موجة أخرى للثورات العربية

05 نوفمبر 2019
الصورة
+ الخط -
لم تتوقف مسارات الربيع العربي، وإن شهدت حالة من الجزر فترة، بفعل التحالف الحاصل بين قوى الثورة المضادة في الداخل، والدعم الخارجي كما تجسّد في قوى إقليمية وأخرى دولية. تحالف سعى بكل قوة إلى خنق كل نفس ديمقراطي، وإطاحة كل محاولة للتحرّر من ضيق الاستبداد والانفتاح على عالم أرحب من الحريات. جاءت تحرّكات الشعوب في الجزائر والسودان والعراق ولبنان، لتغيّر معادلات كثيرة في طبيعة قراءة التحولات التي تجري في المنطقة العربية، وتكشف عن القدرات المذهلة لدى الشارع العربي، للتعلم من التجارب الماضية، واستلهام كل خطوات التحول الديمقراطي الفاشلة من أجل إعادة بناء الذات والتقدم نحو مطالبها لتحقيق الدولة المدنية التي تضمن الحقوق والحريات.
ظلت الأنظمة السياسية الحاكمة تجترّ الخطاب السلطوي الفجّ نفسه، ومهما كانت طبيعة النظام الحاكم، سواء اتخذ الصبغة العسكرية، كما في الجزائر والسودان، أو كان نظاما للكانتونات الطائفية وتوزيع الغنائم على قاعدة الولاءات العرقية والمذهبية، كما هو الحال في العراق ولبنان، فقد استمرت هذه الأنظمة تعيد إنتاج الأسلوب الدعائي المشوه نفسه الذي يستهدف الحراك الشعبي في الشوارع، بمحاولة تصوير المحتجين مجموعات من الخونة والغوغائيين الذين يخدمون أجندات خارجية، وهو خطاب يثير السخرية، وخصوصاً أن الجميع يدرك أن هذه الأنظمة ذاتها، وبتقسيماتها السلطوية الحالية، إنما هي نتيجة توافقات دولية، وتبادل مصالح بين قوى إقليمية لم تتم فيها استشارة الشارع، ولا حتى منحه فرصة الرفض أو القبول بها.
تأتي الموجة الجديدة للثورات العربية لتكشف مدى الرغبة الكامنة في نفوس الجماهير الواسعة نحو إعادة تشكيل البنية السياسية العامة، لإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس عقلاني مدني، والخروج من حكم الطغمة العسكرية (مهما كان الثوب الذي تتخفى وراءه، دينيا كان أو وطنياً)، كما هو الحال في تجارب الجزائر والسودان، أو محاولة كسر الحلقة الطائفية التي تحكم المجتمع، وتضبط قواعد الولاء فيه، وتجعل كل الممارسات تجد لها مبرّرا حتى أكثرها مُناقضة لهيكل الدولة، حيث تنتشر المليشيات المسلحة في كل من العراق ولبنان، تحت شعارات شتى، وتتحول المناصب إلى ميراث دائم لعائلاتٍ بعينها، وحيث تتحول جغرافيا الوطن إلى مناطق نفوذ وكانتونات سياسية، تدين بالولاء والطاعة للماسكين بزمام المال والسلاح، لحساب مموليهم الإقليميين والدوليين.
بغض النظر عن مآلات الثورة في العراق ولبنان، نحن أمام تحوّل كبير في الوعي العربي، 
ومحاولة للتحرّر من العباءات والعمائم الطائفية والأحزاب والجماعات الدينية، والسير نحو رؤية مدنية للدولة، وما يتبعها من مفاهيم المواطنة والحقوق والحريات. ولهذا، رهان الثورة هناك أكبر من مجرّد تحدي شخص حاكم أو حزب، وإنما معركة مع احتلال تمثله تنظيمات محلية ورجال دين لا يميزون بين خدمة أجندات أجنبية وولاءاتهم الدينية المريضة. معركة من أجل إثبات حقوق المواطنة والدولة المدنية التي أصبحت حلما صعب المنال، لأن الطائفية تقتل المواطنة.
فشلت النخب السياسية في بلدان الثورات العربية في استيعاب ضخامة الحدث الحاصل، عندما تصورت أن الأمر يتعلق بمواقع سلطوية أصبحت شاغرة، بينما يتعلق الأمر بحالة تحوّل جوهري من بنية استبدادية تغوّلت وترسّخت أسسها طوال عشرياتٍ من حكم الحزب الواحد أو الطوائف أو الطغمة العسكرية، الأمر الذي جعل الترتيب الفعلي للحراك الثوري ينبغي أن يبدأ من الأساس البنائي للمجتمع ذاته، وصولاً إلى تفجير بنية السلطة القهرية التي تلازمت مع شرائح اجتماعية متنفّذة، وهو أمر يستدعي بناء قاعدة شعبية عريضة، تجد مصلحتها في استمرار الحراك الثوري، من دون الاكتفاء بالتنازع على بعض مغانم الحكم الزائلة، لأن الثورة الفعلية لا يمكن أن نتحدّث عن اكتمالها إلا عند انتصار منظومة فكرية/ قيمية جديدة، لتطيح المنظومة القديمة، وتفقدها كل أسباب الاستمرارية والبقاء. وهذا الدرس وعته جيدا الجماهير المنتفضة في الموجة الجديدة من الربيع العربي، حيث تجاوزت خطابات الأيديولوجيا المتكلّسة، وتجنّبت الصراعات الجانبية بمضامينها الطائفية والعرقية، والتي تتغذّى منها الأنظمة القائمة حاليا، لتصرّ على سلمية توجهاتها ومدنية مطالبها، وحرصها على بناء غد أفضل، يقوم على أسس المواطنة والحقوق المتساوية بين الجميع، بعيدا عن كل سياسات التفرقة التي حرصت أنظمة الاستبداد على تكريسها من خلال شق الشعوب عمودياً على أسس طائفية وأيديولوجية، وأفقيا على أسس طبقية. وما يجري اليوم هو محاولة لمجاوزة آثار هذه التقسيمات، ومهما كانت مآلات هذه الموجة الجديدة من الربيع العربي، فقد أثبتت أن الثورة تتعثر، ولكنها تعود من جديد.