نظرات تنزلق مع الموج

02 اغسطس 2020
الصورة
(دانيبال ريّس أومبريا)

طقس 1

ببطءٍ، 
تنتظرُ المدينةُ أن يسلِّمَ الليلُ نفسَهُ
في حين ينسابُ النَهرُ على نفسهِ،
وعلى مبانٍ تختنق 
وأُناسٍ تبصق
فيما يتلفّتون حولهم.
وأُتابعُ طقس المكياج وأرى
يديك تصرّان
ووجهك يكتمل،
وفيما أتركُ عينيَّ تسلتقيان على كتفيك
أكلِّمكِ بلغةٍ غريبة.
المحطَّةُ تقتربُ،
والزجاج لا يبعدك.
شرايني تعكس نسيجاً يمتد على وقع خطواتكِ.
غير أنَّ وجهك اختفى،
وولُدِتْ سمكةٌ.
لا شيء الآن سوى 
نهر،
صمت وذكرى. 


■ ■ ■


طقس 2

وفجأةً
تصطفُ السيارات،
ويصبح السنتمتر تفصيلاً جغرافيّاً
اكُتشف للتوّ.
لا مكان للشعيرات في المخيّلة، 
هكذا أحدّد المشهد
لكي لا يمرَّ الموتُ من هنا، 
فاليد تُضْبَطُ جيداً في عمل الذاكرة. 
هكذا يمشي الحظُّ ويصير محيطاً.
وفيما أفكر في أثاث البيت،
يمطر الظّل على مقعدي
وتتراءى لي ساعة الدخول منحدراً.
وبينما نبتكر المحطة الخامسة،
حجر- 
صوتٌ يكسر النافذة.
 فجأة تطّل ذراعٌ
ونبدأ جميعاً طقس الهروب. 


■ ■ ■


طقس 3

أحبُّ المدن المينائية،
حيث يغادر الحنين ببطء،
مطيلاً ومثقلاً البكاء. 
أحبُّ المدنَ المينائية 
حيث الفرح يصل ببطء 
فتتخبّط الأيادي من بعيد
وتنزلق النظرات مع الموج.
ماذا نفكّر عند الوداع،
ماذا نفكّر عند اللقاء؟


■ ■ ■


طقس 4

التماثيل القادمة من حيث جئتُ
لا تعرف الجبر، 
علم التنجيم ولا الكيمياء. 
تَجْهلُ الأساطيرَ؛
فهي لم تتعلّم أن تنظرَ العالمَ 
وتمرَّ فيه بلا مبالاة. 
لقد كانت مشغولةً دائماً. 
قليلة هي الحَمامات التي تزور رؤوسها
وتحطُّ على أكتافها.
التماثيل القادمة من حيث جئت لا تزال كاملة:
لم تفقد إصبعاً، أنفاً 
قدماً أو ذراعاً. 
أجسادها ليست برونزيّة أو رخاميّة باردة،
بل حجارة من تلك الساخنة. 
التماثيل القادمة من حيث جئتُ،
تماثيلنا الهيكليّة،
أكلت للتوِّ مستقبلها
وهي لم تهضم بعد ماضيها. 


■ ■ ■


طقس 5

من سيرافقني هذه العشية 
لكي أعدَّ نباحَ الكلاب؟
لا موسيقى،
والمدينة، في أبدياتها المستمرة،
مطلقٌ.
سائقو التاكسي يخافون من الذئاب
وحكايتهم بدأت تفرغ مع الجُيُوب. 
الوحدة قارب بعيني طفلة
والجسد يتعرّى.
دخان السجائر يُغطّي 
الروائح العفنة،
والأنفاس تتهاوى من الطوابق العليا نحو الأسفل 
حيث ينتظرها الإسفنج.
حزنٌ،
وخوفٌ في الخزائن.
صفارات الإسعاف لا تريد أن تعرف أنَّ الطرق فارغة،
تستمر بعزف أنشودة الموت. 
في كل هذا
لا أجد نفسي
فأخترع أنني رحلت.
هذه الليلة سأكون فريداً،
واحداً لا يتجزأ،
صديقاً لنفسي ويديَّ،
فالبارحة لم أجد رفيقاً. 


■ ■ ■


طقس 6

لو تعرفين أنني جعلت من جسدك وليمةً،
لو تعرفين عن يديّ الفاحصتين القادرتين على 
استقراء بؤر الجنون في جسدك. 
لو تعرفين أنني أحلمُ بكِ
وألهو، خيميائياً، بسائلك
الذي أراقب.
لو تعرفين أنني موجودٌ،
كنت ارتجفتُ فيك. 


■ ■ ■


طقس 7

أعرفُكِ وتعرفين،
يا امرأة،
إنك بين يديَّ،
في كلِّ منعطف
مختلفةٌ:
حجراً
بشرةً 
أو جوهرةً مزيَّفة. 


■ ■ ■


طقس 8

كلَّ صباحٍ قبل أن أغادرَ البيت 
أقفُ أمام المرآة
وأنظر وجهي الخجول والغامض.
أخاف ألا أعرف نفسي،
فأكسر المرآة إلى مئة قطعة متناثرة
وأعاود النظر من جديد
فأشعر براحة،
فها أنا الآن أعرف وجهي في كل هذه القطعة المتناثرة.
هكذا أخرج بجرأة 
حاملاً كلَّ وجوهي معي. 


■ ■ ■


طقس 9

أحبك هكذا:
كاملةً،
وفي أجسادٍ أُخرى. 


■ ■ ■


طقس 10

حياة-
سرداب طويل إلى لا مكان.
أربعة جدران تكفي
 لصنع متاهة.
كل شيء يتغيّر فجأة:
المنفى يمتلئ بغازِ النّيون
الطيور تنتحر في الطوابق السفلية
واللغة تترك آثارها في الوحل.
وثمّة من يجري 
فيما نضحك جميعاً من بعيد. 


* Dannybal Reyes Umbria شاعر فنزويلي من مواليد عام 1976، تبرز أصالته داخل لغته نفسها، ما يجعله واحداً من الأصوات الشعريّة الجديدة الواعدة في فضاء اللغة الإسبانية. وإن كانت بلده تتصدّر عادة الأخبار السياسية، إلا أن تجربته داخلية رهيفة، وتقولُ السياسةَ بهذه الرهافة. من أعماله الشعرية: "طقوس الأجساد الأخرى والحياة اليومية" (2008)، و"مدينة، قبراً للصواعق" (2014/ الصورة) التي اخترنا منها هذه القصائد. 

* ترجمة عن الإسبانية: جعفر العلوني