليتاريا التركية البرجوازية مرة أخرى، كفى
لقد انتهى طريقنا المشترك!
كفى
لن ندعم البرجوازيين حتى تمتلئ جيوبهم!
ليس ميثاقًا وطنيًّا، لكنّه ميثاق الطبقة!
هناك استنفار للطبقات، لنحمل السلاح!
إلى الحزب الشيوعي أيها الرفيق!
إلى الأمام بالخطوة السريعة.

المساهمون